كتابات حرة



ثقافة الشتائم :
الكثير من تعليقاتنا نحن العراقيين على صفحات الفيس بوك ــ خاصة مايتعلق منها بالقضايا السياسية ــ تحتشد فيها شتائم والفاظ لاتليق أبدا ً بأناس مُتعلمين، فكيف الحال إذا كانوا مثقفين!! وعادة مايُردِدُ تلك المفرادت بشكل يومي وطبيعي سكان الاحياء الهامشية والعشوائيات.وغالبا مانلجأ في تعليقاتنا الى الصاق تهم التخوين والعمالة بحق من يتقاطع معنا في الرأي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




               المُثقَّفُ الخطأ أم الخَطيئة
                                       مروان ياسين الدليمي

كل الاراء مُتاحة للطرح والنقاش،حتى لوكانت غير مقبولة وغير منطقية أو مخبولة،مادامت لاتدعوللقتلْ. فالاغبياء والمجانين والمعتوهين والشذاذ لهم الحق في أن يعبَّروا عن ارائهم،حالهم حال العباقرة،أو مَن يجدون في انفسهم عباقرة،ولاسلطة لأحدٍ في أنْ يُصادرَ أو يمنعَ رأي أحد ٍ ما،طالما الرأيُ لايهددُ الأمنَ والسّلمَ الاجتماعي،ولايدعو للقتل،فلماذا يخاف بعض المُثقفين العراقيين من الرأي الآخر المخالف لرأيهم خاصة فيماهو متعلق بالوطن أوالحاكم أوالسياسة أوالاحزاب أوالطائفة أوالقومية ... الخ،فتجد الشرار يتطاير من أعينهم قبل أرائهم !؟ . وغالبا ً مانجد أمثال هؤلاء ينتهزُ ايّة فرصة لتحريض الرأي العام وتجييشه ــ مداعباً أملا ً أثيرا ً لديه ــ ولايتردد في الافصاح عنه،بأنْ:يتِمَّ قمع واسكات الرأي الآخر. وخياراتُ القمعِ لدى أيّة سلطة سياسية غاشمة مفتوحة مصاريعها دوما ًعلى الترهيب والترغيب والنفي والتهجير والقمع والسَّجن،وآخرهاالقتل،إنْ لم يكن خيار القتل أولها.وغالبا ً مايروِّجُ هذا البعض لتلك النوايا السوداء مُتسترا ًبأغطيةٍ وذراعَ شتّى ــ هي أشبهُ بمن يضع السم في العسل ــ  وأكثر تلك الذرائع شيوعا ومدعاة للسخرية:الخوف على سلامة الشعب ! . وهذا عذرٌ أشدُّ قباحة من السبب،وفي ظاهره وباطنه مايدعو للرثاء بقدر ما يدعو للدهشة والغرابة،فهو يشيرالى حقيقة الضَّعف والهشاشة الداخلية التي يعاني منها هذا النموذج الفاقد للمناعة.وغالبا ًمايكون الظرف الذي يُهيءُّ بروزَ وشيوعَ مثل هذا المثقف الخَطيئة هو ظرفٌ شاذ بكل المقاييس،عادة ماتسوده الفوضى وتغيب عنه سلطة القانون،ويتفشّى الفساد في كل مفاصل الحياة،وتتماهى الخطوط والخنادق مابين البطولة والخيانة العظمى. ومَنْ تَندلقُ عليه مباهجُ هذا الظرف وهو فرحٌ بها،مِن دون أن يَشعرَ بوخزة الضميريصابُ دون أدنى شك بعمى الالوان،هذا إنْ لَم يُصب بعمى البصيرة،مُستَدرَجاً بضعف مناعته الثقافية ودون أن يدري إلى مملكة الوَهم،مُتربِّعاً على العرش،كتمثال من الشّمع خالٍ من الأحساس،وهو في حالةٍ من انعدام ِالوزن ِوالوعي والضمير،ليجدَ في نفسه كاتبا ً مُلهَما ًينعُمُ على الشعب بوصايتة،وفي عُمقِ تصوّره يرى الشعبُ قاصراً،مازال في طور الحضانة،لم يبلغ مرحلة الحِلم،وهوغير مؤهلٍ للوقوف على قدميه،وبمقتضى هذا الحال،وإلى أنْ يصلَ مرحلة البلوغ ِوالكمالْ ويكون فيها قادرا ً على الاختيار لابد أن يكون تحت وصايتة هو! .. ختاما اقول لهذا البعض: لعبتكم لن تطول،ستنتهي بعد حين،وحده الذباب سيعرفُ الطريقَ اليكم . 
 http://al-aalem.com/1515-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8F%D8%AB%D9%82%D9%8E%D9%91%D9%81%D9%8F%20%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7%D8%A3%20%D8%A3%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%8E%D8%B7%D9%8A%D8%A6%D8%A9.html رابط المقال في صحيفة العالم الجديد في يوم الاثنين 26 / 8 / 2013 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ







قراءتي النقدية عن رواية يامريم للكاتب سنان انطون في صحيفة الزمان الطبعة الدولية - السنة السادسة عشرة العدد 4506 - السبت 7 رجب 1434 ه 8 أيار (مايو ) 2013 م .
رواية .. يامريم  
للكاتب العراقي سنان انطون *
                      إنكِسارٌ في ذَاكِرة ٍخصبة          
رواية رشحت لجائزة البوكر العربية /القائمة القصيرة 2013.
منشورات دارالجمل /الطبعة الاولى 2012   
عتبة الذاكرة 
التقط سنان انطون حدثا مهما وخطيرا عندما اقتحمت مجموعة ارهابية مسلحة كنيسة سيدة النجاة في منطقة الكرادة في العاصمة العراقية بغداد في تمام الساعة الخامسة وخمس عشرة دقيقة من عصريوم الاحد31/  من شهرتشرين الأول من العام 2010 اثناء قيام المصلين بأداء الشعائر الاخيرة من قداس داخل الكنيسة فقتلت تلك المجموعة عددا ً كبيرا ً من المصلين قبل أن تتدخل قوات عسكرية تابعة للحكومة وتقتحم المكان لتقتل ماتبقى من المسلحين وتحرر الاحياء من المصلين.
الروائي سنان أنطون إستثمر هذا الحدث ليصبح بؤرة أساسية أنطلق من خلاله في صياغة البنية السردية لروايته وشخصياتها من غير أن يشكل هذا الحدث ــ على الرغم من فجائعيته ــ  مساحة كبيرة ومهيمنة في أحداث الرواية التي توغلت في ماهو مخفي ومطمور من التفاصيل والحقائق في البنية الاجتماعية العراقية،وقد شكل المسيحيون فيها العنصر الانساني الابرز والاساس.
هذا إضافة الى أن تقديمهم في هذا العمل قد تم بعيدا ً عن الصورة النمطية والسطحية السائدة عنهم والتي كرستها العديد من الاعمال الادبية والفنية العراقية إلاّ أن سنان انطون قال في عمله هذا مالم تقله الكثير من نماذج الادب العراقي المعاصرعن هذا المكون وقد جاء ذلك بمعالجة فنية متقدمة حاول فيها أن يقدم عملا ً روائيا ً احداثه وشخوصه مستلهمة من الواقع من غير أن يكبح جماح خياله وهو يتصدى لواقع تاريخي مازالت حقائقه شاخصة وفاعلة .
تحرك المؤلف في فضاء السرد بحريّة دون أن يخضع لمركزية الجغرافية الزمنكانية التي شغلها حادث اقتحام  الكنيسة وإنساق وراء انثيالات الذاكرة الفردية للشخصيتين الرئيستين(يوسف كوركيس  ومها جورج حداد) ومن خلالهما عبرعن طبيعة الاشكالية التي تحكم العلاقة مابين الماضي والحاضر: يوسف بسنواته التي تجاوزت الثمانين،ومها التي كانت في العشرينات من عمرها.من هنا انطلق في المعالجة السردية،مُتكأ ًعلى آلية القص والاسترجاع والتحرك على مساحة زمنية طويلة تبدأ من الفترة التي جاء فيها كوركيس والد يوسف مع نهاية العقد الاول من القرن العشرين قادما ًمن تلكيف ليسكن بغداد،ولتستمرالاحداث الى مابعد ثلاثة أيام من الهجوم على الكنيسة.
وعبر ذاكرة خصبة ليوسف كوركيس اختار الكاتب أن يستعيد تفاصيل الماضي بمكنوناته الذاتية والعامة خلال يوم واحد،وذلك عندما يستقيظ في تمام الساعة السادسة والنصف صباح يوم الاحد 31 تشرين الاول من العام  2010 ولتستيقظ معه الذكريات الحميمة،من غير أن يكون بحاجة الى منبّه لكي يستقيظ في هذا الوقت المبكر بعد أن أمست عادة له منذ سنين طويلة ماأن أصبحت مثانته أفضل مُنبّه طبيعي يجبره على الاستيقاظ وزيارة الحمَّام أكثر من مرة، وسيكون تاريخ هذا اليوم هو نفس تاريخ اليوم الذي ماتت فيه شقيقته الكبرى حِنّة قبل سبع سنوات،وهاهي السنوات السبع قد مرت بسرعة منذ ذلك الصباح "سنوات كانت حِنّة ستتعجب منها لو كانت على قيد الحياة إذ فاقت كل ماسبقها، وفاقت حتى الشهور السبعة الاخيرة من حياتها بعد الحرب الاخيرة عام 2003 ". 
لم يدندن يوسف أغنية من أغانيه المحببة كما كان يفعل عادة. .وقف أمام التقويم المُعلق على جدار المَمَر كما كان يفعل كل صباح وهي عادة قديمة لم يقلع عنها حتى بعدأن أُحيل على التقاعد وخلت أيامه من المواعيد وقلت مشاغله وواجباته.
لم يمت الماضي في ذاكرة يوسف بعد أن وصل الى العقد الثامن من عمره، "ولم يكن محبوسا ً في الصور المؤطرة المعلقة على جدران الذاكرة التي تمتد آلاف الأمتار وتلك المعلقة على جدران البيت والمحفوظة في الالبومات،بل مازال يتعايش مع الحاضرويحترب معه "ولم يتبقى له في اخريات أيامه سوى الذكريات والبيت الذي يعيش فيه وحيداً بعد أن تفرق الاهل في أصقاع الدنيا ومات البعض الآخر .
جميل شقيقه الاصغرغادرالعراق عام 1969هاربا الى لبنان موطن زوجته اللبنانية بعد أن أعدَمت السلطات العراقية صديقا له متهمة اياه بالارتباط بالماسونية. وسليمة شقيقته الصغرى التي أصرَّ والده على أن تحمل الاسم الاول للمطربة سليمة مراد أشهر مغنية في العراق في تلك الايام،وشقيقته حبيبة التي كانت من أول الفتيات اللواتي عمِلن في مهنة التمريض،وحِنَّة التي تحمَّلت مسؤولية رعاية العائلة بعد وفاة والدتهم نعيمة،وشقيقه غازي الذي كان يعمل في الآي بي سي في كركوك حتى العام 1961ومن ثم ليهاجر الى أميركا ويسكن ولاية ميشغان عام 1979،وشقيقه إلياس الذي درس الحقوق وتورّط بالسياسة ودخل السجن اكثر من مرة،وميخائيل أصغر أشقائه الذكورالذي عمل مترجما مع عدة شركات أجنبية بعد تخرجه من كلية بغداد قبل أن يستقر مترجما في السفارة الاسترالية عام 1977. 
عاش يوسف أزمنة الخير كما يقول هوعنها ومازال يتذكرها. ولكي يُبدد هذه الوحدة القاتلة دعا عائلة مسيحية صغيرة من معارفه تتألف من المهندس الشاب لؤي وزوجته مها التي تدرب الطب في جامعة بغداد  ليسكنا في الطابق الثاني من البيت. كانت مها سعيدة بأنتقالها الى هذالمكان الذي وجدت فيه الهدوء الذي افتقدته في بيت أهلها الكائن في منطقة الدورة والذي كانت قد سكنته مع زوجها لفترة قصيرة،بعد أن كان أهلها قد هجروه قبل أكثر من عام متجهين الى ناحية عنكاوا في كوردستان العراق هربا من العنف الذي بات يستهدف المسيحيين. وعلى اثر انفجار سيارة مفخخة أمام البيت تسببت في فقدانها لجنينها قررت مغادرته مع زوجها وقبول العيش في مكان بعيد عن بيت أهلها لايُذَكِرُها بما كانت قد فقدته .وليضفي وجود مها ولؤي حيوية وروحا نديّة على حياة يوسف وعلى البيت الكبير الذي تيبست ضلوعه بعد أن تشرد معظم افراده في اصقاع الدنيا وماعاد هنالك من أمل بعودتهم بعدأن دخلت البلاد في منعطف خطير من العنف بين ابنائه فدفع المسيحيون جراءه ثمنا كبيرا ً،حتى أن البلاد باتت تفرغ منهم  . 
شخصية يوسف كما رسمها المؤلف تتسم بانتماء إنساني واجتماعي قوي وعميق الى بغداد وهذا ماجعله غير قادرعلى تقبل فكرة السفر ومغادرة العراق رغم الحاح الاخوة والاخوات،إضافة الى إعتدال افكاره وتفاؤله ،فهوعلى يقين كبير بأن الاوضاع في البلاد لابد أن تعود الى طبيعتها،فكان هذا التفاؤل سببا ً في احتدام النقاش أكثر من مرة بينه وبين مها التي كانت تصب جام غضبها على الاكثرية المسلمة وتتهمها بالعنصرية والعنف والتفرقة.كما أتهمته هو ايضا في الليلة التي سبقت مذبحة الكنيسة بأنه "يعيش في الماضي".   
مَها     :" عيني .. قَيِعدمونَا بكِل  مكان بلا محكمة ،ومحَّد يحكي .الكنايس قتنحرق والناس قتتهجر وقيذبحون بينا يمنه ويسره ."
يوسف:" موبس كنايس قتنحرق بنتي .الجوامع اللي انحرقت أكثر بكثير ،والاسلام اللي انقتلو عشرات الالاف ."
مها   :" خللّي يروحون يقتلون بعضهم بعض، ويخلونا بحالنا .إحنا أشعلينا ؟"
يوسف :" موقصة علينا وما علينا، بس دولة ماكو ، والاقليات محّد يحميها غير الدولة القويّة . إحنا لاعدنا حزب، ولاميلشيا ، ولابطيخ ." 
استدعى الكاتب انطون عبر ذاكرة الشخصية الرئيسية يوسف كوركيس  أحداثا ً ومنعطفات عامة،منها :احتلال العراق للكويت عام 1990 وماأعقبه من تداعيات خطيرة على المجتمع العراقي تركت اثرها العميق في اجزاء مهمة من جنوب وشمال البلاد التي شهدت انتفاضة شعبية تم قمعها بقسوة ووحشية ،ثم تلى ذلك حصارا دوليا ظالما فتتَ نسيج المجتمع العراقي بسبب الجوع والامراض التي فتكت به. فكان هذا الاستدعاء لأزمنة من الماضي القريب ماهو إلاّ إلتماساً لجأ إليه المؤلف "بحثا ً عن إجابات آتية من الماضي لكن الزمن هنا مضاعفا : زمن الكتابة وزمن الذاكرة ." كما يقول رولان بارت في كتابه النقد البنيوي للحكاية .
يوسف :" وعندما عاد التيار الكهربائي أول مرة في نيسان كان ذلك قبل يوم من عيد ميلاد صدام . ظهر في اليوم التالي يحتفل به ببدلة بيضاء ويقطع كعكته أمام أطفال يرقصون ويغنون له كأن شيئا لم يكن ." 
حنّه:" يعني مايستحي هذا !، هاكذ يسوّي بعد اللي صار بينا ؟ موعيب ؟ الناس ماتت والبلد انخرب وهو يسوّي هابي بيرثدي مثل الزعاطيط ؟ أخلاق سز ."
عتبة الفوتوغراف 
الصور الفوتوغرافية التي تركها أفرادعائلة يوسف كانت عتبة اساسية انطلقت بها مسوغات المؤلف في تركيب  بنيته السردية لأجل لملمة الحكايات المتناثرة بين طيّات الزمن المتشظي"توزعت الصّور فوق التلفزيون وعلى بعض جدران البيت، وهناك غيرها مئات من الصور في الالبومات وفي مظاريف وأكياس في غرفة النوم الثالثة في الطابق الارضي " إلاّ أن صورة واحدة كان يحتفظ بها يوسف في ظرف صغير في دولاب في غرفته لم يخرجها منه منذ سنين لكنه يحتفظ بنسخ معلقة في كل مكان على جدران قلبه وروحه ،صورة امرأة قلبت عالمه رأسا ً على عقب لكن قصته مع المُهندسة المُسلمة (دلال )انتهت كما تنتهي شبيهاتها من قصص الحب المحرم وفق قوانين بيئة اجتماعية لاتتسامح مطلقا بمثل هذه العلاقات. 
الكثير من تلك الصورالمعلقة على جدران غرفة شقيقته حِنّه لم يكن يوسف يتذكر تاريخ التقاطها بالضبط،منها مالتقطته عدسة المصورالارمني الذي كان يمرعلى الشارع بيتاً بيتا يحاول إغراء العوائل بأن تلتقط صورة جماعية.فيختار المصّور زاوية مناسبة في باحة البيت لتقف العائلة أمامها كي تلتقط الصورة. . في واحدة من تلك الصورالتي يقف يوسف أمامها يتأملها قبل أن يغادرالبيت يبدو كوركيس والده جالسا بوقار في قلب الصورة يرتدي الصّاية واليشماغ ملفوف حول رأسه على طريقة القادمين حديثاً من قرى الشمال رغم أنه قد هجر تلكيف وجاء الى بغداد قبل أكثر من ثلاثة عقود إلاّ أنه رفض أن يغير ملابسه ويلبس "أفندي " مهما ألح ّ عليه الاخرون، وظل يرتدي هذا الزي حتى موته عام 1957 .
الصور الفوتوغرافية التي أعتمدها سنان انطوان في تأثيث المشهد السردي للرواية يمضي بها في تواتر مترابط ليقوم بمهمة إعادة بناء التفاصيل واخراجها من سكونيتها مستحضرا ًحساسية الانفعالات والعواطف الانسانية بأحتمالاتها المبهجة والمحزنة وهوفي كل هذا التأسيس والتشكيل يمهَّد بهدؤ وايقاع بطيء ـــ يتناسب مع بطىء حركة يوسف منذ إحالته على التقاعد من وظيفته في مؤسسة التمر العراقيةـــ لكي يتم ألانتقال المفاجىء الى حدث اقتحام الكنيسة الذي تأجّلت الاشارة اليه حتى الصفحة 144من مجموع صفحات الرواية البالغة 156صفحة، فكان ذلك تمهيدا ًهادئا ً إتَّسم ببطىء واضح ومقصود . 

عتبة الثوثيق الفلمي 
وفي سعي واضح من مؤلف الرواية على أن يعضِّد افتراضاته التخييلة  التزمَ مَساراً واقعيا وثائقيا ً واضحا ليمسك بشظايا الحدث داخل الكنيسة وفق رؤيتين تتعاضدان ولاتتقاطعان،الاولى رؤية ذاتية وذلك من خلال شخصية(مها جورج حداد ) التي تولت سرد ماجرى في الكنيسة بدقة وتفصيل أمام عدسة مراسل قناة عشتار الفضائية بعد نجاتها من المذبحة، والثانية كانت رؤية موضوعية جاءت من خلال عدسة الكامرة المثبتة في خوذة أحد الجنود الذين اقتحموا الكنيسة وطهروها من القتلة .
"ظل جسد يوسف مسجى على أرض الكنيسة لأكثر من أربع ساعات قبل أن يحمل إلى الخارج بعد تخليص الرهائن وإخلاء الجرحى . كان محاطاً بأشلاء بشرية وبقطع من الزجاج المكسور والغبار والجص وببركة صغيرة من الدم الذي ظل ينزفه . داس أحد أفراد قوة مكافحة الارهاب الذين دخلوا الكنيسة على اصابع يده اليسرى بالخطأ فهشم عظام ثلاثاً من اصابعه.كان يحمل كاميرة صغيرة معه ويصور العملية وظل يطلب من الرهائن المحررين أن ينظروا إلى الكامرةوأن يقولوا "كولوا الله " .حُمِّل الفيلم بعد أيام على اليوتوب مع معلومات عن قائد العملية وأغنية حماسية للترويج للفرقة الذهبية التي انقذت الرهائن ."
عتبة اللهجة المحلية 
ربما يكون اختيار اللهجة المحلية الموصلية عائقا الى حد ما في عملية الفهم والتواصل مع مفردات ودلالات الحوار داخل الرواية وذلك لخصوصية هذه اللهجة وعدم شيوعها كثيرا خاصة لدى شعوب المنطقة العربية وهذا مايضع القارىء في مواجهة صعبة لفكِّ طلاسمها على الرغم من أهميتها وخصوصيتها هنا في التعبير عن وجدان وذاكرة الشخصيات ، ولاشك أن المؤلف كان مُدركا تمام الادراك لهذه القضية لكنه وكما يبدو لنا كان حريصا على توظيف ماتمتلكه هذه اللهجة من طاقة تعبيرية تعكس مدنية وتحضّر من يتحدثون بها وليكون بالتالي استثمارها قد جاء انطلاقا من غاية توظيفية شحنت الحوار بمرجعية محلية تُتختزن فيها ذاكرة دينية واجتماعية تتشظى بلمفوظاتها دلالات تراثية وتاريخية لشخصيات الرواية . 
خلاصة القول ان سنان انطون يكشف للقارىء في هذا العمل كفاءته وقدرته على الامساك بعناصرالتشكيل الروائي،واضاف للمكتبة الروائية العربية عملاً يستحق القراءة .

*سنان أنطون:شاعروروائي ومترجم ولد في بغداد عام 1967. له روايتان "إعجام " و"وحدها شجرة الرمان " وديوان شعر بعنوان "ليل واحد في كل المدن "والعديد من المقالات بالعربية والانكليزية.تُرجمت كتاباته إلى الانكليزية والالمانية والايطالية والنرويجية والبرتغالية .عاد إلى العراق عام 2003 ليشارك في اخراج فيلم وثائقي بعنوان "حول بغداد "عام 2004 عن العراق بعد الدكتاتورية والاحتلال .ترجم أشعار محمود درويش وسركون بولص وسعدي يوسف وغيرهم إلى الانكليزية.نشرت ترجمته لكتاب "في حضرة الغياب "لمحمود درويش باللغة الانكليزية عام 2011 عن دار آرشيبيلاغو. يعمل أستاذا ً للادب العربي في جامعة نييورك منذ عام 2005.




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


                إلى المَالكي في عُزلتِهِ  .. هل ستعتذرْ  ؟

                                            مروان ياسين الدليمي

كان من الممكن أن تكونَ لنا جميعاً وهذا أمرٌ مرهوناً خيارهُ بك وحدك، لكنكَ أخطأتْ،فذهبتَ بعيدا ًجدا ًعندما شئت أنْ تكون للحزب فقط دون شعبك، ،ولاأدري إنْ كنتَ مُكبّلا ًوخاضعاً بفعل انتمائك الحزبي أوالطائفي لمشيئة أخرين في هذاالاختيارأم أن هذا هوأختيارك عن وعي ٍوقصد ٍ وإصرار ٍ وتصميم ؟
يادولة رئيس الوزراء .. مالذي كنت ستخسرهُ فيما لو كان خِطابُك موجَّها ً لنا،لجميع الناس،وبِنيِّة ٍصادقةٍ،صوناً لكرامتهم الانسانية التي مرَّغَتْها الحروب والدكتاتورية وملاحقات الاجهزة الامنية عقودا ًطويلة ً؟ لكنك شِئتَ أن تكون مُختَصَراً بحزبِكَ،وهولايشكِّل شيئا ًفي حجمه ِوأهميته ِأمام عموم الناس البُسطاء، وبلاشك أنت تعلمُ ذلك جيدا ً.
لقد أضعتَ من بين يديكَ كما هي عادةُ الحكام العرب فرصة ًذهبية ًجاءتك في لحظة عابرة من مَسيرة التاريخ،أشكُّ في أنَّها كانت حاضرة ًولو حتى في خيالك.. لحظة كُنتَ أنت َفيها في أعلى هَرَم السلطة العراقية، وكنّا نحن فيها جميعاً غرقى في مستنقع ٍ من أليأس والاحباط تصطادُنا الشظايا والمفخخات ورصاصات الارهاب وكواتمه . . كان من الممكن أن تكون أنت السبيلٌ الى هذا الامل المُرتجى،وأن تكون عونا ً لنا في محنتنا لا أنْ تكونَ بلوة ًكُبرى تنزل علينا .
يادولة الرئيس . .الاحزابُ في منطقتنا العربية ليست سوى فئات ٍصغيرةٍ ظالّةٍ عن الصوابْ،لاتفكِّرُ إلاّ بنفسِها ومَصالِحِهاوأمتيازاتِها، فَلِم أرتضيتَ أن تكونَ لها ولم تكُنْ لنا ؟  
كان عليكَ أن تُدركَ أنَّ :عرش السلطة لن يَبقَ دائما ًوأبدا ًلحزب الدعوة ومن معه في التحالف الوطني َ،حتى لو توهَّموا بذلك، ولاأظنك بحاجةٍ لأنْ أسوقَ لكَ أمثلة ًإثباتا ًوتأكيدا ًلهذا.
أنا أفترض أنَّ تاريخك السياسي الطويل قد أعطاك درسا ً بليغا ً "أنْ لاأحد باق ٍعلى الكرسي" وعاجلا ً أو آجلا ً سيأتي ذلك اليوم الذي سيرحَلُ عنهُ أو يُرحُّلُ عَنهُ عنوة ًمن يجلس مُسترخيا ًومُنتشيا ًعليه. . لكنني ومن وقائع ماشهدناه من أخطاء كارثية جاءت منكَ ومِن حزبك الحاكم،أجِدكَ لم تفكر ولو للحظة بالساعة التي سيأتي فيها أوان الرحيل،لانَّك وكما يبدو جليا ً مازلت تحيا نشوة َمُنتَصِر ٍوجَدَ نفسه فجأة يتقدمُ في ساحة ِالمعركةِ أمام جيش ٍمُثقلٍ بالجراحْ. 
دولة الرئيس .. فقط العُقلاء هم من يملكونَ الحِكمةَ َساعة َالنصر ليجدوا لأنفسهم فسحة ًمن الوقت حتى يفكروا بساعة ٍ قادمةٍ يحينُ فيها موعدالرحيل عن العرش،ولاأظنك بعد كل الذي رأيناه مِنكَ طيلة الاعوام السبعة اثناء حُكمِك للبلاد قد فكرت بها مطلقا،ولو كنتَ فعلا قد فكَّرتَ بها لجنَّبت البلاد ماهي عليه الان َمن بؤس ٍوماهي مُقدِمَة ُعليه من إيامٍ قد تكون هي ألأشَدّ صعوبة مما مضى،ولن تكون شدَّتها وقسوتها واقعة على الناس وحدهم، بل ستكون أولا ًعلى مَن سيحكُمها من حزبكم بعد رحيلك.  
المشهد المُهلِك الذي رسمتَهُ بنفسِك لنفسِك ولشعبِك ولبلدِك بلاشك ِّختامهُ لن يبعث فيكَ المَسَرَّة،ولن تكونَ بأحسَن ِحال عمَّنْ سبقوك الى كرسي الحكم ، وستكون أنتَ محشوراً في الزاوية الضيّقة التي كنتَ قابعاً فيها طيلة حكمك غاضبا ًومُتجهِّما ًومُشيحا ًبوجهِك عن عموم الناس،بينمااحتفظتَ سراً بأبتسامة عريضة لأفراد حزبك حصراً،لأنك ظننت مُتوهماً أنهم قارب النجاة لك في الدنياوالآخرة، وهم في الحقيقة ليسوا سوى حفنة ٍمانفكّت ماضية في إغراقك بوهم ٍزائف من الشعور بالقوة والسلطان،ولن يدعونَك أبدا ً تصحو منه إلا ّبعد أن تسقط من على العرش لتجِدَ نفسكَ على الارض مُحطّما ًولاأحد َ مِنهم حولك.
لك الآن ــ وانتَ في الايام ِِالاخيرة من عُمرالولاية الثانية ــ  أنْ تقفَ أمام ذاتِك كاشفا ًومٌحاسبها لها على أخطاءها، ثم عليك أنْ تقِفَ بعدَها بكل وضوحٍ وشجاعةٍ لِِتُقِرَّ  بها أمام شعبك،عندها ستحظى بالتصالح مع ذاتك، وبالطمأنينة التي طالما افتقدتَّها طيلة عمرك، ولتحظى بلاشك بمغفرة الشعب لأخطائك،وأنت هنا لن تخسر سوى حفنة من الكذابين كانوا دائما يدورون حولك.
 فهل ستفعل أم ستبقى آسير سياساتٍ حزبية ٍمريضةٍ صاغها إنتهازيون ومنافقون  . ؟ 



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



 مقالي في الزمان- الطبعة الدولية
- السنة الخامسة عشرة - العدد 4403-
 الخميس 5من ربيع الاول 1434ه17من كانون الثاني (يناير )2013مِ .

                                           الاحزاب الديناصورية . . 

الاحزاب في المنطقة العربية مصابة بنفس الامراض منذ ظهورها مع مطلع القرن العشرين،ويظهر ذلك جليا بعد وصول أيا ً منها الى سدة الحكم،ونظرة سريعة الى طبيعة الاساليب وردود الافعال التي تصدرعنها إزاء أي حدث يواجه سياساتها،لنكتشف على الفوروكأنها تنطلق من عقلية واحدة،على الرغم من اختلاف الايدلوجيات التي تتحصن وراءها سواء كانت إسلامية أو قومية أو ماركسية. فنبرة التخوين والتشكيك بوطنية الطرف المعارض هي السِّمة المشتركة التي تجتمع عليها جميع الاحزاب، ومن خلالها يتم اللجوء الى اساليب التسقيط والتزييف الاعلامي ضد الخصوم حتى لو أدى ذلك الى دفع البلاد نحو حرب أهلية يذهب ضحيتها العشرات،ولنا في ذلك أمثلة قريبة جدا، منها ماحدث في مصر قبل سقوط مبارك عندما كان الحزب الوطني الحاكم يكيل التهم لكل القوى الثائرة ضده متهما ً إياها بالعمالة للاجنبي وتلقيها أموالا ًمن دول معادية وتنفيذها لأجندات أجنبية. والمفارقة المضحكة أن التهم ذاتها باتت تطلقها جماعة الاخوان المسلمين على كل القوى السياسية المصرية التي اختلفت معها بعد أن تسلمت هي السلطة !. كذلك الحال في العراق أيام حكم البعث،ونفس الوضع أيضا ً بات ينطبق الآن على من جاء بعده وتسلم عرش السلطة!. 
ماذا يعني هذا !؟. . هل يعني أن العقل العربي يعاني في جوهره من أزمة مستفحلة ومستعصية في التفكير تمنعه من انتاج شيء جديد حتى في حدود الصراع على السلطة مع الاخرين ؟ ألا يدعو هذا الشعوب العربية قبل أحزابها الى الدهشة والالم وبنفس الوقت الرثاء والخجل !؟ ذلك لأنها ارتضت لنفسها أن تبقى أسيرة كيانات واحزاب وايدلوجيات سياسية مِسخ، لاقيمة ولانفع لها على الارض، بل إن وجودهاوحضورها بكل تخريجاتها الفكرية الهجينة هوأكبر خطيئة أرتكبت ومازالت ترتكب بحق شعوبها . 
لماذا تبقى الاجيال العربية تخوض في مستنقع آسن ٍ لِسياسات الاحزاب العربية ومخططاتها المتعفنة !؟ ألم يحن الوقت لكي نرى جيلا جديداً من قادة وساسة شباب تخلوا عقولهم وارواحهم من عقد وأمراض الساسة الكهول واحزابهم الديناصورية ؟ ألم يحن الوقت لظهور احزاب جديدة لاعلاقة لها بكل الارث الايدولوجي المُحتَقِن والمُحتقَن بكل خرافات الفكرالمتطرف سواء ماكان منه ماركسيا أو قوميا أو اسلامويا او طائفيا ً ؟. . ألم يحن الوقت لكي توضع هذه الايقونات في المتاحف أو ترمى في براميل القمامة ؟ ويمكن فقط ملاحظة ملامح لهذا التغيير في مصرعبر تشكيلات سياسية جديدة اعلنت عن نفسها خلال الاعوام القليلة الماضية مثل حركة 6 ابريل التي قادت عملية التغيير السياسي في مصر وكانت رأس الحربة في ثورة 26 يناير كانون الثاني 2011 وجل قادتها واعضائها من الشباب الذين تتراوح اعمارهم مابين 20 – 26 . 
إن المجتمعات العربية ماعادت تحتاج إلى احزاب لارصيد لديها سوى مفكرين وفلاسفة ومنظرين لاينتمون الى هذا العصر بكل متغيراته واحتياجاته مثل: ماركس وجيفارا وميشيل عفلق وحسن نصرالله وحسن البنا . . هي الان أحوج ماتكون الى أحزاب واقعية لاترفع ايّة شعارات سياسية إنما : برامج ومشاريع وخطط تنموية تسعى لأستثمار الطاقات العلمية والبشرية لكل الشباب العاطل عن العمل وتقدم افضل الخدمات لعموم الشعب،من تعليم متقدم الى رعاية صحية الى سكن لائق الى عيش كريم يليق وينصف آدمية وكرامة الانسان إضافة الى تكريس الدعوة لتعميق الاخوة الانسانية بين الاديان والقوميات وعموم البشر. 
يكفي ماضاع من عمرالشعوب العربية جرّاء خطابات وشعارات ثورية طنانة تتاجر بالدين والقومية والوطنية وتسوق الشعوب الى حروب خاسرة وانتصارات وهمية ، وفي مقابل هذا تعجزعن تقديم ابسط الخدمات لشعوبها من شارع مبلط نظيف ، وكسرة خبزلطفل جائع وعلاج لمريض لايملك ثمن الدواء،وبيت لعائلة تسكن القبوروتعتاش على المزابل . . 
آن الاوان ليتوقف مسلسل التظاهرات الهزلية المُمِلةِ التي مانفكت تجيّشُها أحزاب السلطة ضد من يعترض على سياساتها ويساق عنوة إليهاموظفون ومدرسون وطلاب مدارس لكي يهتفوا دعما ً وتأييدا ًلكل سياسات ألحاكم وحزبه،وكأنَّ الناس مكتوب عليها الصمت والرضوخ والخنوع ولايحق لها الاحتجاج علنا ً إزاء مايقع عليها من حيف أو ظلم .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ






 قراءتي النقدية لرواية " ابن طرّاق " للكاتبين السعوديين محمد وبدر السمّاري في صحيفة الزمان -السنة الخامسة عشرة - العدد 4380 الاثنين 3 من صفر 1434 ه 17 من كانون الاول ( ديسمبر ) 2012 م.

                      تشظي السرد وتعدد الاصوات
                    في رواية . . أبن طرّاق  .

الادب الروائي لايشكل حضورا ً ملفتا في المشهد الابداعي  السعودي خاصة والعربي عامة، أولا ً لندرة الكتابات الروائية ،وثانيا ً عدم أهمية مايطرح من نصوص روائية بالمقارنة مع ماينتج من سرد روائي متقدم في عدد من البلدان العربية (مصر، المغرب العربي ،العراق،  بلاد الشام ) ، في مقابل هذا حاولت عدد من دور النشر أن تضفي  هالة من الاهمية المبالغ في تقديرها في اكثر الاحوال لبعض من الكتابات الروائية النسوية تحديدا ً،ويقف وراء ذلك غايات تجارية رغم الملاحظات الفنية المسجلة ضد تلك الكتابات ، مع اننا لاننفي توفرها على عدد من العناصر التي تمنحها اهمية خاصة ،وذلك يعود الى جرأتها وهي  تتناول موضوعات تتسم بحساسية بالغة في المجتمع السعودي عبراستثمار الفن الروائي ، كالجنس والعلاقات العاطفية الى غيرها من التابوهات الاجتماعية التي تشكل ستاراً ثقيلا يكبح جماح الشخصية السعودية التي تعيش وضعا مأزوما ً يزدادا إحتقانا ً يوما بعد آخر .
 ويشكل هذا المجتمع في بنيته صورة لما أطلق عليه نقديا مجتمعات مابعد الحداثة، وهي مجتمعات تبدو  مُتارجحة مابين تطلعاتها الذاتية نحو الحرية في التفكير واختيارات العيش وبين الخضوع تحت  هيمنة سلطات متعددة تتقاسمها تقاليد بدوية وقبلية ضمن منظومة متشددة من الافكار والمعتقدات المستمدة والمستنتجة من نصوص دينية مقدسة.
في ظل هذه الصورة البالغة الحساسية والتعقيد التي يعيشها المثقف والمبدع السعودي والتي يجد نفسه فيها مضطرا ً لأن يتعامل معها ويجاريها رغم نبرة الرفض والاحتجاج التي تتفجر بشكل خفي ومخبوء في ذاته ضدها لابد لنا ان نحتفي بأي عمل أدبي قادم من السعودية يسعى كاتبه الى كسر حاجز الخوف داخل نفسه أولا في محاولة منه لأن يمدَّ بصره خارج الحواجز والاسوار العالية التي يقبع مرهونا خلفها ، في سعي منه  لينفذ في أعماق مجتمعه المُتلفِع بالغموض الشديد والحجب الثقيلة ، سعيا ً منه لكشف الصراعات التي تخوضها الذات الانسانية في مجتمع محافظ ومتزمّت لايسمح مطلقا ً بالخروج عن الثوابت التي تعوّدت القوى المجتمعية على تقديسها والانحناء لها رغم عزلتها عن المتغيرات العميقة والواسعة التي شهدتها البشرية في إطاراحترام الحرية الفردية . وإذا ما توفر في أي نص روائي سعودي  جملة من العناصر الفنية المنجذبة نحو التجديد والخروج عن الاطر التقليدية في السرد والمعالجة عندها يكون أحتفاءنا منطلقه الاساس ، فني بحت،وليس إطراءً مبعثه التشجيع فقط .
رواية (أبن طرّاق )التي تقاسم فصول كتابتها محمد السماري وبدر السماري والتي تقع في 430 صفحة والتي صدرت طبعتها الاولى عام 2011 عن دار آثر للنشر والتوزيع في المملكة العربية السعودية / الدمام ، والدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت . تمثل نموذجا لعمل روائي أمتلك خصوصية العناصر الفنية التي توفرت عليها اساليب مابعد الحداثة ، هنا نجد في هذا العمل أن المسار الفني قد إكتمل بنائه في فصول سبعة حملت عناوينها الفرعية أسماء جميع الشخصيات التي أحتشد النص بها ، فكانت عناوين الفصول عتبات أشارية اكتسبت خصوصيتها المتنوعة من تركيبة الشخصيات مثل ( ابن طرّاق ، أبن مسمار ، الطارق ..الخ ) وفصول اخرى استمدت عناوينها من الاحداث ( محكمة 1 ، محكمة 2 ، فياجرا ، الطريق الى ماوراء الشمس ) .
 جرأة هذا النص الروائي وماأشتمل عليه من خصوصية فنية تبدو من الصفحة الاولى عندما يطالعك الاهداء بهذه الجملة :"إلى الذين ماا نفكوا ينصبون الحواجز،نشكركم كثيرا،إذ منحتمونا عزم عداء أولمبي " .
هذا المفتتح  يمْسِكَنا نحن القُرَّاء ليقودنا الى عالم ابن طرّاق كي نشهد معه الدقائق الاخيرة من حياته قبل ان يلفظ انفاسه وحيدا على سرير بارد في مستوصف القرية والخالي من المراجعين والاطباء بعد نهاية الدوام الرسمي ولايقف الى جانبه سوى صبحي المصري سائقه وكاتم اسراره الشخصي ولاأحد من نسائه الاربعة ولاأولاده ومحضياته اللواتي كان يغدق عليهن الكثيرمن العطف والمحبة والرأفة، اضافة الى ما كان يمنحهن من مالٍ بسخاء ٍواضح ٍ إفتقدنَه ُ فيما بعد في شخصية ابنه الاكبر جبل الذي تولى ادارة شؤون العائلة حسب ماتقتضي الاعراف بعد وفاة والده بأعتباره الاكبر من بين جميع الاولاد الذين تركهم ابن طراق من نسائه الاربعة ، ليجد نفسه فجأة مسؤولا عن الارث الكبير  الذي تركه والده  من الاموال والاملاك ،والذي لايعلم عنه الاّ القليل ،كما يجد نفسه منساقا الى الاستمرار في احياء الحياة السرّية لوالده  في مزرعة تقع خارج مدينة الرياض كانت تشهد سهرات اسبوعية تتكفل بتنظيمها ( لوزية ) التي كانت قد استجابت لكل طلبات أبن طرّاق ووفرة له كل مايشتهي من أصناف النساء، وفيما بعد سنكتشف أن لوزية  تعمل في النهار موظفة في سلك التعليم بدرجة نائبة مديرة مدرسة ثانوية وفي الليل تعمل ( قوّادة ) تتولى ادارة شؤون العديد من الفتيات والنساء العاهرات،بعضهن ينتمين الى اصول قبلية عريقة في المجتمع،وهذه السهرات الاسبوعية كان ابن طراق حريصا على إقامتها فكانت تحفل بالنساء الباحثات عن الحب والحرية والعطف قبل المتعة والمال وهذا هو ماوجدنَه في سهرات ابن طرّاق الذي كان يتسع قلبه لهُنَّ قبل أي شيء آخر .
مالذي يمكن أن يستدعي في الذاكرة عندما يواجه قارىء هذه الرواية في وسط أعلى الصفحة الاولى عنوانا ً يقول  : " مثل كلب "  .  فتكون هذه العبارة مفتتحا ً للدخول الى الفصل الاول منها . تلك كانت دهشة اولى يستيقظ فيها الوعي المعبأ بالمفاهيم والمقولات الجاهزة عن بيئة المجتمع السعودي، ثم يأتي بعدها حوار آخر  يتألف من جملتين:
                                     "- أسرع ياقواد
                                      - حاضر ياعم
 ليكشف فيهما الكاتبان عن مسارغير متوقع  يبعد تماما عن سطحية الصورة المترسِّبة في ذاكرة القارىء حول طبيعة مايمكن أن يكون عليه الادب السعودي من محافظة وتقليدية .
فيما يتعلق بحبكة الرواية وبنيتها الفنية التي خرجت تماما عن المنظومة التقليدية في سرد الاحداث وبناء الحكاية،  لتتشظى الى حكايات يتعاقب على سردها ضمائر مختلفة تمثل اصوات الشخصيات التي تتحرك في نسيج التفاصيل المتداخلة مع بعضها والتي تتمركز جميعها عند شخصية( أبن طرّاق ) المحورية . وهذه من الخاصايات التي أفرزتها مرحلة مابعد الحداثة حتى أن العديد من الشخصيات الروائية الهامشية تتقاطع في رؤيتها للاحداث ليجد قارىء العمل أن كاتبي الرواية هما الاخران يتحولان في لحظة ما من زمن بناء حبكة الرواية الى شخصيتين روائيتين تتقاطع رؤيتاهما مع كاتبي الرواية ايضا ً اثناء سردهما للاحداث ويترك المؤلفان محمد السماري وبدر السماري لشخصيتي المؤلِفين المُفتَرضَين للنص الروائي داخل النص الروائي نفسه حرية البناء السردي والتفكير بعيدا عما يخطط الكاتبان الاصليان محمد وبدر السماري في تأثيث معمارية البناء السردي، وهنا تكمن الخاصية الفنية للرواية والمتجسدة في تعدد الاصوات التي تنسج حبكتها وتروي الاحداث وفقا لمنطقها ووجهة نظرها ، وهذا  يتوافق مع ما أشار اليه محمد برادة في المقدمة التي كان قد كتبها عندما ترجم كتاب(الخطاب الروائي) لباختين ،إذ يقول :"خطاب الرواية خطاباً خليطاً متصلاً بسيرورات تعدد اللغات والاصوات وتفاعل الكلام والخطابات والنصوص ضمن سياق المجتمعات الحديثة القائمة على انقاض قطائع اجتماعية وابستمولوجية مع مجتمعات القرون الوسطى "
بلاشك ان هذا العمل الروائي فيه الكثير من الاشتباك الفني مع ماجاء من طروحات فنية انتجها الفن الروائي لما بعد الحداثة ، وقد اتسم في عموم بنيته الفنية بالتشظي والانشطار : "النقيض يجاور نقيضه في اتصال غير منقطع " كما يقول عبد الله الغذامي في كتابه (هويات مابعد الحداثة) ولان المجتمع السعودي هو الاخر يعيش حالة من التحولات التي تتعمق فيها الصراعات  القائمة بين تراكيب وهويات متناقضة خلال العقود الاخيرة لذا أجد هنا الكثير مما تنطبق عليه تلك المقولات التي كان قد توصل اليها هيغل عندما ربط بين شكل الرواية ومضمون التحولات البنيوية التي كان قد شهدها المجتمع الاوربي خلال صعود البرجوازية وقيام الدولة الحديثة في القرن التاسع عشر .
 ونتيجة لمايحدث في المجتمع السعودي من ارهاصات كان لابد ان ينعكس ذلك على الفن الروائي وليتحول هو الاخر مستجيبا لهذه المتغيرات ، وهذا مايبدو واضحا في تركيبة  الشخصيات التي بتنا نواجهها وهي تخوض أختياراتها وانحرافاتها بعيدة عن النمط التقليدي الذي يهمين على سطح المجتمع مثل شخصية فردوس الزوجة الشابة لابن طراق التي  يأتي  ترتيبها الرابع بين زوجاته،  فالكاتبان قدّما هذه الشخصية لتعبر عن جيل جديد يحرص على أرتداء أحدث ماتطرحه دورالازياء من بناطيل الجينز الضيقة كما لاتتردد في أن تستعرض نفسها أمام أبن زوجها (جبل)  لكي تعرف رأيه فيما لوكان البنطلون الضيق لائقا ًعلى جسدها أم لا ، هذه الشخصية بهذا البناء المتمرد الذي جاءت عليه والتي لاتصغي حتى لوصايا ونصائح ابيها تجسد نموذجا صريحا ً للقوى الاجتماعية التي باتت تجابه مايفرض عليها من عقبات تهدف الى ارغامها على الخضوع لمواضعات العلائق الاجتماعية التي عرفها وكرسها المجتمع .
عموما  رواية ابن طراق تشكل تحديا مهما ومثيرا في الكتابة الروائية المشتركة التي سبق أن تعاطى معها عدد من الروائيين العرب،على سبيل المثال تجربة جبرا ابراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف في رواية عالم بلا خرائط .
إضافة الى كونها عمل روائي جريء وغير تقليدي في بنيته الفنية ويعكس صورة مشرقة لطبيعة النتاج الفني الذي بات يفرض وجوده في خارطة مايطرح من أعمال روائية في المشهد الابداعي السعودي .






ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المسرح ـ الأستوديو.. جدل التماثل والاختلاف


 
قبل اكثر من خمسة وعشرين عاما،  اي قبل ظهور البث التلفزيوني الفضائي الذي دخل عالمنا في مطلع تسعنيات القرن الماضي وخيم بوجوده وهيمنته مع نهاية ذاك العقد ومع مطلع القرن الواحد والعشرين ،بسبب ألثورة التكنولوجية في ميدان تكنولوجيا الإعلام والاتصال عبر ما حملته التقنيات الرقمية وما وفرته تقنيات إدماج الصوت والصورة  من معطيات هائلة.
 لم يكن هنالك قبل ظهور البث الفضائي اي اوجه تقارب واضحة ، مابين الاستديو التلفزيوني وصالة العرض المسرحي . ذلك لان الانتاج البرامجي بعد ظهور القنوات الفضائية والتنافس الشديد فيما بينها من اجل البقاء وسط تنافس شديد على استقطاب اكبر فرص للاعلان من اجل توفير الدعم المالي لاستمرار تلك القنوات ،التي يتطلب استمرارها في البث وفي انتاج برامجها الى تخصيصات مالية عالية جداً.
وهنا دفعت حالة التنافس هذه مسؤولي القنوات الى التفكير الدائم في ابتكار افكار واشكال جديدة من البرامج التي اصبحت تراهن بمجموعها على استقطاب المتفرج الى مشاهدة البث الخاص بالقناة اطول فترة ممكنة،ودفعه الى عدم التفكير في الانتقال الى مشاهدة برامج قنوات اخرى تزدحم بها قائمة البث الفضائي وتصل الى مئات القنوات التي تقدم له كل يفكر به ومالايفكر به .
وعلى ذلك  اصبحت المهمة عسيرة وشاقة جداً  على مسؤولي القنوات الفضائية ،  وهم يفكرون في الكيفية التي يبقون فيها  دائماً ضمن اولوية اهتمامات المتلقي بقناتهم ،  التي تواجه منافسة شديدة وشرسة  ، من قبل قائمة طويلة من القنوات المتنافسة .
وفي خضم هذه الاجواء الساخنة  توصل العقول الاعلامية الاميركية  الى الاعتماد الكلي في انتاج برامجها  على تواجد ومشاركة الجمهور،  اثناء تسجيل البرامج ، سواء منها المسجلة او التي يتم تسجيلها وبثها مباشرة .
هذه الصيغة الفنية التي اعتمدتها البرامج الاميركية تم تقليدها من قبل معظم القنوات الفضائية في كل ارجاء الكرة الارضية . وبات الجمهور حاضرا في كل البرامج بشكل دائم . يطرح مشكلاته ويطرح اراءه اضافة الى كونه يشكل جمهوراً حاضراً لما يشاهد داخل الاستديو من حوارات يتم تبادلها مابين مقدمي البرامج وضيوفهم . واصبح مقدمو البرامج التلفزيونية  بمثابة نجوم يراهن عليهم في نجاح وفشل البرنامج تبعاً لما يمتلكونه من تفرد في شخصياتهم واساليبهم المشوقة للتأثير على الجمهور الذي اصبح يعد بالملايين .
 وشيئاً فشيئاً اقترب  انتاجنا البرامجي في دول الشرق الاوسط والعالم العربي  من صورة ونمط  البناء الفني الذي يتم انتاجه في تلك القنوات  الاميركية منذ عدة عقود ، وذلك يعود بأسبابه الى المستوى الحرفي المتقدم في بناء فقرات البرنامج الامريكي المعروض على الشاشة الصغيرة .وذلك بابتعادها التام عن الترهل والاطالة في طرح اي موضوع ،واحتواء كل حلقة من البرنامج ، على فقرات عديدة  ومتنوعة داخل الحلقة الواحدة ووجود اكثر من ضيف واكثر من نموذج مطروح كعينة داخل الحلقة  ليتسم شكل البرنامج بالايقاع السريع الذي تدعمه كذلك الفواصل الاعلانية التي تعيد على المشاهد الفقرات التي تحتويها الحلقة اضافة الى الاعلانات التجارية التي تمول البرنامج والقناة .
 كما ان  طبيعة الموضوعات المطروحة في البرنامج  غالباً ما تتسم بالجرأة الشديدة في تناول الموضوعات،  ولم يستطع ان يقف امام معدي البرامج اي مانع يحد من حريتهم  في طرح اي موضوع سواء في الدين او السياسة او الجنس،  وهذه الجرأة غالباً مايتسم بها العرض المسرحي الذي عادة مايكون هو اكثر الفنون التي تطرق ابواباً مغلقة تقض مضاجع المجتمع والسلطة ، بل ان تناول البرامج التلفزيونية بات اكثر جرأة مما هو عليه في المسرح وبقية الفنون الدرامية وذلك لتوفر النماذج الواقعية التي تحرص البرامج التلفزيون على تواجدها داخل الاستديو،  باعتبارها عيّنات واقعية يتم الاستشهاد بها عندما يتم  طرح اية قضية .
ويمكن القول هنا ان الثقافة الاميركية  بدأت فعلا تجني ثمار تشكيل ثقافة وذوق ثقافات الشعوب في كل بقاع الارض،  وتأكدت بالتالي  مخاوف الكاتب البريطاني وليام ستيد الذي نشر كتاباً عام 1901 حمل عنوان يثير المخاوف انذاك (  ، "أمركة العالم" ،The Americanization of the World). وقد أشار العنوان إلى مجموعة من الهواجس حول اختفاء اللغات والتقاليد القومية وتدمير "الهوية" الفريدة لكل بلد تحت ثقل العادات والحالات الذهنية الأميركية، ! . .  رغم ان الثقافة الاميركية المصدرة الى العالم ماهي الاّ مجموعة ثقافات الشعوب المختلفة والمتنوعة التي يتشكل منها المجتمع الاميركي .
 إن الشيىء المميز في انتاج البرامج التلفزيونية المعاصرة داخل الاستديوهات الكبيرة التي للقنواة التلفزيونية ، هو اقترابها في كثير من الاوجه لتحقيق المواجهة الحقيقية مابين الجمهور ومقدم البرنامج والضيوف المتواجدين داخل الاستديو ،  في عرض مباشر وعلى الهواء ، ليشاهده بالتالي الملايين من المتفرجين في كل ارجاء الكرة الارضية . واصبح التفاعل والتداخل مابين الجمهور وفريق عمل البرنامج كبير جداً . وامسى تسجيل اي برنامج تلفزيوني بمثابة عرض فني تتوفر فيه كافة العناصر الفنية الاساسية لاي عمل مسرحي ملحمي  ( بريختي ) نسبة الى المخرج الالماني (برتولد برخت)  الذي جاء بنظرية المسرح الملحمي،  التي طرح فيها مفهوم  هدم (الجدار الرابع) ،لتتداخل وفق هذا المفهوم الفني ،خشبة المسرح مع صالة المتفرجين بجغرافية واحدة لاحواجز تفصل بينهما ، وليتواجد الممثلون بين صفوف المتفرجين والمتفرجون بين مجموعة الممثلين ، الى حد ٍ نصل فيه في كثير من لحظات العرض المسرحي الى حالة من الوهم لاندرك فيها الخط  الفاصل الذي يمكن أن  نعرف من خلاله من هو الممثل ومن هو المتفرج ، ليصبح العرض المسرحي  بالتالي ماهو الاّ لعبة فنية يتشارك في صنعها الممثل والمتفرج معاً  من اجل الوصول الى موقف ما إزاء مايتم تشخيصه  في العرض،  وصولاً الى  حالة الحوار والجدل مابين مجموعة العرض المسرحي وجمهور المتفرجين . فالاثنان يتواجدان في زمن واحد ، ومكان واحد،  وهما على اتفاق تام بأصول اللعبة،  بقصد مناقشة قضية ما .
 اذن باتت  البرامج التلفزيونية  قريبة  جداً مما دعا اليه برتولد برشت في ان يكون المسرح ساحة مفتوحة للحوار المتبادل مابين الممثلين والمتفرجين.  وكان في هذا الطرح تقاطع تام مما كان قد كرسه المسرح الارسطي منذ عهد الاغريق .
وعليه باتت استدويوهات انتاج البرامج التلفزيونية تقتضي وجود المتفرجين اثناء تسجيل البرنامج ليشاركوا مشاركة فعلية في انتاج صورة البرنامج الاخيرة .والكثير منهم عادة مايكونوا نماذج واقعية لها صلة وثيقة بما هو مطروح في البرنامج من فقرات متنوعة ، وعادة مايشارك هولاء في طرح قضاياهم وارائهم وافكارهم .
 إن الصورة التقليدية لشكل البرنامج التلفزيوني التي كانت مقتصرة على تواجد  مقدم البرنامج والضيف داخل الاستديو،  امست غائبة الى حد كبير في الانتاج التلفزيوني وحلت مكانها داخل الاستديو صورة اخرى اكثر شمولاً وسعة في المفردات والتكوين وطريقة التناول والطرح .
 وأمسى الاستديو التلفزيوني  الاقرب شكلاً  الى صالة العرض منه الى استديو لتسجيل برنامج تلفزيوني . وامست المدرجات التي يجلس عليها المتفرجون عنصراً ثابتاً واساسياً في الانتاج كما هو الحال في تواجد الجمهور في العرض المسرحي .  

نشرت في مجلة الصحفي التي تصدرها نقابة صحفيي كوردستان عام 2011
                             
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 












مناديل المحبة للغائبين عن العتبات. .

                       في كمب الارمن -1-

   

                                           

انزوى الاستقرار والهدوء الذي كان الحي ينعم به ، وحل مكانه شعور  بالخوف مما هو اتٍ ، ولم يعد الغد مطمئناً، وأمست الحروب تلقي بظلالها على السكان ، ومع مطلع العقد السابع من القرن العشرين ،بدأت رحلة النزوح والهجرة عن الحي وكأن غيوماً كثيفة احتشدت في السماء لتنذر بما هو قادم .
كمب الارمن ، أومايعرف كذلك بحي الكيلاني : هو حي سكني شهير في العاصمة العراقية بغداد . سمي بكمب الارمن وذلك لان معظم ساكنيه من الاقلية الارمنية التي استوطنته منذ الربع الاول من القرن العشرين . عاش الارمن فيه طيلة عقود من الزمان في جو من الاخوة والمحبة العميقة مع باقي مكونات المجتمع العراقي . إلاأن حال الكمب لم يعد كما  كان، وتغيرت الاحوال من حال الى حال. بعد التاسع من نيسان من العام الثالث بعد الالفين
عبر عقود وازمنة بعيدة توحد المسيحيون في كمب الارمن . وكانوا ينعمون بالحياة ،  تحت خيمة من الاخوة ، جمعتهم بكل مذاهبهم ، مترفعين  عن اية خلافات، وتوحدوا بدينهم ومحبتهم ، فتشاركوا بقناديل ايمانهم ، بكسرة من الخبزوالحب ، وليطرزوا حياتهم بعلاقات وزواجات سَمَت فوق التسميات المختلفة.
كان الارمن والاثوريون يؤرخون لإصالتهم في الحي . ولم ينقطعوا عن تقاليدهم وعاداتهم وطقوسهم التي انحدرت معهم الى حيثما تواجدوا وعاشوا كانت النذورالمرتبطة بأسماء القديسين حاضرة في أوقاتها دوما ، تتناقلها البيوتات والاجيال . جيلا بعد جيل . لتوطين شجرة المحبة والالفة بين سكان الحي ولكي تبقى القلوب صافية .
إن أول مايفكر فيه المسيحيون وهم يحطون الرحال في ايّما مكان يذهبون اليه ، بناء الكنائس ، لتكون ملاذاً أمنا ًيؤمون إليه لكي تبقى رسالة المسيح تفيض بنورها على دروب الانسان . وهو يشق طريقه في مسالك ومفاجأت
الحياة  .
كم يؤرقنا ألحنين  ، الى امكنة ، كانت المحبة ترفرف ظلالاً وحضوراً.
في ازقة ودروب ناعسة من كمب الارمن  . . علّنا نمسك اخر اليمامات
قبل ان تهتف اليها الامكنة البعيدة . . .
 إليك ايتها البيوت النائمة بين اساطير العشق والالم . .
إليكَ أيها ألدرج ألمَحني بجنة أحلام الساكنين البسطاء ، وهي ترنو للصعود عالياً. لينكشف الكلام عن الفراشات ، وهي تحترق فوق السطوح المهتوكة بالخجل . والفناءات المسيجة بالفراغ .
على تلك العتبات سهرنا مع الحكايات ، وسارت معنا أيامنا . . كنا نعطي للزقاق أسرارنا وأُلفتنا ،ويمنحنا ألزقاق ينابيع فتنته . .
تغيرت الاحوال ، وانكسرت مناديل الصمت ، وتبددت سحب السكون بمطارق الفوضى ، بعد ان كانت الدروب ملاذاً للساهرين ، تبللهم أحرف الكلام المتفتح على شفاه العجائز وهم يستظلون بالالفة امام البيوت .
امست رائحة الخوف تمتد هنا وهناك بين زوايا الحي ، لتتسلق علامات الدهشة جدران الكنائس ، بعد أن تناقص المصلّون  يوماً بعد أخر، طالما مسيرة الهجرة والنزوح عن الحي لم تعد  تتوقف .
كما هم دائماً ،يسعى الارمن إلا أن يطرقوا ألابواب الموصدة والسير دونما تردد في الطرقات والاختيارات الصعبة . وهم بذلك أختاروا ألعمل في المهن التي تنهل من جذوة وحيوية العقل في ظهورها وديمومتها ولم يرتضوا لانفسهم إلا أن يخلعوا على شخصيتهم صفة التميز والانشغال في ميادين العلم .
كيفوركيان ـ الوايرمان ـ
كل صباح حين يطبق ضلفتي الباب على صدى الاحبة البعيدين .
 يقف عند عتبة الدار لحظات ، يتأمل أسماءً وأرواحاً . كانت تسكن هنا
وتملاّْ المكان بضجة الحياة وحلاوتها . كانت اضلع الزقاق تضم براءة الاطفال وشغبهم وجمالهم . هكذا مضت اشرعة الاحبة ،
وخلفت وراءها الوحشة والصدى .
مخالب الخراب احاطت حتى بالكنائس ، ولم تسلم منها بعد ان كانت الامكنة التي تتواجد فيها دور العبادة فيما مضى من سالف الايام ، ملاذاً للسكينة والهدوء والنظافة . اما اليوم فقد امست ـــ كما هو الحال في كمب الارمن ــ
تختنق بالعربات والانقاض والاسمال . لترسم صورة بشعة ومخيفة عمّا ألت اليه تلك الامكنة .
لكن ، لم يزل هنالك رجال مخلصون للرب  ، مثلما هو الاب صلاح هادي خدر . باقون في الحي . يمسكون  بالامل ومصرون على استمرار إقامة الصلوات رغم التناقص المخيف للمصلين بسبب هجرتهم بعيداً عن الحي وعن الوطن .

بعد أن تلاحقت على جسد الوطن ألكوارث والمحن ، غادر ابناء المسيح مرغمين ومضطرين ، موطن اباءهم واجدادهم . قافلة بعد اخرى . .
بقيت في الحي شواهد وحكايات مُرةً ، لاناس مأهولين بالحنين ، حاصرتهم قسوة الدهر ، وامتطت رصيف شبابهم في بيوت مهترئة مؤثثة بالحسرة على اصدقاء وجيران غابوا . بيوتا امست تحت وطأة أزمنة غابرة ، تحيا بين شقوقها كائنات ادمية بأعمار وأحلام مؤجلة الى يوم مؤجل هو الاخر .

هم يحتسون الاقدار . ويمضون في عيشهم وكأن شيئاً لم يكن ، تتكدس المسرات بعيدا عنهم . . هي المعجزات إذاً ملاذاً لهم ، وليس سواها .
يعقدون امالهم إليها . ليس سوى المعجزات يمكنها أن تقصي الاقدار المختومة بالموت  والانتظار .
صديقي خاجيك كتب لي يقول :
ثمة الكثير من الصباحات التي نشتهيها ، ونوقد الشموع وننشد الورد لها ،
للتراب ، للفجر يلوح للمساكن المتعبة ،
 ايها الرب: افتح ذراعيك لنا واحتوينا     
اجعل الخُطاة يقصدون ابواب الندم .
ياأبانا ألذي في السموات : علّق فوق مساءات اليتامى سحب الرحمة وادفع عن اطفالنا قسوة المصير . 
يد الصمت امتدت شيئا فشيئاً واطفأت النور في الحي . بعد أن غيبت الهجرة ابناء المسيح عن ثرى وطنهم بلاد الرافدين ، امست العتبات والمصاطب واسعة بالفراغ ، يتفتت الانتظار عليها  شظايا  لترقد فوقها ولاأحد يأتي .
هنالك هم . .  أمسوا في البعيد . إلا أنهم مازالوا هنا ، في البلد القريب القريب . .  يصلّون هناك . حتى تهبط الظلال على مُقلة الحي . ويعود الابناء الى وطنهم ، يلهجون بالتراتيل من فيض الايمان الطافح بفضاءات الروح .
موضع الكنيسة ، في وسط ألحي :
ماتبقى من ذاك الجمال لذاك الحي المسمى: كمب الارمن ، مازال بهيجا ً، رغم الخراب المحيط ، هو خراب جسيم يزحف كالحماقة يومابعد اخر . ليطفىء زرقة السماء ، ويرغم المسافة الموصلة الى بيت الرب للانزواء ، والميل الى زاوية الغروب . . نفايات وانقاض وعربات تجثم على هذا الطريق وذاك الزقاق ، حتى يضيق ويتعب المصلّون .
على دكة، اعتاد كبار السن، ان يلتقوا ويتفرقوا  :
هنا . . تنفرط تضاريس الزمان البعيد ،
ــــ حينما يستعيد القلب المتعب بين مفردات الحوار، ربيع تلك الفصول على هذه الدكة وفوق ذاك الرصيف المكتظ بالعابرين ـــــ تهبط الساحات وتطلع الوجوه، ونصغي الى الاصوات وهي تجيء من هناك، من صدى تلك الايام وتلك الليالي ، تحمل ورداًمستعاداً، وحكايا غابت وغيّبتنا خلف ابواب باتت موصدة .
 نحن هنا على هذه الدكّة، نصطحب الكلمات في نزهة، حيث السنين الهاربة من زقاق الارمن الى طرقات لاتعود منها ، إلاانها مازالت تسكن بيننا، في اضلعنا ، في تجاعيد الوجه ، وانحناءة الظهر . ولن تغادرنا حتى نغادرها .
الفوضى :
تسور كمب الارمن بالورش الصناعية والعربات ، ولم تعد الازقة تحتفي بطقوس الجلسات امام الابواب . ذهبت تلك اللقاءات والمواعيد ، حينما كانت اوقات العصر تؤذن للهواء ان يدق الابواب ليخرج الجيران ويستريحوا هناك ، يقتسمون الحب والشاي ، ويقطعون الليل الطويل بأجمل الكلام .
الطريق لم يعد يتسع للصبايا  . بعد أن سحقته العربات واصوات الباعة والحدادون وعمال الورش . ضاعت تلك الوجوه بين زحمة الطريق وثرثرة العابرين اليه من كل الجهات  !
استجبت لنداء رغبتي وأخذت أدور حول الزقاق ، لعلي أستريح الى ظل أو شجرة . كانت قدماي تمضي وتدور بي في حلقة مفرغة وكأني لم أبرح مكاني . . ألتشابهُ الفضّ ، سوّرالزقاق ، داهمني  القلق وانا ارى ماأرى
من غياب واختفاء صورة الكمب الجميلة خلف الزحمة المهلكة .
لاشيء يدلني الى أزمنة الكمب التي عرفتها . . لاربيع ، لاورد ،لاصبايا في كف الطريق . مازلت ادور في مرآة موحشة ، ولاسبيل للوصول الى ذاكرة هاربة ترسم  صورة للكمب عرفتها . 
مازالت الايام تمضي ببعض طقوسها ألمعبأة بالايمان والحب . مايزال المصلون يهبطون بأقدامهم الى بيوت الرب يسوع ، يعطرون أرواحهم بالايمان . الرب يجمعهم بنوره ويلمّهم إليه وهم حزانى بين اضلعه . يصب عليهم نوره ، كاشفاً لهم بكلماته دروب رحمته . ورحمة دروبه . طالما يستيقضون على شكره .

ماذا يقول الصبّاغ  وهو يطلي الجدران باللون الابيض :

رغم الظلمة والسواد المتسكع في الطرقات ، إلا أن البياض مازال يرسم ظله على الجدران . هنا إشارات البقاء ، ولاخروج من تحت هذه السقوف المعمّدة بالاوتاد والحصير والخشب . سنضيء البيوت مرة اخرى . وأخرى
ولن نصغي لنداء المسافات البعيدة . نحن هنا ، بفيء بيوتنا نصغي الى صوت أباءنا وأجدادنا .
الاطفال في الازقة :
الاطفال هذه الاجساد الغضة . ينابيع الفجر . مازال الكمب يتدفق بهذا الشجن الناعم . يخرجون من جسد الزقاق وبيوتاته يبذلون فرحهم بين الطرقات ويلمّون وحشتنا ، ولولاهم لاستفرد الحزن بنا . لولاهم لما عشنا .
هم يشحذون روحنا بالهوى والحب ، بلعبهم وفرحهم .
من سخريات القدر التي مرت على البعض من سكان الحي ، أن يساق أبناءهم للحروب وتسفك دماءهم زكية دفاعاًعن تربة الوطن . بينما يحرمون من اكتساب صفة المواطنة ليتم إبعادهم الى خارج الحدود . بأعتبارهم تبعية أجنبية . .  هكذا هي المقادير . دم وثكالى واوسمة للخديعة
يعقوب بيجان :
لسكان كمب الارمن قصص كثيرة مع الحروب. يعقوب بيجان هذا الرجل صاحب القلب الكبير الذي منح عمره وحياته لابن أخيه مذ أبصر النور . . تبادلت معه الاقدار، لعبةً ًمُرةً، تركت في قلبه جرحا لم يندمل . رغم السنين التي مرت على ذلك الحدث . حينما تسلم جثة ابن اخيه  الذي سقط شهيدا في الحرب العراقية الايرانية .  ليتركه مرة اخرى وحيدا .
لم يكن ممكناً لسكان الكمب من المسيحيين إلا أن يتركوا بصمتهم في نهارات العراق الجميلة . وهنا من هذه الازقة . ومن هذه البيوت خرج العديد من النجوم الى ملاعب الرياضة والفن وملاوا الدنيا وشغلوها طيلة النصف الثاني من القرن العشرين .
لم تسلم الكنائس من شظايا الاحداث والحروب التي عصفت بجسد العراق
فتعرضت هي كذلك الى اضرار بالغة نتيجة سقوط القذائف العشوائية عليها في فترات متعددة ومتباعدة
بعد أن كان كمب الارمن واحة يتفيأ بها وإليها المسيحيون. هاهي اليوم بغداد تودعهم واحدا بعد الاخر . . لتخلو الدروب من خطواتهم. ولم يعودوا يشكلون خصوصية ملامحها وهيئتها . . هاهي اليوم تودع تلك السمات لتحل صورا ًوأشكالاً  أخرى بديلاً عنها ! وكأن الهواء ضاق بهم وزرقة السماء لم تعد تعرفهم ، تلك ألسماء  التي شيدوا أحلامهم تحت ظلها أشاحت بوجهها عنهم  وأستدرات بعيداً عن صوتهم .
مازالت بعض الاحداث التي شهدها تأريخ حي الكيلاني حيةً ًفي ذاكرةِ من كان شاهداً عليها ،وكأن السنين لم تمر عليها وكأنها مازالت موشومة على ظاهر الكف أو خطّها طفل فرحُ بالكتابة على جدران الحي ولم يشطبها .

تقول الجدة سوسيك وهي تنسج بلوزة من الصوف عند عتبة الدار  :
الايام ، تنسج أقدارها وأنا هنا  أنسج حنيني إلى مامضى من الايام . أشم قداسة التراب وتلك الصباحات في برد شتاءنا البغدادي الجميل ينثر الغيوم على أكتاف بيوتنا ألدافئة . . نحن هنا ، على عتبات ابوابنا  ، نغزل من الروح مناديل ألمحبة لابناءنا الغائبين .

( 1) كتب هذا النص خصيصاً لبرنامج تلفزيوني عنوانه ( حنين ) يتناول عدد من الاحياء المسيحية المعروفة في بغداد . منها كمب الارمن . وقد تم انتاجه في قناة عشتار الفضائية عام 2007 . وهو من اخراج الكاتب ايظاً.
نشر في موقع عنكاوا في 24 نوفمبر 2008







ألمحبة . . لم تعد فجراً لنا    !
         
هل ضاقت الارض تحت اقدامنا ولم نعد كما كنانبصر الحق وننشد الاغاني للانسان وننصف المظلوم  ونخاف الله ؟ . .  هل اصابنا ألعمى ولم نعد نحتمل اخوتنا بيننا، فأهدرنا دمهم وعرضهم ومالهم وحلالهم وتأريخهم واعلنّا الغزوعليهم منحدرين الى متاهات وابواب مقفلة، نسيرفيها الى معركة هزيمتنا؟
هل باتت سبل الخلاص ـ  وصولاً الى ظلال جنة الخُلد ـ  هي العبور على اجساد ابناء  المسيح، واجتثاث ربيع ذكرياتهم وملامحهم من موطنهم
وموطن ابائهم واجدادهم في ارض الرافدين  ؟
هل بات الوطن  متاهة وحكاية  مُرةً  للشرفاء في وطنهم ؟
هل باتت النهارات معلقة مابين الرصاص والموت والاختطاف ؟
هل بات الزمن بوقاً للفزع وطبلاً للظلام ؟
اكثر من الفي عام والمسيحيون ينضحون عرقا ومحبة واخلاصا لهذه الارض ،  ميراثهم هنا ،  احلامهم، دمهم، فرحهم مشاعا بين ذرات ترابها
.وماكانو الا : ّنهاراته المعلقة على سماءه الدافئة .
هل جاءنا ذاك اليوم المشؤوم ،ليصبحوا قرابين لحروبٍ ،عناوينها الجنون ؟
تراب هذه الارض يشهق الماً على حفاد اشور واكد وبابل، لماذا أمسوا  مطاردين يترصدهم الرصاص والتهجير، وترتوي الدروب البعيدة والمنافي بدمعهم ، وليصبحوا مشردين لاجئين بعيداً عن ثرى وطنهم !؟
باتت الايام تخبرنا،ان المحبة لم تعد فجرا لبغداد والموصل،ومدن العراق الاخرى وان بيارق السلام امست طبولا وابواقا، لاإقتراف الالم، بحقِّ من سار في طريق الالم، صامتا مؤمنا ،مرة اخرى!
هكذا ترتفع راية القهرمرة اخرى، راية صلب اتباع المسيح :
ـــ  بيوتكم ، اموالكم ، تعب اجدادكم ، ميراثكم كله ، ملك لنا .
هكذا تُدلق البيانات على الضلوع في وضح النهار .
 
ها أنا ذا أسمع  اخوتي  يصرخون في سرِّهم  ويرُدُّ الصدى عاليا ًفي المدى من وجع الفراتين،  من هناك ، من شط العرب ، الى اغنيات لم تزل ندية على حجر من اشور، لم يزل يستريح عليه الثور المجنَّح ، في جنة اسمها  خَنَسْ  :
     ( 1)                                                         
ـــ لسنا طارئين ولاغرباء عن منازل لنا ،نحن هنا بين دجلة والفرات، منذ ان تشكل النهار على تربة الرافدين قبل الالاف السنين . على هذه الدروب كانت المحبة ناعمة تمضي، تمطر شمسا مبللة بالاس والورد، تعانق الابواب والجدران  وتحتفي بالساكنين،  تنساب الحكايا ،عند كل باب ودكة  تكحلت بالفيء ،حين ينسكب الكلام من لوعة العشق لهذه الارض ، لهذا العراق.                                                           
(1 ) خنس منطقة اشورية  تقع على الطريق المؤدي الى مدينة دهوك . فيها كان يتم صنع الثيران المجنحة الاشورية . ويتم نقلها الى اماكن مختلفة من الامبراطورية الاشورية . ولاتزال هنالك الكثير من الشواهد الواضحة على ذلك في خنس .

نشرت في موقع عنكاوا 17 نوفمبر  
2008 










مشاهدة الملف الشخصى
« في: مارس 01, 2009, 03:44:42 pm »






           
الخطوط والاشكال،
                         في الوصول الى الغايات .



فن الملصق واحد من الفنون التي عبر من خلالها الفنان التشكيلي عن رؤيته للمعاني والافكار منطلقاً من معالجات شكلية تكتسب خصوصيتها الواضحة من وظيفة هذ الفن . .  الفنان منتصر بويا واحد من الفنانين الشباب الذين يقفون عند الخطوة الاولى للولوج في مشاكسات هذا الفن الجميل . بمنتهى الشفافية وعبر الالوان الواضحة القصد والدلالة والخطوط المنسابة بمتعة وليونة مطلقة .
    جاءت اعمال الفنان منتصربويا في معرضه الاول لفن الملصق والذي اقامه على قاعة نادي شباب عينكاوا . كاشفاً عن طاقة واعدة في مضمار التجارب الفنية التي تقدم سلطةالفن على اي شيء اخر  ،
يتمسك فن الملصق بتفاصيل عالمه المتنوع رغم اشتباكه مع عالم اللوحة التشكيلية الثر ،إلا أن فن الملصق يحتفظ بسر حركيته وجمالياته إبتدأًمن هيمنةالبساطة والاختزال في بناء المفاهيم التي يسعى الى ترويجها .دون الولوج في عالم اللوحة التشكيلية المدجج بالتأويل والانفتاح على  متعة الغموض الاسر .
تأخذنا الموضوعات التي عالجها الفنان منتصر بويا على الرغم من بساطتها، الى الاستمتاع بحركة الخطوط واندفاعاتها الشعورية عبر اشكاله وخطوطه المرسومة   بأناقة وتكثيف في التفاصيل الفسلجية للكائن الانساني وهو في ذروة  لحظات فرحه وانطلاقه .
وليس ببعيد عن هذا الفنان الشاب القادم من حضارة يعود تأريخها الى اكثر من اربعة الاف سنة قبل الميلاد أن يلتفت الى الماضي الحضاري البعيد للامساك بالنقاط المضيئة من تلك الازمنةالقادمة من حضارة وادي الرافدين او من الحضارة الفرعونية  وإحالتها الى الزمن المعاصر
ليطرق من خلالها ظواهر وسطوح مرئية في ازمنة معاصرة له . لان الفنان ليس بأمكانه التحليق بسهولة وسط اشتباكات وتقاطعات ماهو راهن الى  ماهو اقتراب من مديات الروى والافكار التي تضج بها الحداثةالفنية إن لم يكن يمتلك فهماً وتصوراًواحتواءً لاشكال التعبيرفي  ألازمنة الموغلة من عمر حضارة الانسان .
إن التلميح بمحمولات النص البصري للفنان منتصر لايمرعبر مفردات لغة فنية متوارثة من مفردات الالفاظ الصورية التي اكتسبت شرعيتها من البيئة الفنية الضيقة التي فرضت عليه ان يكون مأٍسورا ًبانتماءه اليها. بل ينطلق من حيوية رصده لتركيبة الحركة العمودية للتشكيلات الانتاجية للحركةالفنية العراقية .
ورغم أن  فن الملصق الذي انشدّ اليه الفنان منتصرلايتيح له كما في الفن التشكيلي ان ينهل مما تحتشد به الذات من مخزون عاطفي  ولايتكىء على الذاكرة المعبأة بالصوروالاصوات والخدوش . إلا انه انطلق لتاسيس خطوط واشكال بسيطة ترتكز الى منظومة بصرية واضحة في توصيل غاياتها دون ان تتداخل مع بعضها ودون ان تتقاطع بالاحتدام . 

 


حين يفيض النهر .... بِرماد ِ الورد

عن تجربة الفنان التشكيلي : نجيب يونس

ينما تنتصب الروح  .. عاصفة . لِتفرَّ بدهشتها من قرابين الليل . صوب طقوس ِاللوعة والضوء والتكوين ... ها هو الجسدُ ينهزم ُ ... أمام ميراث المِحنْ . إلا أنّ الروح ... ليست مطفأة ... ما زالت ظمأى إلى أخطاء الطفولة والأقمار ... لم تزل تسكب الأشجار والأسرار ... على سماوات اللّوحة وتقطع مواجع الظُلمةِ .. بالرؤيا .. والأوهام المختبئة ِ بفتنة المدن القديمة . وتلك الوجوه المستظلةِ بالأسرار ما زالت الروح .. تريق لوعتها .. على تضاريس الفصول حتى لو أو شكتِ الأنامل على الرحيل . إلى أناشيد الغروب . هكذا تنسج الأيام .. الجُّمل المُقَحَمة  على غسق الإنسان . لِتُحدث الخلل ، في عنفوان الطين .. ولِترسم الإنحناء ، في الصوت المعلّق في لمعة العشب ... في سنة 1948م . استيقظت في وجدان نجيب يونس .. لحظة العشق . وبِصَمتٍ غريب .. مَالَ الطريق متُجهاً صوب مِصرْ . مستنفذا خواء القدر .. هناك تأمل نهر النيل ..والشمس المغرمة بالأهرامات . وأندس في ميادين الفقر ، بثيابه المُهذبة . ونثر الوقت ، فوق مصاطب "التَّرام "  . وعلى بعد أمتار منه ، كان أستاذه النحيل ( كامل مصطفى ) بأنامله الذائبة . يراقبه ، بشيء من الحذر .. إلاّ أن الفرشاة ما زالت تُحدِث ضجيجاً مجنوناً فوق القماش . هنا . تنكشف اللحظة . وهنا تنعطف . وكأنها قط مذعور . وقبل أن تغيب الشمس ، خلف سحنة أبي الهول ، كانت اللوحة قد إكتملت . يبدو نجيب يونس . وكأنه قد هبط من قيثارة سومرية . حملت وهج توقيع فرعوني . حينها .. لم يكن أمام الأستاذ ( حسين بيكار ) إلاّ أن يتملّكه الغضب ، وهو يخاطب هذا الفتى العراقي الصغير :
-        مَنْ أنتَ .. حتى يرسمك الفنان كامل مصطفى ؟‍!
فما كان من نجيب إلا أن يضيع في خجله : يا فندم .. أنا لم أطلب منه .. إنّما هو الذي شاءْ ذلك .
ما زالت تلك الكلمات تصحو في الذاكرة المتعبة . والقلب يبتلع المرارة . وما هي إلا لحظات .. حتى يكتوي التراب .. بإمضاءة الدمع ..
لماذا بكت أصابع الفنان ؟
رُبما الكون .. أمسى شظايا
ربما الرصيف .. قََيّدهُ الحزن
ربما اللون .. أمسى بغير لونه ،
والحكايا غزاها العمى .. أو قد تكون الدنيا .. إنهماكاً بالخديعة . لنا .. أن نحتمي بهذا الدرس . أن ننحني بأسماءِنا . خجلاً أمام دمعةٍ مكتظّةٍ  بالعرفان .. ونعّلق جحودنا وإحتفاءَنا بمفاتن الغرور . خلف هذا الوجع الماطر من شرفات العشق ... حين عاد إلى العراق سنة 1954م ، أيقظ الجدران المهشَّمة ، وروعة الراقصين في مراوغة العواطف ... كانت الألوان .. تعلن عن مشتهاها ، وتكشف الخطوط ، عن خفقة الحلم في الوجوه ، فألتفت الساكنون في رماد الزمن .. على حرارة الولادة . وأنزوت الأنقاض عن المشهد التشكيلي ...

أيّامك . في الطرقات الخارجة من نهر القلب
والروح تمتدُّ.. وتسرح في غربتها
تتهجى الألفة في وجوه الأصحاب ، وسحر الخلق
في ظهيرة الأسواق .
لعلّها . تمسك تلك الغيمة الهاربة .. من حيرتها
أمام تواريخ الأشياء .
هكذا ترجع يا أيُها النجيب .. صوب شتاءات الأمس .
لتُشكل شمس البراءة ، والقبلات ، من غَبش الوهم .
لعلَّ النهر .. يفيضُ ، برماد الورد ،
فوق تُراب .. من أشور ....

هكذا .. جاء عام 1957م . ليوقد الذعر وعطر البنفسج ، في الورش الخامدة ، واستيقظ الفنان الموصلي ، من سذاجة التكرار . وتذوّق لسعة الأساليب الفنية .( ضرار القدّو ، راكان دبدوب ، هشام سيدان ، حازم الأطرقجي ، عبد الحميد الحيالي ) ورغم مرور عشرات السنين على تلك البداية ، ورغم الجسد المضّرج بالكهولة والذاكرة المنطفئة ! .. إلا أنّهُ .. ما زال يطرق أبواب اللوحة العارية .. لعلّهُ يجد ذاك البيت الكبير ، الذي ولد فيه سنة  ( 1930 ) أو يزيح النّقاب ، عن ذلك الزمن البعيد .. ليلتقي بأستاذه الجليل ( كامل مصطفى ) ويُقبِّل يديه .. ما زال يعبر الليل بالألوان .. ويَصرخ بوجه اللون الأبيض . حتى ينحني .. أمام إنكسارات الأصفر ، وأساطير اللون البنفسجي وهو يتمتم مع نفسه : لن اكتفي بهذا الإنتظار خلف الحنين إلى عربات أشور . ولن أكتفي بالوجوه المُحِبة . للسؤال في غربة البورتريت  . ولن أكتفي برسم السّوق وهو يخطط لغواية القرويين . ولن اكتفي برغيف الخبز . ولن .....

على أطراف الفجر الموغِلِ بالعشق
ما زال البوح مولعاً بالكتمان
حتى يُطلق الراقصون نشوتهم
يغازلون الأرض .. بلهيب الوجد
ما زال .. يلّوح للنور الماطر من شمس أشور
ويسال صمت التراب :
عن نهايات نينوى
عن وردها
عن ليلها
عن جرحها .

ولأنه خاصم الغرائب والشبهات .. أومأ بالمحبَّةِ  للبلاد ... لقد أدرك نجيب يونس منذ بداية ولوجه عالم التشكيل : أن لا جدوى من اللهاث وراء الشهرة .. بل نزع إلى الإنزواء .. والنّبش  داخل مشغله . متوازياً مع روحه الباحثة عن جمرة الجَمَّالِ  ، خلف السطوح المرئية ، المائلة إلى الإنقراض .. مستعيناً بحكايا العجائز والخرافات . لتفصح الأنامل .. عن كتابة بصرّية :  الحلاقون وهم يتوسطون الطريق ، بينما الزبائن .. يُنكسون رؤوسهم إستسلاماً لشفراتهم ...
القرويات .. وهُنَّ يُحدِّقنَّ في الهواء ، وعلى وجوههن ترتسم رائحة القمح .
بائع الفرارات الصغير .. وهو يحتفظ بسعادته المنحسرة تحت ضغط الزمن ....
إن المشهد التشكيلي ، لهذا الفنان الرائد .. كان خروجاً على السياق            ( الفوتوغرافي ) ودخولاً في حساسية جديدة ، تمنح العواطف والمشاعر كل الحضور في تقنيّة الخلق ، عبر لغةٍ لا تختلف مع الفصاحة بشيء .. ساعياً من وراء ذلك : إلى الكشف عن تنويرية مقصودة في التلّقي . لم نجد في أعماله توقفاً إنشائياً أمام صور الإنحطاط والهزيمة .. بل سطوعاً شعرياً لمعلّقات الجّمال المنثور ، بين ثنايا الريف والأسواق الشعبية ، والوجوه الأرستقراطية الملفعة بالرصانة .. وعندما تولى مسؤوليته التعليمية في معهد الفنون الجميلة بالموصل في منتصف العقد السابع من القرن الماضي . سعى بكل ما يملك : أن يؤسس العوامل المعرفية لقراءة جديدة في رؤية : اللون .. التكوين .. الإيقاع . زاوية النظر للأشياء .. وكلما مرت الأيام .. كلما إرتمى بكل تجربته ووجدانه في أتون رحلته مع تلاميذه ، شاطباً من قاموسه الفني كل الحواجز التي قد تعمّق المسافة ما بينهما . لتتحرك علاقات التواصل . خارج الجاهزية التقليدية ، وليبصر بعد ذلك .. المشهد التشكيلي الموصلي عن إباحات جديدة .. أمثال : إسماعيل عزام .. سعد نجم .. طلال غانم . حملت هذه الأسماء في تطلعاتها .. كشفاً بصرياً .. يتجاوز الممكنات الماثلة . ومكتنزاً .. بيقظةٍ تمدُّ استدعاءاتها إلى تفجرات المنجز العالمي .. أينما كان . وممسكة بتعددية الدلالات .
والآن .. يكتم هذا الفنان .. ألَمهُ بعد أن لوّحَت رايةُ العجز عن نفسها في خارطة جسده ، وذاكرتِهِ . بينما ..تنتصبُ الروح عاصفةً .. لِتفر بدهشتها .. من قرابين الليل .
صوب طقوس اللوعة .. والضوء .. والتكوين .
ها هو الجَسدُ .. يَنهزم ُ
أمام ميراث المِحَن .
إلا أنّ الروح ليست مُطفأة ...
ليس لنا إلا أن ننحني إحتراماً وعرفاناً لهذا المزيج من التَرفُّعْ والشفافية المتواشجة بإشراقةٍ مبهرة ٍ .

نشرت في صحيفة الزمان 2004


 النحات هشام سيدان :

  
صرخة إحتفاء .... ليومٍ قادم

ما زال يعدو ... إلى النقوش المتكئة فوق أبواب المدينة . مستجيراً بحنينها ، لعلّهُ .. يُصادف الورد في عطر الزقاق . ويبعثر الهموم في شقوق الجدار .هنا تهتف الشمس ، للظلال ويغرق الضوء .. بالنعاس . مانحاً صوته قلادة السؤال .. هكذا يمضي إلى متاهة الروح ، في شكل الفراغ ، غارقاً في أبجدية النحاس.. وخارجاً من سعادة الحجر. .
هشام سيدان : نحات عراقي . ولد عام 1934م في مدينة الموصل شمال العراق شكل ظهوره .. في منتصف القرن الماضي . قلقاً . لمن كان يستحضر المألوف ويستريح في طقوس التكرار ... إلا أن هذا الإسم ...ظل محاصراً بعزلة مطرزة بأيدي أنصاف الموهوبين .. ولأنه من سلالة الماء ، لم يركض وراء الرهط ، بل أعطى لعزلته : إرتعاشة الروح  وحريتها حين صحت البلاد على شهوة الهدير.   فختم التراب بأنين الهواء. وأنبت في المعادن أساطير الموت والحياة ....... بحثنا عنه . حتى نقف عند ينابيع المدينة وإنفتاحها على الإختلاف . ولأنه . لم يزل مشغولاً حّد الهوس بفنه . منعزلاً ومعزولاً بتعمد من الأضواء . بحثنا عنه في زخرفات الطفولة وبين المرافئ الموشّحة بالإنقراض .بين منحنيات هذا التفّرد متأملاً . ذاته . تراثه .... إن قيمة ما أطلقه من إنشاء منجز على مادة الطين . سواء بثلاثة أبعاد  أم ( رليفاً ) جدارياً بارزاً ، يكمن في وشاية الزمن . وتفجيره بين فراغات الشكل الملموس في لحظة الخلق الفني . مغوياًّ بالأصوات المنبجسة من قلوب القطع المعدنية المبعثرة أمامهُ على الأرض ، بعد أن يغرق في إقتحام صمتها المربك . ليعاود تشكيلها من جديد . إنصاتاً . لذاك الصوت الغامض ، المنضوي تحت أساطير ( السكراب ) من أقفال ومفاتيح قديمة  . متلمساً بأصابعه تراب الأسئلة  .. وهو إذْ يعمل ترتخي الأساطير بين كفيه.            و ينهض المنطوق النّحتي بوجه الذاكرة المتأكسدة . هكذا يسير في اشتباك دائم مع المادة الخام . ليقترح عليها من طيور دمه . شكلاً يشهد على استفاضته الدائمة في المغادرة . إن إنشاءاته التصويرية ذات البعدين . تمرح فيها الثيران الأشورية . والمقاتلين وهم يلاحقون الريح . والكيفية التي يتعامل بها مع التفاصيل : تحمل دلالة انتسابه إلى حركية المنجز النحتي العالمي . مجترحاً خطاً شخصياً إنجازياً في الثراء التعبيري لعلاقة الكتل بالفضاء . والتحكم الحيوي في قساوة المادة الصلبة . وهو بذلك يسعى إلى مشاغلة المتلقي وإرباكه عبر متن بصري يؤسس أولاً واخرا للبنية الجمالية .. في العقد السادس من القرن الماضي . إتخذ قراراً حاسماً مع نفسه ... وقرر التفّرغ التّام للعمل الفني . فهاجر إلى بغداد . بعد أن ترك وظيفته كمحاسب في البنك  .. ورغم صعوبة وقساوة الحياة لم يلتفت إلى الوراء .وكأنه : كان منقاداً إلى فطنته وموهبته دونما حساب الزمن . فغاصت يداه في جحيم الطين والأسئلة . وَمَالَ بأصابعه عليها يفك ألغازها . ويختلف معها . غير متكئ على جماعة أو رابطة . ليزيد بذلك من محنته . مؤسساً تأليفه المُشتعِل بين بلاغات النحت البغدادي . المحلق في سماوات نصب التحرير . لجواد سليم . إلا أن ما تلاها من السنوات والعقود التي رزحت تحت طعنات العقائد والايدولوجيات  المتحاربة ، حدّقت بوجهه متجهمة . فعاد إلى موطن صباه . يُرسل دخان رؤيته إلى ما بين يديه . معانداً ملوك الظلمة بأشتعالاته النحتية . ولم تكف يداه عن مطاردة ( البعد الزمني ) في صلابة المواد التي يستجير بها . ( الحديد ، الخشب ، الحجر ، الجبس ) ليشتبك معها في صراع ( ديالكتيكي )  مُعتلياً صلادتها وعنادها . متوازناً مع ذاته . وليخرج إلى النور منحوتاته المرتعشة . بأشكال وصياغات مسكونة بالجرأة والغرابة .. أكثر من نصف قرن قضاه وحيداً . بلا ضجة . لصنع قصيدته . متجاهلاً كل الذين أوغلو في تجاهله . حتى طواهم النسيان . ليبقى هو متفردا في منطقة ( الخلْق ) . متحصناً بالوعي والإرادة . ومشتتاً مصائد العجز . ورغم تجاوزه العقد السابع من العمر . إلا أنه مازال يتحايل على قتامة القدر . ليغرق في تأملات وأسئلة مسكونة بالغد . وكأنّهُ : تواً ، ينطلق في رحلة ساخنة لاكتشاف ذاته . وحدسه . فما أنْ تركن إليه ، لتحاوره حتى تجده يستنطق الفراغ . لينهمك في طرح أسئلة وأجوبة محطماً خرافة العمر .. مؤكداً مشروعية ريادته في عالم النحت العراقي المعاصر  . محيلاً من سيأتي بعده إلى مفترق طرق لا سبيل للخلاص منه : الوقوف طويلاً أمام تجربته المعبأة بالأسرا ر والكشوفات الجمالية . وكأنها صرخة إحتفاء ليومٍ قادم إن نظرة متّوجة بالإستفاضة إلى رحلة أنامله وهي تحيل صلابة الحديد إلى مملكة من علامات التشخيص التعبيري . أو الإنعتاق من عزلة التصوير الواقعي نحو مشاغلة الخيال الأسطوري المعبأ بالبناء الجمالي الثّر ، كما في منحوته ( عفريت الملك سليمان ) : تظهر لنا قدرته الإختزالية لمسار الحكاية الأسطورية . عبر كتل وافتراضات شكلية لا تخلو من صعوبة الإنجاز .ورغم هذه الطاقة وهذا الجهد في الترحيل التعبيري المتمرد . لم يتبلور الوعي في الواقع المحيط . لإستيعاب طهارة هذه التجربة . وبقيت كل منحوتاته منزوية في زوايا بيته . يعلوها الغبار .. فهناك العشرات من القطع والمنحوتات المنجزة . سوف تجدها مقهورة بكل تعسف بين أركان بيته الصغير ..
إنها حكاية مؤلمة لمحنة الفنان ، في بيئة تعجز عن محاورته لتحيل جهده إلى صرخة مكتومة . لا يتردد صداها في الشوارع والساحات المُكبلة بالضجر والخمول ... إن تعدد المواد التي اشتغل عليها الفنان : لم تكن إلا استجابة مرهونة بحس الأكتشاف والبحث الدائم عن أزمنة جديدة . وخلاصاً من هيمنة الأُطُر والقوالب الفنية الجاهزة ... من هنا كانت مقترحاته اللونية المغايرة والجريئة على قطع السيراميك . بعيدأ عن سكونية المتوارث من الألوان ...إن فاعلية الفنان هشام سيدان  تكمن في صمته الجدلي وحواره الدائم مع تجربته .. إن هذه التقنية مع الذات : أنتجت منطقاً وفلسفة شخصية ، لتفاصيل رحلته الإبداعية وبذلك الحقَِِِ بإنجازه الفني تنظيراً نقدياً لكشوفات معماريته النحتية بكل نجاحاتها وأخطاءها .. لم يكن هشام سيدان طيلة نصف قرن من الاشتغال والتفكير:  مستقراً وهادئاً .. طالما استجاب لتمرده على المهيمنات ( الفنية والمجتمعية ) ومكترثا ًبكل كيانه لتفاعلات التجربة الإنسانية .

 نشرت في صحيفة الزمان 2004
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


لماذا . . يحدث هذا ؟



لماذا اغلقوا باصابع الصمت ، الشرفات .
لماذا خلف ابواب المدينة فجأة
تخثر الصوت
لماذا
اختفى
الاصدقاء
وصحبتي
في وضح النهار،
لماذا اختفى
من احسبهم اهلي وأخوتي في النائبات
والجيران ؟

* * *

لماذا
اقولها الف مرة . لماذا يحدث هذا ؟

لماذا
نداء المحبة امسى جريحا هنا وهناك ،
في ربيع الموصل
اوفي صباحات نينوى
في الساحل الايمن اوفي الساحل الايسر . لافرق .
كل شيء امسى بطعم الموت
حدائق الامس والدندان وسحر السماء في المغيب
الدواسه وحي السكر والشفاء والليل في حض دجله
كل شيء امسى بطعم الموت .

نقولها مرة اخرى. . . لماذا يحدث هذا ؟ ا

* * * *

من هناك
من كنائس
ودّعت على عجل
شعب يسوع
من قلب البراءة
من قوافل الخارجين من ارواحهم بأرواحهم
تاركين براءة اطفالهم مبعثرة
على السطوح
و في حديقة الدار
وعلى اضلع العتبات .
تركوها نائمة هناك
تحت انقاض الظلال
في نوافذ المدارس
في الحقائب
في المعاطف
تركوا كل شيء
وغادروا بطهر ارواحهم .

لماذا يحدث هذا ؟

* * * * *

من سحل النهار في دروبنا
من اطلق الموت في سمائنا
من اربك في لحظة كل افكارنا
من شردنا
من هجرنا
من ايقظ الرعب فينا
من احرق الدار والحلم والناقوس بالنار
من ضيق الدنيا علينا
على اولادنا
على لقمة الخبز
على دجلة
على الفرات
على محبتنا
على الهواء
على احلامنا
على صبرنا
وعلى كل الذي منحاه لاجل العراق،
من شهدائنا .


21/ 10 / 2008

نشر في موقع عنكاوا في 21/10/2008 . . . رابط المقال :

http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=233082.0;wap2
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اغنية واحدة . . لاتكفي لشطب عشتار .



ياسيدي الكريم عمانوئيل تومي : لن نسمح لانفسنا ان نرفع السكاكين ونطعن الاخرين في الخاصرة ونحن نمضي في طريقنا الى الحوار مع من يختلف معنا كما تعودنا . ولم نلجأ في يوم ما الى اصدار الفتاوى ضدهم . و ارجو ان لا تمضي في انفعالك الى مدى بعيد يأخذك الى منعطفات التشكيك في قدرات الاخرين ونواياهم واخلاقهم وانت تتناول بالنقد اللاذع اغنية عرضت من على شاشة قناة عشتار علماً ان قناة عشتارلم تكن المنتجة لتلك الاغنية اصلاً . .
كما ينبغي عليك وانت المليء بالحماسة الفائضة على شعبك ان تكون اكثر روية وهدوءاً وانت تتناول اغنية وليس ادانة لعملية ابادة جماعية او خطف لاناس ابرياء او تفجيراً وتدميراً لكنائس . ارجو ان توفر هذا الحماس الوطني والاخلاقي الى قضايا كبرى تمس شعبك ومستقبله .
ولكي تكون منصفاً وعادلاً في حكمك على الاخرين وعلى اعمالهم التي انتجوها رغم كل الصعوبات منذ اكثر من اربع سنوات ينبغي ايضاً ان لاتتبع اسلوب ذر الرماد في العيون لان ذلك لايليق بمن درك اهمية الكلمة وخطورتها .
سيدي الكريم عمانوئيل تومي هنالك في عشتار الكثير الكثير من البرامج المتنوعة والمختلفة التي أقتربت من قضايا شعبنا، تاريخاً وتجارب مُرةً واحداثاً جسام مرت عليه وكاد النسيان ان يطويها .الاَ ان قناة عشتار اعادت تقليب تلك الصفحات التي كان الغبار قد علاها، وكان لعشتار ان تمسحه بكفيها وتظهر الصورالمنسية لشعبنا الى العالم، متجاوزة كل الحواجز والتخندقات التي يغرق فيها البعض .
واذا كنت ياسيدي تملك قليلاً من الرؤية المنصفة لكانت ذاكرتك بلاشك قد اسعفتك بالكثير من اسماء تلك البرامج التي تم عرضها خلال الدورات البرامجية التي حرصت عشتار على ان تتجد كل ثلاثة اشهر ملتزمة بذلك بكل المقاييس السليمة التي تنتهجها افضل القنوات الفضائية رغم ان عشتار لاتملك 20%من الامكانات المادية والانتاجية لتلك القنوات وهذا امر قد لاتعرفه انت وكثيرون غيرك ايضاً . واذا كنت مصراً وبتعمد واضح على عدم تذكر اي برنامج من تلك التي انتجتها عشتار، اسمح لي ان أسرد لك بعضاً منها لعلني اعيد لك شيئاً من الذاكرة والتي ارجو ان لايصبها العطب :
بعض من برامج عشتار :

.
ضحايا : والذي تابع قصص ابناء شعبنا وهم يدفعون الدماء زكية وطاهرة
على ايدي قوى الارهاب والظلم في بلدنا العراق بعد عام 2003
حنين : الذي وثق عبر العديد من الحلقات كل الاحياء السكنية التي عاش
فيها ابناء شعبنا في العراق وتحديداً في بغداد ومضى البرنامج في
مسارات متعددة متناولاً كل الانشطة والشخصيات والتواريخ التي
كانوا جزءاً منها او عاصروها ومسجلاً بهذا البرنامج قصصاً
وحكايا عن ازمنة جميلة كانوا قد عاشوها في العقود الماضية .
رحلة : الذي صور كل قرانا المتوزعة والمتناثرة في اماكننا التاريخية
المتواجدة في اقليم كردستان والذي دام انتاجه اكثر من ثلاثة اعوام
متواصلة يدور فيها فريق عمل هذا البرنامج بين الاودية والشعاب
والجبال ومتحملاً متغيرات وقسوة المناخ من الوصول الى اقصى
الامكنة التي يتواجد فيها ولو عدد قليل من ابناء شعبنا .
منبر عشتار: وقد واكب هذا البرنامج المخاض الصعب الذي يخوضه
شعبنا والنخبة المثقفة منهم من اجل الحفاظ على وجودنا
وهويتنا وحقوقنا في هذا المخاض الصعب اثناءوبعد كتابة
الدستور .
حكاية عمر : الذي سلط الضوء على اهم الاسماء الرائدة في مختلف حقول
المعرفة والفن والفكر والنضال الوطني من اجل ان نحتفظ
لهم ولنا بمادة وثائقية تعكس ماقدموه في مسيرتهم الكفاحية
لشعبهم ووطنهم وقائمة الاسماء في هذا البرنامج تطول
ولايمكن حصرها .

عشتار في المهجر : وهذا البرنامج الذي تجاوزعدد حلقاته اكثر من مئتي
حلقة توزعت على مئتي شخصية بل واكثر، من ابناء
شعبنا الذين يتواجدون في دنيا الاغتراب مابين كندا
واستراليا والسويد والدنمارك والمانيا واميركا وقد
تناول البرامج النخبة الخيرة من ابناء شعبنا من الذين
يمتلكون شطراً كبيراً من العطاء الانساني أوالفكري
أوالوطني ..
اضافة الى العشرات من البرامج الاخرى مثل /اللغات السامية وتفرعاتها / وبرنامج لغتنا / والمشهد الثقافي /وزهرة عباد الشمس / وشمخ / الخ .

ياسيدي الكريم هذا الذي استعرضته من البرامج التي انتجتها قناة عشتار في عمرها القصير ماهو الاّ غيض من فيض عطاءها الذي لم يزل مستمراً رغم الكثير من العثرات التي صاحبتها والمعوقات التي تصادفها والتي رغم كل ذلك لم توقف عطاءها .
للاسف الشديد لايسعني هنا إلاّ أن اقول لك : لقد تخليت عن الموضوعية والنزاهة في النظر الى مسيرة قناة عشتار التي تمتلك الان بما انتجته من برامح ــودون غيرها ــ اضخم تراث صوري وصوتي لابناء شعبنا وبذلك صار لعشتار اهم مكتبة تضم في رفوفها اثمن الوثائق التي حفظت ذاكرة هذا الشعب. ولولا جهود العاملين في قناة عشتار ــ الذين تسرّعت كثيراً جداًوالصقت ببعضهم وللاسف الشديد اسوأ الصفات ــ لما تم انجاز هذا العمل الكبير الذي لايقدر بثمن بل ان قيمته تزداد يوماً بعد اخر كلما تقادمت السنين .
كما ينبغي عليك ان لاتنسى الدور الكبير الذي اضطلعت به عشتار في تسليط الضوء على مايعانيه ابناء شعبنا من المهجرين وايصال صوتهم الى العالم ومالحق بهم من غبن وحيف عبر العديد من البرامج والتقارير التي كانت ولم تزل تتابعهم اينما كانوا .
ولاتنسى ايضاً ذاك الدور الذي لعبته عشتار في تكريس ساعات طويلة من البث المباشر ايام المحن التي اصابتنا ونحن نفقد رموز شعبنا من رجال الدين ومن الشخصيات الاخرى الوطنية كما هو الحال مع الشهيد المطران فرج رحو او الشهيد يشوع مجيد هداية او الشهيد رغيد وغيرهم من الاسماء . اضافة الى العديد من البرامج الوثائقية واللقاءات التي تناولن ابشع جرائم الابادة البشرية التي طالت شعبنا خلال القرن الماضي كما في صوريا وسميل .
ماذا تريد ان اعدد لك بعد ياسيدي الكريم عمانوئيل تومي لكي تبدو الصورة واضحة لعينيك . وارجو ان تكون قد وضحت . واخشى ان لاتكون قد وضحت لبصيرتك ايضا.
كما ارجو ان نتحلى بالحكمة والعقل والمهنية ونحن نطرح مالدينا من ملاحظات ضد الاخرين وان لانصدر الاحكام سريعة ونحن في حالة من الانفعال والهيجان قد يكون سببه مشاكل شخصية نعاني منها ولسنا بقادرين على حلها . وقد يدفعنا ذلك الى تفريغ فشلنا واحباطاتنا في مقالات متشنجة نسيىء بها الى انفسنا قبل ان نطعن بنجاحات الاخرين ونسيىء اليهم !
فاأغنية واحدة لاتكفي لشطب تأريخ الاخرين .
ولن تكون سبباً مشروعاً لطعن الاخرين في الخاصرة . . اليس كذلك !؟

نشر في موقع عنكاوا في رابط المقال :
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=370926.0;wap2




«عام السرطان» للعراقية سالمة صالح: دلالة الاتكاء على استراتيجية السَّرد السير ذاتي مروان ياسين الدليمي http://www.alqu...