عن تجربتي





أياد آل عبــَّار

مقالة نقد غير موضوعي في الأدب اللامقارن
عن المجموعة الشعرية (سماء الخوف السابعة )
للشاعر مروان ياسين الدليمي


             تاجـــر العوســـج والصبــَّار


لا شكَّ من أنـَّك... أنت فنـَّان، فقد تعلـَّمت الكثير من الفنون: فنُّ التجارة، السرقة، اللعب بالنرد، التجسس، البوح بأسرارك وأسرار الآخرين، التقمُّص، حضور الحفلات التنكرية،... تعلـَّمت أن تقول ما لا تريد وتريد ما لا تقول، صرت مخرجاَ لحكايا عن ألف ليلة وليلة... تحكي عن السندباد ورحلاته السبع، تدرَّبتَ على القتال وأصبحت محارباً ـ مصارعاً ـ عبداً، لا يدري عمـَّا وعمـَّنْ يدافع ولكنه ربـَّما يفعل ذلك ليُبقي على ما تبقى من النفس، تختفي لبعض من الوقت وتمتهن ما لا يخطر ببال أحد، تمتهن الأدب المستعار، ترفع علم الجاني على نفسه، إنـَّك تصنع أوانٍ فخارية، تصير حدَّاداً متفانٍ بعمله يصنع أقنعة الإرتجال، تعصر خمراً... زيتاً، تبيع ثلجاً لسكان ألاسكا! يا لك من فنان! " إنَّ في البيان لـَسِحْراً"

التاجر: يدخل في سوق يعرفها ولا تعرفه، يتجول فيها من أولها حتى آخرها، يبيع ويشتري، يقايض ويغبن، يحايل ويماطل، يغافل ويبدِّل، يشتري بأبخس الأسعار ويبيعُ بأعلاها، يجعل أذناً من طين وأخرى من عجين عندما يواجه مزايدة أو مناقصة على سِلـْعَةٍ يريدها وفي آخر المطاف يصرخ بكلمته المعتادة: إشتريت!
يعود إلى متجره ومعه عشر جمال محمَّلة بأحلى وأقوى وأعمق الكلمات، يغسلها، ينشرها على حبل الغسيل، ينتظر أن تجف ثم يصفها، يعزلها، يـُنـَقـّيها، يفصلها ويركَّبها، يهندمها بالسوط وبالصوت، بالرصاص والجروح، بالدمع وبالحسرة والآهة، يلفها بشرائطٍ من الأمل واليأس، من الحزن والألم... ثمَّ... في اليوم الثاني ينثرها حتى تصل سماء الخوف السابعة!

                       راحِلـُونَ
                       إلى براهين الكدمات
                       في أضْلـُعِ اللَّيل العراقي
                       وهو يـَلـْوي عُنـُقـَه...


السارق: عرف صاحبنا انَّ مهيار الدليمي وهو أحد أجداده وابن عبد ربه والثعالبي والكثير من الآخرين الذين امتهنوا الشعوذة وسحر البيان والأخذ بعقول المساكين والذين لاحول لهم ولا قوة
 إلا َّ أن يخضعوا لهم ويأكلوا مما تصنع عقولهم وأيديهم المضرَّجة بدماء الكلمات وأمهات الفكر ويتامى الحروب و الويلات، عرف صاحبنا أن كل هؤلاء قد اجتمعوا في أحد خانات المدينة وكل معه كنزه! تهيأ صاحبنا فلبس خُفـَّيْ جنـِّيّ ٍ وعِمامة الحجاج الحمراء! وفي عمق الليل داهم الخان وسرق وقتل ونهب، لم يُبْق ِ شيخاً ولا ولداً ولم يَنـْجُ منه كنزاً ولا تلداً، سرق جدّهُ مهيار بعد أن أطاحَ بهِ وعلـَّق إبن عبد ربه من أذنيه بعد أن أخذ صندوق خشب الأبنوس الذي فيه العقد الفريد، ثم يتـَّمَ يتيمة الثعالبي، وبعد تأكّده من أن عمله قد تمَّ ولا أحد يقتفيه، أخذ جواده وطار بين غيوم الجروح وقساوة الغربة، بين نيران الغزو والحروب والغدر والخيانة! لم يستسلم ولم يدع أحدا يسطوا على غنيمته وعندما وصل الى مخبأه فرد الكلمات وشذ َّبها، قصَّ دابر الجُمَلِ الطويل واختصر الدرب التي تؤدِّي الى القلب فطعنه قائلا ً:
 
                         
                                    أيـُّها السَّخـْط ُ                          
                        التـَئِمْ
                        ثـُمَّ
                        التـَئِمْ
                        ولا تـُخْطِئ ِ الألـَمْ.

لاعب النرد: في الحانة، هناك من يشرب بصمت وهو يحدق بالسقف الخالي من كل ما هو مجلب للإنتباه أو محفز للذاكرة، وهناك من يشرب مع ندمانه ويحكي لهم عن مغامرات الـ دون كيشوت وحروبه ضد الطواحين، هناك من يعزف على عود مقطـَّع الأوتار وآخرينقرعلى طبلة مهترئة تعبى وآخر ينفخ بناي ٍ مبحوح وراقصة ترقص بين الجروح والأنـَّات. الكل لاهٍ بماهو فيه إلا َّ صاحبنا فهو يراقب بنظرات عميقة، يتفحص كل حركة وكل سكون، يحدِّق بالألوان، بطيـَّات الستائر والتِفاف اشعات الضوء الداخلة من خلال زجاج الشبابيك الوسخ المملوء بأجساد حشرات أتية من البيت الأبيض أو من أماكن وبؤرٍ ومستنقعات كانت قد احتشدت فيها السموم، حشرات مسحوقة وملتصقة بالزجاج وكأنـَّها تشكل رسوما ناتئة لحروب خسرتها  أو لم تستطع إلا َّ أن تكون ضحيتها الأولى.
صاحبنا يأخذ شيئاً من كل ما حوله، يضعه في بودقة ويمزجه بخاطره ويضيف إليه ويقصره بالقواعد والحوامض، يسخِّنه بنار هادئة طورا، وملتهبة هوجاء أخرى، ثم يعد تصفيتها وتقطيرها وعندما ينتهي ينهض صارخا: مَنْ يلعب؟
الكل يستجيب لندائه وتبدأ اللعبة. هو لاعب مُتـَمَرِّسٌ، يقرأ الأفكار، يعلم ما تخفي الضمائر ويفسر الأحلام! ولكنـَّه لا يثق بالآخرين! لذلك فهو يخفي في طيات كُمَّيْ" قميصه المقدود من دبرٍ!" زهراً أو إثنين أو حتى ثلاثة يستعملهم عندما يتفشَّى مرض الغش والغبن والخداع في اللعبة. تطول المراهنات وتمضي ساعات الليل تارة أنيقة ترتدي مصابيحا وقمرا من الفضة والذهب، بطيئة الخطوات متمالكة نفسها تتأرجح ما بين قبلة وضمَّة وتارة مثقولة بغيوم سوداء وعواصفَ تخفي صواعقاً وهديراً، غضباً من عند الله!
صاحبنا يخسر دور لعبةٍ ويكسب تسعة وهكذا. في آخر الليل يكون قد كسب تسعين لعبة وخسر عشرة. يتوقف، يفرك أرنبة أنفه بيده اليسرى ويرمي زهره عشر مرات ويكسب! يلم ما كسب ويخرج قبل أن يُكشف أمره. يعود إلى وكره، يضع عقدة الغنيمة على الطاولة ويفتحها... يداوي الجروح، يخيطها ويجفف الدمع، يغسل، يكفن الموتى ويصلـِّي عليهم ثم يدفنهم في القلب!


                    في الحادي عشر من نيسان
                    من السنة الثالثة بعد الألفين
                    هكذا أظن،
                    سقطت نينوى.
                    ــــــــــــــــــــــــــــــــ 
                    من بيوتٍ
                    كانت تحيا على كفِّ انـْتِظار.
                    من أسطورةٍ إسْمُها نينوى
                    كان الفجر منها يجيئ...
                   هي الآن جرحٌ
                   ورواية للذهول تحت الرماد.


الجاسوس: إمتهن صاحبنا مهنة خطيرة إذ لم يجد بداً من ذلك! مهنته هذه ذات كلفة باهضة  فهو لا يتجسس على الآخرين فقط بل هو يفعل هذا على نفسه أيضاً! إنـَّه جاسوس يتجسس على كل شيئ حتى على ملائكة الله! كثيراً ما يغافل روحه ويختلس السمع والبصر بل يمد يده ليتحسس الجراح ويستنسخ الأخبار ويكتبها بدمائه وينقلها الى حيث يـُؤْْمَرْ... الى مقبرة جماعية في حيٍّ من الأحياء في مدينة من مدن العراق! التجسس مهنة مأساوية قذرة، مهنة الضباع والقرود البابوينية، إذ أنـَّهم يتجسسون على  الآخرين من غيرهم.
إنـَّه ملك الضباع وملك القرود! على هذه فإنَّ داروين لم يكن مخطئاً في نظريته. إنـَّه يفضِّل أن يكون كذلك، ملك للضباع والقرود وليس للكثير الذين لا يفقهوا القول:

              قد ضَيـَّع اللهُ مَاجِئـْتُ بـِهِ مِنْ أَدَبٍ
                                            ما بَيـْنَ الحَـمِيـِرِ والشـَّـاءِ والبـَقـَرِ

             إذا ما سَكَتـُوا قلتُ إنـْسٌ وإنْ نطقوا
                                           قلتُ الضَّفادِعُ مابين الماء والشـجر!

الضباع تفهم، تحاول أن تبقى على قيد الحياة كي لا يـُباد بني جنسها، بينما البشر يبيد بعضهم بعضاً، والقرود أذكى من الكثير الكثير من البشر فهي تجعل الإنسان يصدق من أنها تقلـِّده بما يفعل وهذا غير صحيح، إذ أنها تنتحل العراك والقتال فيما بينها ومن بعد ذلك فإنَّ كل منها يعرف دوره في داخل حدود الجماعة وفي خارجها، لذا فإنَّها ليست بحاجة للتجسس على بعضها البعض.
ملك الضباع والقرود ليس ضبعا أو قردا، بل هو شاعرٌ قد أمسى ملكاً! وعندما يحدث هذا..." وهنا أريد أن أحدد قولي": الشاعر عندما يصبح ملكاً يحكم على نفسه قبل الحكم على الآخرين، لا لشيئ بل فقط لأنـَّه شاعرٌ... يـُصْدِرُ الحكم على نفسه بأن تقتله الكلمات!
إكتشفَ الجاسوس يوماً وهو يتأمـَّل من أنَّ الكلمات، كلماته بالذات تتجسس بعضها على بعضٍ!
ـ إعترِفْ، مَنْ هم أصحابُكَ، مِنْ أيِّ حزبٍ أنت؟ إعترفْ وإلا َّ هشَّمْتُ رأسك بهذه الهراوة!
ـ ...
ـ أتـْرُكهُ، لا جدوى منه، قد أسمعت إنْ ناديتَ حيـّاً...خذوه من هنا واخسروا عليه رصاصة واحدة لا أكثر!
ـ أيها الرماة أستعدُّوا، هل لك رغبة أخيرة؟
ـ نعم... أطلقوا النار على بعضكم البعض!
ـ هذا من أمانيك، هل أغمض عينيك بهذه؟
ـ لا، يعجبني أن أتأمل المنظر!
ـ ... أطلقوا النار!
كان صاحبنا مغلول اليدين وحافي القدمين، مربوطاً إلى عمود من الخشب المحروق، ينزف وعيناه يغطـِّيها سحاب من الغروب والغربة... كانت الساعة الخامسة بعد الظهر  وكان عرسا للدم!


                      كلـَّما حدَّقـْتَ في ثآلِيـلِ الكآس،
                      سامرَتـْكَ حَكايا مُفـْزِعةٌ.


 الفـَتـَّان: " الفِتـْنـَة ُ أشَدُّ مِنَ القـَتـْلِ". هل أجبرك أحد على الكلام، هل عذ َّبك حرَّاس المعبد ـ السجن؟ لماذا حكيتَ، بُحْتَ بسرِّك وسرِّ الآخرين؟ كيف سمحت لنفسك فعل هذا؟ ألا يُعَذ ِّبُكَ الضمير؟ قـُلْ هل ضميرك متصلاً أم منفصلاً أم موصولاً، أو بالأحرى هل لديك ضميراً أصلاً؟
ألا تدري أن الأفكار والكلمات ستودي بك؟ لماذا لم تتخذ الصمت رفيقاً كما كنت تفعل من قبل؟
لماذا أزدتَّ الجرحَ جراحاً، لماذا نطقتَ بالذي لا يُقال، لماذا شحذت السكين وذبحت نفسك من الأذن وحتى الأذن؟ أتتذرَّعُ بالرمال والعطش، تخفي الصحراء في عقدة بين حاجبيْك، وتغطـِّي وجهك بيديكَ وتعتذر؟ لا عذر لمن يتجرَّأ ولا مناص لمن يحكي!
ها أنت قد فشلت بتقليد الآخرين، لم تنجحْ في مثولك أمام القضاء ولم تـُعطِ إلا َّ حياتكَ وهذه لا تكفي لمثل هذا التجرأ ْ!  ألم أقلْ لك من قبل ألا َّ تفعلْ؟!

                      كان عليك أن تبقى نادراً بفصول عُشبك
                      شاهداً على انكسار الطريق
                      في قيثارة المدينة.

يا لي من أحمق! كيف أ ُوَجِّهُ إليك كل هذه الأسئلة وكيف لي أن أتـَّهـِمُكَ؟ كيف  رسمتُ ماقلتَ؟ ...ربـَّما لأن هذا حدث لي قبلَ أن يحدث لك!

                     ها نحن:
                     نفتـَتِحُ مَشْهَدَ الكلام،
                     نتـَوغـَّلُ في تـَجَلـِّياتِ الموت.
                    ...........
                  

                    الموت: أنتم
                    ساعات من الفوضى
                    تخدش التراب
                    تشطب المراجيح
                    وترسم الدم على مرايا الطفولة.
                    ........... في شارع الدوَّاسه.
                   ... في شارع النجفي
                   لبولص ادم ...
                   للمثقف اليساري صباح سليم...
                   لهوس ... شفاء العمري
                   ....
                   لمن لا يعشق مدينة أخرى في الدنيا
                                               غير مدينته:
                  موفق الطائي وقحطان سامي.
                  .........
                  هكذا نقف لنحصي الظلال الراحلة
                  والملاءات ترتجف يوماً بعد آخر.


المُتـَقـَمِّص:صاحبنا اشترى من دكانٍ يقع على زاوية في آخر الطريق الذي يُؤدِّي إلى بوابة "شمشإشترى "أحَدَ عَشَرَ كَوْكَباًً وَالشَّمْسََ وَالقـَمَرَ، اشْتـَرَاهُمْ سَاهِمِين"! عاد إلى مثواه! يَعُدُّ الكواكبَ ويُحْيي الشمسَ في القلب ويُعانقُ القمرَ في وضْحِ النهار. يُحضِّرُ للرقصة الأخيرة في حفل تنكري لليلة من ليالي العبودية في قصر الحرية الذي اشتراه نجار من الناصرة! جمع الكواكب ولفها بورق شفاف كباقة وردٍ هدية للرفيقة المزعومة والتي سترقص معه، إلا َّ أن أحد الكواكب رفض وثار ضد المتقمص، كشَّرَ عن أنيابه وزمجر وهدَّدَ وأطلق رجليه للريح بعد أن فكَّ قيوده.
لم يكترث صاحبنا لثورة ذاك الكوكب ولهروبه بل تعمَّد عدم الإكتراث واستمر في أدائه للدور الذي كان قد أدقنه وهو يتمرَّن على خشبة مسرح كان قد قـُصِفَ من قِبـَلِ رعاة البقر المرتزقة. المخرجُ كان صعبَ المراسِ وذوسَقـْبٍ للغضب فكان يصرخ ويلوِّح بذراعيـْه وينحني ليأخذ نعاله ويضرب به رأسه عندما تزداد سَوْرَةُ عدم الرضى عن أداء الممثل المتقمص. لذا فإن صاحبنا لم يكن لينتهي من أدائه للدور إلا َّ في ساعة متأخـِّرة من الليل الذي كان قد تلى ليالٍ أخرى ملتهبة بعذابات آتية من كل حدب وصوب. كان يبكي ويتأوَّه وفي بعض الأحيان كان يتوقف ولا يرد ليحرِّك ساكنا لما يقول له المخرج! شِفاء، هذا إسم المخرج وليس وضعه وحاله من الصحة وطول البال والرحمة لنفسه ولمن يعمل معه، كان يعيش حياته على المسرح ويموت يوميا سالكا زقاقا أو دربا من دروب الموصل القديمة. يـَثـْمَلُ ويـُمَثـِّلُ وهو يناقش حلا ًّ  بطريقة ساخنة لمعضلةٍ تصيبه وهويستأصل من جرحه، هو الآخر، شضيـَّة ً كانت قد دخلت تحت ضلعه الأسفل الأيسرالمكسور!

                           تذكَّرْ...
                           تلي صيحة الروح زهرة.

 الحفلة التنكرية:"سار الغرباء بماضيهم المؤَثـَّث بالدخان على أجنحة الطرق المضيئة بأسمائنا وافتتحوا الزحف بأُمنيات قذائفهم حتى وصلوا سماء الخوف السابعة زجرُّها على الإسفلت مأهولة بدمعنا".
 كنتَ معي في فينيتسيا ـ أذكر هذاـ كنتَ قد اتـَّخذتّ ركنا أمام المرآة وأنت ترتدي زيـّاً قرمزيـّاً مائلاً الى السواد وعلى وجهك نصف قناع يخفي عينيك، رسمتَ شامةً سوداء على الجهة السفلى من وجنتك المملوءة بالخوف، وضعت على رأسك شعرا مستعارا أشهب اللون وقبـَّعة سوداء من المخمل السميك، تحت صُدَيْرِكَ قميص أبيض مهلهل بأكمام من الدنتيل المزركشة باليد، سروالك القرمزي يتدلـَّى حتى ركبتيك ومن بعده تغطي ساقيك جوارب بيضاء طويلة حتى فردتيْ حذائك الأسود اللامع ذي الكعب والمحلى بحدوتي حصان صغيرتين، أخذت بيدك اليسرى عصاة في رأسها نسراً مختوم عليه أول حروف إسمك M  وقلت لي: أنا حاضر!

                                          مغلولاً بحزني
                             أستدرج النهار حتى نافذتي
                             وظلال الحكاية تخدعُ الطريق إلى ندائي.
كنتَ معي في البندقية ـ أذكر هذاـ أخذنا قارباً وعبرنا القنال الكبير ثم وصلنا الى القصر، أعلنَ عن وصولنا الحاجبُ قائلاً: الدوق مروان الدليمي وصاحبه ـ لم يعد تنكرنا ذا فائدة!ـ بدأتَ تلاحق الظلال وما خلف الأضواء ولم أكن أدري ما كنت تبحث عنه، إلا َّ أنـَّني علمت من كلماتك السابقة من أنـَّك لا تخشى أن تموت بلا ظلٍّ مبقياً أسماءكَ الثمانية.


                                         على سياج قبري                   
                           علـَّقوا أسمائي
                            وغادروا التراب
                            بعد أنْ تحصُّوا قتلة التـَّوهُّم.

لم تكن معي في البندقية، بل العراق كان معي! كانت كلمات ترن، بل تصرخ
 في رأسي...كانت كلماتك أنتَ.
                                          بعد عام صحوت
                            قالت زوجتي:
                           لا تغويك عتبة الدار
                           فالمكائد ما زالت تجرُّ المدينة من بكارتها
                           وتدفعها من بساط الى آخر.

لم تكن معي في فينيتسيا على الإطلاق. كنت لوحدي، أنظر الى الراقصين، أكرع كأسي وأطحن كلمات شعراء العرب من الجاهلية وحتى عهد مروان الدليمي!
          
                                                 في مكان ما
                                انكسرت لغتي
                                تعثـَّرت بها
                                لم أعد أذكرها


القائل: أحقـّاً ما تقول؟ هل انتهى بنا الأمر الى الحضيض، أم أن الحضيض هو الآخر لم يعد يريد أن يكون ملجأ ً لنا؟ تـُفَّ من فمك هذه العبارات وتكلم كَمَنْ يرمي بالرصاص على أولئك المحكومين بالحياة في جوف الموت. ألم تقل بأنـَّك " أنا... غائب عنـِّي". كيف يقول من هو غائب، هل أصبحت إماما غائبا أم أنـَّك مازلت تتقمَّص وتراوغ؟ أم أنـَّك تعلـَّمت من آخرين كل هذا، منـِّي
مثلا ً ؟ ها أنا غائب وأقول!!! يا لك من تلميذ ذكي حريص على أداء واجباته! البلاد لا تكذب، يا شقي، لكن الرجال تكذب، الأرض لا تنكر الجميل بل الأنسان هو الذي يفعل.
صدقت "نحن لم نعد نشبه ما نحن" "...بعد أن نأكل اليقطين المدون في
جدول أيـَّامنا...
من معسكر الرشيد حتى نكرة سلمان... كانت المشانق فيها أهزوجة البلاد...
لم المشانق، لم الفوارق... لم الضالعون بالقتل هم دائما احبابنا واسيادنا...
لم الإنقلابات الدموية... تتبعنا؟" " من نحن... من ليل بغداد الثقيل؟"
هل أكمل؟ نعم والله سأكمل، رغم أنف أبيك سأكمل وسأقول ما أريد أن أقول
ولن أخفي ما أريد أن أقول! ها... يا صاحبنا ألم تتيقـَّن من أننا في الهوى
سوى وأننا في مسرح العبث قد أمرونا أن لا نعبث! أنا ثرتُ على الأوامر
... وأنت؟ هل ثرتَ؟ هذا ما كنتُ أتوقعه، وكيف لا تثور وقد نـُقشَ على
قدرك منذ أن بدأتَ " الدخول الى متن الحكاية:"
لا تقل، لا تعد الأسماء، لا تذكر الطرق والشوارع والأزقـَّة، لا... لا تقل
شيئاً، كن عشيقاً مخلصاً للصمت!

                      دِلـِّيني أيتها الذنوب المقدَّسة
              على وشم براءتي
              وأزيحي عن سمائي أُرجوحة الدسائس
              لعلـِّي أُدرك شكل البحر
             وأتذوَّق طعم الزرقة بعد الخمسين.


ألم أقل لك أن تصمت، ألم أحذرك؟ أنت لم تكن معي في البندقية، بل في كل زمان ومكان! لكنـَّك كنت كثير الكلام وكانت الحمى تجبرك على الهذيان فتفشي بأسرارنا وتقول كل الذي كان لا يجب أن تقوله وتخفي ذلك الذي كان يجب أن تقوله.
 برفقة الأجراس، ينام الظلام في حذائي
بعد أن أسدلت الستائر على ضجة المحاربين وهم يكشفون عن عوراتهم
في مراهنات لإكتشاف فحولتهم مع نساء مَسَخَ البؤس اثداءهنَّ.

في اليوم التالي:
يعود المخطوف من غموض قبضة الخاطفين، يسقط بعد منتصف الليل
يعوي مرعوباً كالكلب، يستجوب نفسه، يقتادها الى الشارع،
رغم حظر التجوال، يصب النفط عليها ثم يشعلها.

الهروب خلف يقظة التضاريس الآشورية في أمكنة يرقد فيها المحاربون
جاؤا من كل جهات الأرض يقطع الشك بأن زوجة المخطوف كانت قد أوقفت المراهنات عليها حين تجردت من ملابسها وعلقت روحها على سارية العلم.

ألم أقل...




المخرج: جلس صاحبنا على كرسيـِّه المعتاد القابل للطي والخبن والقطع والأيصال كما تقتضي الحاجة في العروض! السكوت يعمُّ المكان. كُتِبَ على ظهر كرسيـِّه بعدَّة لغات: سكوت،  Silentium ،Silencio, Silence,  Silenzio, Silence, die Stille
... ولغات أخرى. إذ أن العاملين معه من ممثلين وكومبرس وكاتبي السيناريو ومجهزي المعدَّات والملابس...و...و... وحتى حارس المرأب، كلهم من المرتزقة من شتـَّى أنحاء مراكز التدريب المهني في الأمم المتحدة للمحترفين في القتل والسلب والنهب والإغتصاب والتدمير كيفما اتـَّفق.
ـ ماذا عندنا اليوم؟
ـ مشهد لقنبلتين ملغومتين، الأولى في جامع النبي شيت والثانية في كنيسة أم المعونة أي على طرفي  سوق الـ تيارية وشارع الدوَّاسة حيث يتسكع كل أولئك الذين...
ـ كفى، فهمت، هل الكل جاهز؟
ـ نعم يا أستاذ، الكل جاهز!
ـ سايلنس...أكشن!!!
 المخرجون يتحدَّثون بالإنكليزية ويكتبون بالعربية ويختمون بالإبهام كي يكون نتاجهم مبهما وغير مفهوم من قِبَلِ العامَّة! أمَّا الخاصَّة فلا يعنيهم هذا بقدر ما تعنيهم الغنائم!

 كأنني أوقظ البعيد من ليل البلاد المعصوبة بميراث النواح وليس لها إلا َّ أن تصرخ على نساءها: أخـْضِعنَ أعماركنَّ لليباس
واغمضنَ أعينكنَّ عن رؤية الندى
على وجوهكنَّ.

 هم الحثالات أمطرونا بالبصاق والبساطيل والقادة     الأباطيل وشتـَّى أنواع اللطم. هم المرتزقة جعلونا نقطن الحرب أو أنفقونا واستنكروا النطق بأسماءنا وكفـَّرونا وأباحوا لكل أصناف المارقين أن يصففوا شعورهم وينظمون الشعر فوق أشلاء جثثنا.
 ...
راجماً ذاكرتي كلما استدارت الى الخلف وطعنتني.

ـ هل انفجرت القنبلتان؟
ـ نعم.
ـ مَنْ مات وكم عدد الموتى والجرحى؟
ـ النبي شيت والعذراء ماتا وبعض الملائكة منهم جرحى ومنهم مَنْ قضى نحبه!
ـ حسناً، إنتهينا من عمل اليوم. إتـَّصِلوا بالأمم المتحدة وإجمعوا ما تبقـَّى، لا تنسوا القضبان والمعاول، أطفؤوا الماء بالنار! وحددوا موقع التصوير جيدا، خذوا الزوايا من الصليب المعكوف وعيِّنوا عليها الإصابات كلِّها، ضعوا الحواجز وإشارات منع الدخول، فتـِّشوا في جيوب النبي شيت والعذراء قبل أن يُدفنا، علـَّكم تجدوا ما يبرر عملنا هذا! عندما تنتهون من عملكم هذا توضـَّؤوا وصلـُّوا ركعتين لوجه الله تعالى ثمَّ اشطفوا بالماء والمعقـِّمات أرضيـَّة مسرح الأحداث، لا تتركوا أثرا لكلماتي وتجلـَّدوا بالصبر والإيمان.
ـ حاضر يا أستاذ، كل شيئ سيجرى حسبما قلت.
                   
     حدَّثني الطفل حين كانت أمُّه ترزح تحت بيارقنا
     تتلقـَّى القبلات وهي تبكي بصمت: أبي يُعَلـِّقُ الكثير من
                                               مِنَ الأوسِمة على صدره...

                              
في ذلك اليوم، صاحبنا رفض الكلام عن ألف ليلة وليلة وعن السندباد ولم يصوِّر إلا َّ نفسه معلقاً  على المرآة وعندما أُنـْزِلَ غسلوا عينيه بالزيت وشدُّوا معصميه خلف ظهره، ربطوه الى عمود من الحديد كان منتصبا أمام غيمتين بقيتا هناك بعد الإنفجار، حاولوا أن يعلِّقوا على صدره النياشين والأوسمة إلا َّ أنَّـهم لم يجدوا مكاناً على صدره  إذ  كان مُثـَقـَّباً كالغربال، إقتصروا الأمر وعلـَّقوا حدوةً على جبينه ومن ثم أطلقوا النار.

                      هل ستنام الآن؟
                      منزلك: الليل الساكن فيك.
                      مطعونا تمضي بين الغيم
                      المربوط على قدميك.

   

المحارب ـ المصارع ـ العبد: صاحبنا أُدْخِلَ الى ثكنة في معسكر كبير لِيُدَرَّب على فنون القتال، بَعد أنْ غـُسِّلَ وكُفـِّنَ، أُعْطِيَ ماهو لازم للرحيل والسفرـ مقيَّداً ومَغلولاً تارة وتارة مُقطـَّعةً أوصالـَهُ ـ  من حَلـَبَةٍ الى أخرى: ملابساَ من الرمل والحصى وصندلا من القش والخشخاش، سيفا من الذهول ودرعا يقف "بين وجه الليل وباب النهار"، زوَّدوهُ بـ" كرامة التـُّحَفِ الرَّخِيصَة":

                    لكنـَّي، طالما الجنون في يدي
                    مُسْتـَعِدٌّ أن أنكرَ العصا وهي تهوي الى جسدي
                    لتـُحْصي أُمنيات الصوت
                    المختبئة في ثكنات الدم

 صاحبنا لم يعِ ما حدث في ذلك المكان ولم يكترث للفرح أو الحزن بل عاوده الغثيان وانتابته حمى الثلث وهكذا دواليك حتى نهض ليغتسل ويصلـِّي إلا َّ أنَّ النزال كان قد بدأ والـْتـَحَمَ الجانبين وخسر مَنْ كان قد بدأ  الصمت عندما كان يجب عليه الكلام!...
صاحبنا شقَّ عليه كل ما حدث وسافر من الفجر الى الفجر، ثمَّ آثرَ أنْ ينام ولو لِمسافة قصيرة تقع ما بين خطوة وأخرى!

  نمت خلف رأسي محاذراً رائحة الدنابر وهي تنقل                   الحواسم في واحة تتثاءب فيها الأصنام
 صحوت على سقوط الجثـَّتيْن بعدما ركلتها سيوف الفوضى
إستدرت نحوهما... لأمحو مفردات المطاردة الخرساء طيلة الليل.

لا مسرَّة في هذا الفصل
غير أنـِّي سأسمِّيه مطرقة عمياء تدق جبهةَ الشجاعة
وسأرفع عزلتي الى رئة السماء بعينين تخرق الخريف وهو ينهش
المسافة بين الروح وهشاشة المدينة وأنا أتقلـَّب بين شفاه الغثيان.

كانت الجثتان تتنفسان تحت اقدام الشامتين.
رمى خرائب نظرته نحوهما، ثم مسد لحيته وتطاول
بالغرور.

صاحبنا أكمل دربه محتضناً مشيئة الأقدار ومخفياً في جيوبه المرتـَّقة أساور الذهب والفضة وصورةً لحبيبةٍ ما كان قد التقى بها في زحام سوق " باب لكش". كان بين حين وآخر يدخن سيجارة مصنوعة من تبغ القـُنـَّب وملفوفة بورق النعاس الذابل، معطـَّرة برائحة الذكرى، حاول جهد إيمانه أن يتذكُرَ ولكن، قطار الذكرى كان قد مرَّ وسفينة الهجر والرحيل الى غير رجعة كانت قد مَّرَت وأعلنت بدء الإبحار والبحر كان ساهٍ يحلم بالثأر " مَنْ يبحث عن الثأر سيجده ومَنْ يريدُ الدم سيجده ولكن مَنْ أراد الحياة سوف لن يجد إلا َّ وعوداً"" ... الى مستنقعات الخيانة/ ـ لابدَّ أنَّ أُسَرَهُم هناك، مازالت مُسَيـَّجَةً بالإنتظار. قالها سائق المركبة بوجهٍ عذ َّبه الأسى وهو مُدرك لخطورة ما تلَفـَّظ به./ ويتناسلون كالفئران وتتواثب احلامهم لتسرج المدن تحت فروجهم."
صاحبنا، لم يقرر بعد فيما إذا كان قد حان الوقت لهجر العبودية أم لا. العبودية لها أشكال ومضامين مختلفة وما من عبدٍ هجر عبوديته طوعاً بعد أن كان قد تعوَّد عليها واطمأنَّ إليها: في الفجر عشر أسواط ، الكثير من القطران على الظهر، جرعة ماء وقطعة خبز سوداء، الذهاب الى الحقول جريا بقدمين حافيتين ومغلولتين لجني ما سقط من عبوات الرصاص حتى الغروب، العودة الى كوخ الصفائح المتأكسدة بالدم والمثبـَّتة بعظام الجيل الماضي من العبيد، العشاء، ربما الأخير، ثم التناسل غصباً!
صاحبنا، أخيراً، حصل على حريته. ذهب مسرعاً وفرحاً الى سوق العطـَّارين واشترى ما يكفي ويزيد وزيد وعامر وعلي و..." إنـَّه الهذيان بعينه!" من التوابل والعطور. لوَّن حريته بالدم وعطـَّرها بالدمع والفهقة والشهقة وما أراد الله من غير ذلك ثم ذهب الى
" باب الطوب" وأودعها عند دلا َّلٍ أعمى عقيم الصوت ومُلـْتـَويَ اللسان.
بيعت حرية صاحبنا بثمنٍ بخسٍ " دراهم معدودة"، بهذه إشترى صاحبنا
بعض الكلمات وأكلها، لم تشبعه من جوعه، لذا عاد الى عبوديته فهي أسلم!"
كلـَّما هبـَّت عاصفة تدق الأرض بالهاونات، أحتمي بوحدتي بين الحروف،
لكنَّ أزيز الطائرات يطرد الحمام من فوق طاولتي... سبعة أيام
                                                    أم سبعة أعوام
                                                    أم سبعة قرون؟
عصبتها عيون من غرقوا برائحة الدم
          لا أحد يذرف الدمع على من تيبـَّست صرخاتهم على الرصيف
إلا َّ الكلاب التي أغمضت عيونها وانشغلت في البحث عن طرقات بعيدة.

يا للموت...
هي اليشامغ تحشرنا في سلالات الخطيئة كلَّما مضينا الى جنـَّة المرايا.


يا صاحبي هل ارتويت الآن؟



ممتهن الأدب المستعار: إنـَّه يعيش زُرقة الحياة وخـُضرتها، يشرب من صُفرة الصحراء ويأكل حـُمرتها، يتجوَّل في سدوم وقمرتها، يتعاطى الخمر وسواد الليل حتى إذا جاء الفجر يعود الى كوخه الطيني على ساحل نهر استعمرته جرذان آتية من بعيد، يستغفر ربـَّه من لعنة حلـَّت به.
صاحبنا ترك مهنته الأولى  وأخذ يبحث عن أخرى واضعا إعلاناً في الجرائد وناشرا خبراً تلو الآخر يحكي عن حاجته لإيجاد عمل مناسب له وأقلُّ خطورة من مهنته السابقة، معطيا جميع المواصفات والأدِلـَّة عن شخصيته وعن حسن أدائه وقابليته للعمل في أصعب المجالات من الأعمال وأكثرها تعقيدا.
كان قد ألصق إعلانات أخرى في أماكن عديدة: على واجهات المحلا َّت التجارية وعلى جدران الجوامع والكنائس والمعابد الأخرى وحتى على جذوع الأشجار وزوايا الفكر الممنوع  والأحلام النرجسية والمازوخية والسادية، ألصق إعلاناته داخل كهوف البرلمان وأعطى الكثير من الرشاوى للسياسين والمتجبرين ورؤساء الأحزاب الدينية والعلمانية والمستقلين والملتزمين وأصحاب المهن الحرَّة والقضاة والحكام ورؤساء البلديات ووزراء الدولة المعنيين بشتى أنواع الدعارة والرشوة والتجارة بالمخدرات والأسلحة، الآخذين بالسلب والنهب والقتل مجانا وبأثمان عالية التكاليف وباهضة الأسعار. كان يقف عند تقاطع الطرقات حاملاً إعلاناته وموزعها مجانا على المارين الجارين الى أعمالهم من المهندسين والأطباء القصابين و العتالين والمرتزقة والدراويش والعاطلين وذوي الحِرَفِ الميتة والمتورطين  بالغش والتسول وذوي العاهات المستديمة والمحاربين القدماء وقارِءات سوء الحظ وذوات الغيبة والنميمة وأولئك الذين يسمون أنفسهم: "أهل الله"! "لأكلة الفلافل من بدر السوري... لبولص آدم... للوقت الغائب...للوثر إشو... للمثقف اليساري صباح سليم...لأشقياء شارع حلب...لهوس المخرج شفاء العمري... لمن لا يعشق غير مدينته : موفق الطائي وقحطان سامي...لبيات محمد مرعي ... لفارس جويجاتي...لآخر ماتبقى من وطني المنهوب... محمد العمر وعبد القادر الحلبي.".
صاحبنا كان قد باع كل ما عنده وما يملكه من الكتب والجرائد والمجلات وحتى رسائل الحب القديمة، باعها كلها لأحد المارة ثم أطلق ساقيه للريح ليشتري طائرة ورقية وثلاث حمامات من السكر الأبيض، عاد الى البيت بعد أن أُسقطت طائرته ونفذ سكر الحمامات لـ " يصرخ أنا هنا مكتوٍ بغواية السؤال
أصرخ في الساحات
...
اخرجوا
...
خذوا ماستطعتم من آثارنا واتركونا عراة تحت لهيب الشمس
فوق تراب بلادنا.".
بعد زمن ليس بالقصير وصلت الى صاحبنا رسالة دعوة للعمل في شركة إنتاج للأدب المستعار! الرسالة هي عبارة عن طلب خجول مكتوب بكلمات صغيرة وشفافة تكاد لا تـُرى بالعين المجردة ومختومة بختم غير معروف: نحن نعمل بالأدب المستعار، نودُّ مقابلتك غداً في الساعة التي تليق بك! كي نتعرف على إمكانياتك ودرجة الوثوق بك وذلك للعمل معنا وإنشاء الله سوف تجري الأمور كما " تجري الرياح بما لا تشتهي السفن"!
مع التحيـَّات لله والصلوات...
أرسل صاحبنا سرواله الوحيد وقميصه" المقدود من دُبُرٍ" الى المكوى لغسلهم وكيـِّهم بمكوات تعمل بالفحم الحجري! وبقي بألبسته الداخلية في البيت منتظراً. شغل نفسه بالإستحمام وحلاقة الذقن والتحضير للمقابلة المؤمَّل أن تكون غداً في الساعة المذكورة في الرسالة التي استلمها من تلك الشركة أو المؤسسة المزعومة. بقي في ذلك الوكر ثلا ثة أيام سوية دون أن يمدَّ ولو رأسه من النافدة لـ " يستدرج النهار حتى نافذته" أو أن ينطق بحرف واحد فقد كان قد نذر للرحمن أللا َّ يكلم الناس ثلاث ليالٍ سوية إلا َّ رمزاً!"وأجمل الأشعار التي دحسناها في بساطيلنا".
إستلم صاحبنا، في اليوم الثالث، سرواله وقميصه، لبس هندامه ودخـَّن سيجارة محشوة بتبغ القنـَّب وملفوفة بأساطير الأوَّلين، لـَمَّعَ حذاءه المثقوب النعل الغير المرئي لأنه يتواجد تحت قدمه اليسرى مُرَقـَّع بعملة نقدية مصنوعة من رصاص رعاة البقر المرتزقة" دينكم دنانيركم ومعبودكم تحت قدمي".
صاحبنا إستقلَّ الباص" أيـَّة مرارة قذفنا على صحيفة داستها أقدام الركاب، حين عثرنا عليها تحت المقعد الجلدي ذي اللون البني الداكن في الباص الأحمر البغدادي المُجهد بآخر جولة ما بين ساحة الأندلس وباب المعظم ونحن سكارى نضحك من جيوبنا الفارغة بعد الساعة العاشرة من ليل بغداد الثقيل." ترجَّل صاحبنا ثم ذهب مشياً محاولا الوصل الى العنوان الصحيح
وبعد أن سأل هنا وهناك إستطاع أن يدرك غايته. قدَّم أوراق اعتماده وجلس
ينتظر. بعد أن سمع دويـّاً متتالياً لعدَّة إنفجارات قريبة من المكان الذي كان
فيه. نـُوديَ بأسمائه الثمانية:
ـ الرقم 117.
ـ نعم، حاضر.
ـ أنت مدعو لمقابلة السلطان، تفضل، لا تدعه ينتظر أكثر فإنَّ لديه ما يكفي
ويزيد من هموم الدنيا والآخرة!
ـ سأفعل.
ـ تفضل، إجلس... قرأت أوراق اعتمادك وأنا أرى أنـَّك مناسب لما نحن
بحاجة إليه. ولكن هناك بعض النقاط التي يجب الإستفسار عنها، مثلا هل
تعرف ماهو التشطير في الأدب؟
ـ نعم.
ـ قل لي إذن كيف تشطـِّر هذاين البيتين:

    ألا هُبـِّي بـِصَحْنِكِ فاصْبـِحِينا
                         ولا تـُبْقِي خـُمُورَ الأنـْدَرِينا
    مُشَعْشَعة كأنَّ الحِص فِيهَا
                         إذا مَالمـّاءُ خـَالـَطـَهَا سَخِينَا

ـ أعطِني  بعضا من الوقت...

  ألا هُبـِّي بـِثـَغـْرِكِ فاسْكِرِينا
                        ولا تــُبْقــي هُـمُـومـاً نـَائِمـيـنـا
  مُـعَلـَّقـَة كأنَّ المـَوْتَ  فـيـهـا
                        إذا مَالـْجُرْحُ صَاحَـبَهَـا سَخِينـا
                      
                    
ـ وهذاين:
     قِفا نـَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبـِيبٍ وَمَنـْزِلِ
                      بـِسَقـْطِ الـِّلوَى بين الَّخـُولِ فحَومَلِ
    فـَتـُوضِحَ فـَالـْمِقـْرَاةِ لـَمْ يَعْفُ رَسْمَهَا
                     لِمـَا نـَسَجْتـْهَا مِنْ جَنـُوبِ وَ شَمْألِ
ـ صبرا عليَّ... هذا صعب... ولكن سأحاول...

 قِفـَا نـَبـْكِ مِنْ بـَلـْوَى خـَرَابٍ لِمَنـْزِلِ
                      بـِسَفـْكِ الدِّما بَينَ العَوِيلِ وَمِنـْجَلِي
فـَتـَصْرُخُ بـِالثـَّاراتِ لـَمْ يَنـْجُ رَأسَهَا
                     لِـمَا ذبَـحَـتـْهَا مِـنْ يَـمِـيـنٍ وَشَمْـألِ


ـ رائع، هذا ما كنت أُامِّلـُه، أنت منـّا... ولكن أصبر قليلا... شَطـِّرْ لي هذا المقطع:

" الدروب في نينوى لم تعد تشاغل السواد بأخمص القصائد
  صارت تـُخبـِئ في جيبـِها موعدا اخر للغائبين
  ومن كفها يرتشف الشعراء غربتهم."


ـ لا،هذا كثيرٌ عليَّ، إنـْتـَظِرْ... أنا لستُ جاسوسا! أنا... لن أفعل هذا.
ـ يا لك من منافق!
ـ لستُ منافقاً.
ـ إذن، لِمَ فعلتها مع عمر بن كلثوم وأمرءالقيس ولا تفعلها مع هذا؟
ـ يا سيدي، هذا الذي تتحدّث عنه هو أنا!
ـ لا أصدِّقُ هذا الذي تقول.
ـ صدِّقْ أو لا تـُصَدِّق، أنا أأكِّدُ لك الذي أقول.
ـ إنَّ أوراق اعتمادك أمامي، فهل إسم القائل هو إسمكَ؟
ـ نعم.
ـ كيف يكون هذه وهو إسم غير إسمك الذي على هذه الأواق؟
ـ يا سيدي، إنَّ لي ثمانية أسماء!
ـ كيف؟ كلٌّ له إسمٌ واحدٌ فقط.
ـ لا، أنا لي ثمانية أسماء!
ـ لمَ ذلك؟
ـ لأنـِّي سأكون أحد الذين سوف يحملون عرش ربـِّهم يوم القيامة!
ـ أو لم تقم القيامة؟
ـ لا، ليس بعد.
ـ كيف، وقد احتلـُّوا أرض الرافدين وعبثوا فيها، جعلوا الطوائف تطفو والضمائر تغرق وتحط على القاع، نهبوا وسلبوا، قتلوا وشرَّدوا، سفكوا الدماء وشنقوا، أليست هذه هي القيامة؟
ـ لا! كلُّ هذا  هو من علائم القيامة!
ـ أنت دجَّال.
ـ لا، أنا القائل والفاعل!
ـ سنرى إذا كان ماتقول هو الصواب.
ـ لا، لا تضغط أو تكبس على الزر وتنادي كلابك، الأمر لا يحتاج الى كل ذلك.
أنا لن أعمل معكم وليس لي في أدبكم المستعار مكانا، سأسحب أوراق اعتمادي
واعتذر... أنا...


اليوم احمل همِّي الى معبر وهمْ
أقتنص العزف على دمي
خالعا صبري تحت مطرقة
ومناديا:
أيـُّها السخط
التئم
ثمَّ
التئم
ولا تخطئ الألم.

خرج صاحبنا حاملا أوراق اعتماده بأسرع ما يمكن قبل أن يحدث مالايحمد
عقباه، عاد الى وكره وقبل كل شيئ عرَّف نفسَه على نفسِه! ثم استقال من كل
وضائفه وأعلن عن هدر دمه في أول يوم ستقوم به القيامة.

لِتـَمش ِ، سِرْ... حتـَّى تـَنـْزُفَ قدماك، ستعرف حينها، ياسارق العوسج
والصبـَّار كيف يلتئم الجرح ولا ينتهي الألم!



" من أياد الى مروان مع اعتذاره لعدم التوفيق"
                                                   تورينو 
                                                                  24/06/12




مروان ياسين يجد نفسه في فضاءات مختلفة وصولا الى المتعة .

المسرح يجعلني اقاطع الماضي

حاوره – سامر سعيد الياس / الموصل
أسفار عديدة دونها مروان ياسين في رحلته مع الحياة حيث وجدها محطة لإعلان تمرده ، بعد تجارب مؤلمة استقاها من محطات حياتية حزينة مر بها افراد من عائلته، دعته لان يقول كلمته في هذا العالم ، فلم تكن كلمة،  بل كانت على خشبة المسرح صرخة خرقت حاجز الماضي وصالحته مع العالم ،عبر علاقة جديدية ، بينما كانت حروفه على صفحات الجرائد بمثابة بصمات تركها على رمال لم تكن متحركة ، بل بقيت راسخة بثباته راصداً للواقع الثقافي، تارة بالكاميرا ،او بالجلوس على كرسي المخرج ليحبك مشهدا ثقافيا لكن بكلمات مبدعيه من الادباء ،يرصدهم ياسين في محافلهم وعلى منابرهم، ليقولوا كلمتهم كما هو،  حيث قال ماجال في خاطره ازاء رحلته مابين المسرح والقصيدة في سياق حوارٍ تلك هي تفاصيله :
اقع
*ايهما ينبض اكثر في اعماق مروان ياسين المسرحي ام المخرج ام الشاعر ..؟
قبل كل شيىء اجد نفسي اشعر بالرضا وأنا اتنقل في خضم هذا التنوع والتوزع مابين انشعالات فنية وادبية وابدو مثل الذي يمتلك القدرة على التفكير والحديث  باكثر من لغة ، هذا الوضع المتحرك والحيوي يضعني امام حالة من الاحساس بالحرية الذاتية تمنحني اكثر من فرصة ٍ واختيار للتعبير والاكتشاف ، فأنْ تمتلك اكثر من لغة ٍمعناه انك تستطيع ان ترى ذاتك والعالم بطرق وادوات متنوعة وان لك فضاء واسع لبناء عوالم مختلفة ، رغم انني في بعض الاحيان تنتابني حالة من الضياع والتشتت نتيجة هذا التوزع الاجناسي في الانتماء والتعبير ، وهنا ينبغي المرور سريعا على سيرتي الذاتية التي كان لها الاثر الكبير بما اشرت اليه فلقد وجدت نفسي اخوض في تحولات كبيرة ، قادتني اليها معطيات خارجية هيمنت على الحياة بشكل عام خلال العقود الثلاثة الاخيرة التي مرت على المنطقة وعلى العراق تحديدا، وهذا ماشكل اطارا ومناخا عاما احاط بي ورمى بكل ثقله على كاهلي اضافة الى تجربتي الذاتية التي تحتشد فيها احداثا درامية ابطالها كانواافراد عائلتي التي انتمي اليها . فكان من الطبيعي لشاب في مقتبل العمر ان يلجأ الى المسرح حتى يستخرج كل مشاعر القهر السياسي التي تضج في داخله نتيجة للوضع الذي وجد عائلته فيه  بسبب موقفها المختلف والرافض للمنهج السياسي العام الذي كان مهيمنا على الحياة طيلة عقود الستينيات والسبيعنيات من القرن العشرين، اضافة الى  تجربة السجن المريرة التي مر بها معظم افراد العائلة بسبب عدم انخراطهم في حاضنة التدجين الفكري والسياسي الذي كان قد استوعب قطاعات واسعة من المجتمع ،  ثم جاءت فترة الحصار خلال تسعينيات القرن الماضي ، من هنا تشكلت لدي نظرة اخرى ومفهوم اخر لماينبغي ان اكون عليه بعد ان وجدتُ الحياة الانسانية ُتهانُ بطريقة بشعة ،فاأقتضى الموقف مني ان احافظ على ذاكرتي من الخَرَف والانهيار الذي بدا يترك بصماته واضحة على عقول الناس بعد ان بدأالجوع والاذلال يهتكها، لذا كان ينبغي ان تحدث مواجهة مع ذاتي ومع ماكان يجري.  فكان لابد من اللجوء الى الكتابة لمواجهة التدمير الذي بات يمتد ويزحف على الذاكرة مثلما كان يترك اثره في صور الحياة المادية ، فأنتعشت ذاكرتي بفعل الكتابة مقابل ذلك الانهيار الحاصل في الواقع الموضوعي حينها كتبت اول مجموعة شعرية لي، كما اعدت قراءة النشاط والتجارب المسرحية في مدينة الموصل خلال اكثر من نصف  قرن ،وكانت تلك القراءة ومازالت مثار لغط ورفض واستهجان شديد من قبل اجيال هرِمة ٍفي التفكير ،اعتادت على كلمات التبجيل والاعجاب المزيف ، مما جعلها تعيش وهما ًمضحكا يثير الرثاء عليها ، كان ذاك الوهم قد اوصلها الى حالة باتت فيها  تعتقد جازمة بريادتهاوانها قد انجزت تاريخا فنياً يستحق التبجيل والتعظيم ،بينما هي واقع الامر لم تترك شيئا يذكريستحق البقاء،فجاءت دراستي تلك والتي نشر بعض فصولها على صفحات جريدة الزمان بمثابة صدمة كبيرة لهم وغير متوقعة لكنها وللاسف الشديد بدلا من ان تجعلهم يستيقظون من ذاك الوهم ليتوقفوا لحظة امام انفسهم ليعيدوا النظربما قدموا  ازدادوا تعنتا وتمسكا بمنهجهم الفني المتهرئ والذي يعود في منظومته الى العصور الوسطى وهي اشد العصور انحطاطا في الوعي والتعبير الفني، المهم في هذا الامر انني فيما يتعلق بموضوع التنوع في الانتماء والانجذاب مابين المسرح والسينما والشعر اجد نفسي دائماً في فضاءات مختلفة وأنا في حالة من الاكتشاف والبحث ،وهذا بحد ذاته يجلب لي المتعة . 
*بدات مشوارك الابداعي من خشبة المسرح ،برايك ما تاثير المسرح على المكنون الابداعي  لمروان ياسين ..؟
المسرح كما اراه في تجربتي الشخصية كان  بداية القطيعة مع الماضي وتأسيس لعلاقة جديدة ومدهشة مع العالم كان فيها الكثير من الشجن والانعتاق والتارجح مابين الانا والعالم كانت انتمائي للمسرح نقطة فاصلة مابين انتمائي للواقع الملموس والواقع المتخيل ،مابين العزلة والبوح ،مابين الحقيقة العارية والحلم .  كان المسرح بمثابة توق الى العبور الى نقطة مجهولة لاأعرف اين تكمن والى اين ستؤدي بي . وماأن توغلت خطواتي شيئا فشيئا في عالم الدراما المسرحية وأنا في مقتبل العمر  بدأت بقراءة معظم النصوص الدرامية التي شكلت علامات اساسية في التطور الدرامي ابتدأً من الكتاب الاغريق ومروراً بكتاب الواقعية الاشتراكية السوفييت وصولا الى كتاب العبث واللامعقول  . هذه القراءة المبكرة للمسرح ايقظت في ذاتي مساحة واسعة من اليقظة في  كيفية تلمس واكتشاف الجانب الدرامي في صور الحياة ومظاهرها وكيفية التعبير عنها فانثالت الاسئلة المقلقة والمحيرة منذ اللحظة التي ارتبطت فيها بالمسرح . لذا حققت هذه العلاقة تحولا في الوعي والقدرة على رؤية الذات والعالم اضافة الى ان المحاكاة في المسرح كما يراها ارسطو ليست استنساخا بل خلقاً جديد للعالم المستعاد ، فاأنت  عندما تواصل التمرين المسرحي لعدة شهور معناه انك ستمر كل يوم اثناء التمرين بتحولات واكتشافات جديدة لان الممثل لايحاكي صفات الشخصية التي يمثلها كما يفترض ان تكون في الحياة الطبيعية انما يسعى بكل جهده من اجل محاكاة الفعل وهنا يكون للخيال والتخييل الدور الاساس في هذه العملية الانتاجية للفعل المسرحي ، لاننا خلال التمرين المسرحي نتوصل الى صور متعددة للشخصية وهذا يعني تمرينا عمليا في التفكيروالانصهار بحرية واسعة مع التنامي والتقابل والانشطار عن الذات ضمن منهج يعتمد الانزياح في الوصول القيم الجمالية في التعبير والبناء ولك ذلك يأتي في  اطار ديموقراطي نموذجي بين افراد المجموعة العاملة  لاتجده في اي نظام سياسي .  فليس اجمل من ان تعيش الحرية في التفكير والتعبير والخلق داخل المشغل المسرحي الذي يبقي الذهن والمخيلة في حالة من اليقظة والتوتر والانتاج ، وليس امرا غريبا ان يبقى الفن المسرحي قائما وصامدا حتى هذه اللحظة رغم مرور الاف السنين على ظهوره رغم المتغيرات التي حصلت وتحصل الان على مستوى التقنيات في السينما والتلفزيون وهذا يعود كما قلت الى ان المسرح يقدس الحرية ولايمكن ان يعاد العرض المسرحي في اليوم التالي بنفس ماعرض في اليوم السابق ففي كل يوم وفي كل عرض هنالك تغيير وتجديد ، وهذا مالاتقوى السينما وبقية الفنون على الاتيان به ومجاراته .
*بدات قصائدك في الاونة الاخيرة ترتدي ثوب التوثيق والارخنة  فلكل مناسبة اوذكرى صدى في نزيف الروح لدى مروان ياسين ،برايك ما مدى حضور المناسبة ورد فعلها في انتاج قصيدة..؟
انا لاأستطيع ان اكون بمعزل عن الحياة بمعناها الواسع وهي في حالة من الصيرورة ، والشعر بطبيعته لايتعامل مع ماهو ظاهر وعابر ، الشعر تجربة ونشاط معرفي وروحي يسعى لاعادة اكتشاف الذات والاشياء مرة اخرى للوصول الى الجوهر، الى قيم انسانية وجمالية جديدة ، وهذا يأتي من خلال اعادة الفحص والقراءة للوقائع والثوابت من جديد بعيدا عن هيمنة القيم المطلقة والثابتة التي تحكم الواقع بكل التباساته الاخلاقية وموروثاته ، بلاشك اي نظام سياسي واجتماعي لابد ان يقوم وينهض مستندا على اسس فلسفية يمررها من خلال الممارسات والاساليب والوقائع التي يحدثها في الواقع ، والشعر في واحدة من  مهماته الجمالية يسعى لتفكيك هذه الفلسفة ودحضها عبر رصده للصور والتجارب المعاشة والمتخيلة  في اللحظة الشعرية ، وله في ذلك اليات فنية تنهض من خلال المخيلة الشعرية التي تنتج تداعياتها الصورية . انا اجد ان النص الشعري العربي له خصوصيته التي  تجعله بمكانة خاصة  إذا ماقورن مع النص الشعري الذي يكتب في اوربا او في اميركا ، قد نجد له مشتركات كثيرة مع الشعر الذي يكتب في اسيا وافريقيا واميركا اللاتينية فمابيننا توجد قواسم مشتركة وزعتها علينا انظمة سياسية قمعية بتسميات مختلفة انتجت مجتمعات تتشابه في البؤس والتخلف ، اذن نصنا الشعري  نص ينتمي  الى بيئته التراجيدية رغم التطور الذي طرأ على بنائه الفني الذي  جعله منقطعا الى حد كبير مع كل الموروث الشعري الذي يمتد الى اكثر من الف وخمسمائة عام لكن التجربة الشعرية بقيت تعكس وعي الشاعر واسئلته وموقفه من الحياة بكل مستوياتها من خلال نسق فني خضع الى تغييرات كبيرة وفقا لمفاهيم مختلفة تسعى لاقتناص اللحظة الشعرية كما يسميها فوزي كريم  والنسق الفني الذي اطرح من خلاله قلقي وهواجسي يتوزع مابين قصيدة النثر  والنص المفتوح الذي اجدني انساق اليه اكثر من اي شكل اخر ومن خلاله  استدرج اليه اجناسا تعبيرية مختلفة انحتها داخل تجربتي لتكون ضمن السياق الفني العام، واذا كانت الفلسفة قد انقطعت علاقتها مع الاساطير التي شكلت اسئلتها الاولى فإن النص الشعري المفتوح اعاد اكتشاف هذه العلاقة مع الاسطورة من جديد عندما اسطر الواقع والوقائع التي يعج بها وانا هنا لاأكتب عن مناسبات عابرة كما  يكتب شعراء القصيدة العمودية انما احاول ان اكتشف الكليات التي تختفي وراء تفاصيل الاحداث اليومية التي تمر بي ومن حولي ، بحرية اسلوبية يتداخل فيها الغنائي والدرامي والملحمي .
*مادمنا في فلك القصيدة فهل لقصيدتك بيئة معينة تسعى لان تعيش خلالها اجواء المخاض والولادة ..؟
بما أن مانكتبه من نصوص نثرية معبأة بطاقة الشعر وجنوحه وخيالاته وصوره دون ان نستند الى العروض والقوافي ولم نتعكز على قواعد بلاغية توارثناها لعشرات السنين كالكناية والاستعارة الخ من المفاهيم التقليدية في الشعر الكلاسيكي فهذا معناه اننا نتحرك في بيئة اخرى جمالية جديدة نقطع فيها صلتنا مع الماضي الى الحد الذي ليس بالامكان ان نلتفت الى الوراء او ان نصغي لاصوات تنادي علينا ان نتريث حتى نحملها على اكتافنا. ان الشاعر المعاصر الان يسير في بيئة ليس من السهولة  السير فيها طالما فيها الكثير من المفاجأت التي قد تأتي بها ، فكل نص شعري ماهو الاّ تجربة قائمة بذاتها لاتسعى الى لاعادة انتاج نموذج سابق،  قد نجد بعض المشتركات هنا او هناك لكنها تأتي عرضا وليس قصدا مركزيا في سياق التجربة الذي يميل الى القطيعة مع ماسبق والتأسيس لشيء جديد مغايروالانفتاح الشعري على كل اساليب السرد . وبيئة النص الذي نكتبه ونتحرك في فضائه ليست واضحة المعالم والحدود أويمكن تتبعها من نقطة البدء الى نقطة الختام . فليس هنالك من نقطة بدء ولا نقطة ختام ، ولايمكن التكهن بمسار القول وماسيدرج فيه من صور ودلالات ، وهنالك الكثير من التداخل والتقاطع والانعطافات الحادة التي تصدم المتلقي وهو يقرأ النص بعينيه ويجد نفسه وسط بحر متلاطم من المفردات والصورالمزدحمة المتنافرة والمتداخلة ، مشكلة عالما شعريا مركبا وغامضا حتى في اشاراته التي تبدو مباشرة . وهذه البيئة التي يخلقها الشاعر في نصه تستدعي ان يكون الشاعر في قلب الفلسفة المعاصرة بكل اسئلتها المحيرة لتستحيل بمخيلة الشاعر الى طاقة شعرية .
*البرنامج الذي يحمل عنوان(المشهد الثقافي ) والذي يبث على قناة عشتار يوفر لك رؤية واسعة عن مديات الثقافة العراقية ، فمالذي استنبطته من معطيات ازاء واقعية المشهد الثقافي ؟
على المستوى العام المشهد الثقافي العراقي مرتبط بمايجري من تحولات في الواقع ومايجري فيه يشير في مجمله الى صورة هزيلة من الانغلاق والتردي والانحطاط في جوهر وشكل الخطاب الفكري العام للواقع الذي يبدو واضحا انه قد اصيب بكل امراض وعوامل الهزيمة الفكرية التي كانت قد ابتدأت منذ اكثر من نصف قرن بعد ان تجاهل المجتمع العربي اشارات النهضة التي كانت قد بدأت مع نهاية القرن التاسع عشر التي تحملها رواد النهضة العربية .وظلت عوامل الهزيمة تواصل تفاعلاته منذ النصف الثاني للقرن العشرين ولايوجد اية إشارة حتى هذه اللحظة  لتجاوز هذا الانحدار في الوعي العام . فصور الانغلاق مازالت  تمتد وتولد وتتكاثر في كل الاتجاهات وتكتسب صفة القداسة والتبجيل لكل مالايستحق التقديس والتبجيل وفي مجمله يكرس الماضي ويدور حوله بشكل يثير الرعب والريبة فيما ستؤول اليه الاوضاع الانسانية . فهل من المعقول ان نصل  الى ماوصلنا اليه من تقديس لبشر وطقوس تلغي وتعدم فرصة التفكير عند الفرد وتضعه في مسار القطيع  في دوامة من التخدير والتأنيب والتعذيب لنفسه عقوبة ًعلى ذنوب واخطاء لم يرتكبها ؟ وبما أن المثقف يخوض عملية جدلية في التواصل مع المحيط ماضيا وحاضرا ومستقبلا لذا امست الثقافة العراقية امام اشكالية كبيرة قائمة على الانقطاع لان مايمتلكه المثقف من رؤية نافذة وواسعة لشمولية الحياة تتقاطع مع ضيق الرؤية والاهداف لدى بقية القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة والمحركة للواقع بل ان الصراع بين الاثنين بات شرسا خصوصا مع الاطراف التي تقف في  الضفة الاخرى المواجهة للمثقف وهي لم تعد تخفي خطابها الذي يستهين ويحتقر الفعل الثقافي بكل اشكاله وتعبيراته . ودليلنا على مانقول مانشهده هذه الايام من صور تثير تساؤلات مخيفة سواء في مصر او تونس او غيرها من البلدان عما آل اليه الربيع العربي الذي انتظرناه طويلاً والمسار المُقلق  الذي وصل اليه بعدما قفزت الحركات السياسية الدينية المتطرفة الى الواجهة لتستلم  دفة القيادة .  
*لديك مشاركات في مهرجانات ومسابقات ثقافية وقد زخرت سيرتك بالعديد من الجوائز والشهادات التكريمية ،ماالذي تمنحه تلك الجوائز للمثقف  وهل هي فرصة لالتقاط الانفاس نحو خطوة اخرى توازي السابقة ام مرحلة للتامل فيما مضى..؟
هنالك جوائزبعينها  تستحق ان يسعى اليها المبدع،بعدما توفرفيها جملة من الشروط تضعها في مكانة عالية يتشرف الشاعر او الاديب ان يكون بين الساعين لنيلها مثلا جائزة نوبل ، فالكل في داخله يتمنى ان تصل اليه رغم كل الاقاويل التي يمكن أن تقال هنا وهناك عنها . والمهم هنا ان لايكون سعي المبدع الاول والاخير هو الحصول على جائزة . انا عن نفسي اعترف على تواضع تجربتي بالقياس الى اخرين لم اكن اتوقع مطلقا ان انال جائزة ادبية لانني كنت اشعر ومازلت بأنني لم اقدم شيئا مميزا ومتفردا يستحق جائزة  في اطار الشعر بالقياس الى اخرين  . ذلك لانني اجد ان الساحة تحتشد بالعديد من الاسماء الكبيرة التي اقف امامها منحنيا بكلل احترام وتقدير ، وكثير منهم  لم ينل جائزة ادبية في مسيرته ، فهل هذا ينتقص من مكانته وتجربته ؟ بلاشك هو يبقى كبيرا وشامخا رغم ابتعاده وابتعاد الجوائز عنه . ومعلوم ان هنالك حسابات كثيرة لاعلاقة لها بقيمة المنتوج الادبي تؤخذ بنظر الاعتبار في عملية التقييم من قبل اللجان المشرفة على التقييم في معظم الجوائز.وقد تكون حسابات سياسية في غالب الاحيان ، يمكن هنا ان نورد  بعضاً من الاسماء الكبيرة التي لم تحظى بجائزة  منهم : الشاعرالعراقي ابن مدينة الموصل رعد فاضل فهذا الصوت الشعري بتقديري وتقديرالعديد من الاسماءالنقدية الكبيرة من اهم الشعراء العراقيين الذين جاءوا مع مطلع سبيعينيات القرن الماضي ومازال مستمرا في الكتابة الشعرية ،ايضا شاكر سيفو وكرم الاعرجي وزهير البردى ومحمد صابر عبيد . اضافة الى ذلك ان الحصول على جائزة لابد أن  يضعك في واجهة المشهد لتكون تحت مرصد الاخرين نقادا وادباءً ينتظرون منك ان تقدم شيئا جديدا دائما تؤكد فيه استحقاقك للجائزة .ايضا يضعك في مواجهة شديدة مع نفسك حتى تتفوق على قدراتك بالطريقة التي لاتكررفيها تجاربك السابقة رغم تفوقها . فالجائزة اذن رغم طعم التفوق والنجاح الذي تمنحك اياه لكنها ترمي بثقل المسؤولية عليك  .
*ابداعك ينتشر في مجالات عدة فما بين الصحافة وحواراتك مع الادباء وتحليلاتك التي ترتدي في احيان كثيرة تناول الشان العام وفي الجانب الاخر يبرز مروان الشاعر والناقد المسرحي فهل هنالك مجال للتواصل ما بين تلك المحطات ؟
انا هكذا ولاأستطيع الاّ ان اكون بهذا الشكل ، ولانني اعيش في قلب المهزلة لذا لم يكن  بأمكاني ان اتفادها ، ولابد من اليقظة والحذر في  مثل هذه المواجهة ، والتعبير عنها باشكال تعبيرية متنوعة وفقا لما يفرضه عليك منطق الصراع الغير متكافىء وماتفرضه عليك طبيعة المعركة  وماتريد ان  تقوله ، ومحدوية وخطورة عقل  الطرف الاخر المتطرف الذي تخاطبه . كل هذا اضعه في اعتباراتي وانأ اتحمل مسؤوليتي كمثقف . . فأنا عندما اوجه خطابي الى طبقة السياسين اولئك الذين يملكون زمام الامور، وبيدهم يمسكون عصا السلطة التي  تحرك الاوضاع وتوجهها وفقا لما تشتهي مصالحهم الضيقة ، الجأ الى المقالة والتحليل السياسي الذي اجده يتناسب تماماً مع سطحية وضحالة المستوى الثقافي الذي يحيط بعقول هولاء الساسة عموما ، ولوتوفرت الفرصة لك وسألتهم  مثلا عن جاك دريدا  أوعلي بدر أو او سعدي يوسف أوغائب طعمة فرمان او سان جون بيرس أو عدنان الصائغ لما عرفوا الاجابة . لذلك من الخطأ وانت في مواجهة مع الاغبياء ان تلجأ الى لغة لايستوعبونها مثل اللغة التي تتواجد  في الشعر او الرواية او القصة عندها ستبدو انت امامهم احمقا ومجنونا مهما كان خطابك راقيا وساميا ومتفردا وحداثويا . لذا عليك ان تخاطبهم بلغتهم وأدواتهم وانت تسعى لايصال ماتريد قوله لهم في الوقت المناسب والمكان المناسب واللغة المناسبة .
*انطلقت من مدينة الموصل والان بحكم عملك فانت قريب من مشهد ثقافي اخر مكتنز بالكثير من الاسماء فما هو الرابط بين عالمي  محطة الخطوة الاولى  ومحطة العمل والترقب ؟
انا  هنا في هذا المكان والزمان البعيد عن الخطوة الاولى اشعر بخليط متناقض من المشاعر لكنني في العموم اشعر بالسعادة والامتنان لانني هنا . فلقد وفر لي الابتعاد عن مدينتي رؤيتها بشكل واضح بكل تفاصليها ، بجمالها الباذخ وعيوبها القاتلة ولولا هذه الفرصة لما استطعت ان اتحرر من عبئها واخطائها ومن ثم لاكتشافها من جديد وكأنني لم اعرفها ولم أعش ابدا فيها  ، كان الرحيل عنها ضروريا بعد ان امسكت بها مخالب الخوف والتخوين والترهيب ولم يعد بأمكانك ان تتمتع بلحظة من الحرية في التفكير والقول سواء كنت تنظر الى الماضي او تفكر في المستقبل ، في هكذا حال من الطبيعي أن تموت كلمة الحرية على شفاهنا قبل ان نتلفظ بها فما معنى ان تبقى سجينا ومعتقلا بمحظ اختيارك طالما  ان الفرصة متاحة امامك للخروج من المعتقل ؟
مامعنى ان تبقى صامتا ولاتقوى على الاشارة باصبعك على موطن الجرح ؟
مامعنى ان يحيط بك الكذب والكذابون اينما كنت رغم صور الهزيمة والخراب التي تحيط بك ولاتقوى على ان تقول شيئا من  الحقيقة ؟ إنَّ أنا الشاعر والفنان هاجسها التمرد ورفض الواقع بشكل دائم لان ذاته تحلم دائما بالغد وهي متواشجة بما فيها من قلق وافكار وتساؤلات مع عالم اخر متخيل .
*اسماء كثيرة كنت على تماس مباشر معها في خطوة الالف ميل ،وبعد هذه المحطات لمن توجه يد العرفان ..؟
انا مدين لاسماء كثيرة كان لها فضل التأثير على ذاتي الانسانية او شخصيتي الفنية سواء بشكل مباشر او غير مباشر . فهنالك اسماء لم التقي بها وكانت سببا ودافعا في بناء شخصيتي مثل العديد من الادباء والشعراء والفلاسفة الذين قرأت لهم، وهناك اسماء كانت قريبة جدا مني ورافقتني في محطات مهمة من حياتي ، مثلاً جدتي لأمي التي تعلمت منها معنى الكفاح والاعتماد على النفس وخالي الذي عدم عام 93 بسبب نشاطه السياسي المعارض والذي كان قد ايقظ في داخلي معنى الدفاع عن المبادىء حتى لو كان الموت هو الثمن . والمخرج شفاء العمري الذي من خلاله  ادركت معنى ان يكون الفنان مفكرا وحيويا في تفكيره وهو يقرأ العالم من خلال العمل الفني الذي يقدمه  .
*تتخذ القصيدة لديك طابعا مباشرا حينما تلتقي فيها ببؤساء وسياسيين فهل توجه دفة القصيدة الى القاريءدون منعطفات ؟
على المستوى الفني وضعتنا تراجيدية الحياة العراقية امام خيارات صعبة وقاسية فرضت علينا ان نقذف بانفسنا في بركة السياسة الاسنة رغماً عنّا لنسبح فيها دون ارادتنا بعد ان وجدنا مياهها القذرة تحيطنا بناوتحاول اغراقنا فلم يكن امامنا من  سبيل سوى أن نواجهها . لذا بعض القصائد التي اكتبها تجدها   تنعطف الى تناول ماهو يومي  ، وهذا يأتي عندما اكون مصاباً احياناً بحالة قاتمة من اليأس والاحباط نتيجة ماأرى من صور استهتار بحياة وكرامة الفرد رغم الحرمان الذي عاشه لعقود طويلة .ونتيجة لهذه الاوضاع  ترتسم في مخيلتي صور مخيفة عن الغد الذي سيمر على الاجيال اللاحقة والتي ستدفع هي الاخرى ثمناً باهظا من اعمارها واحلامها مثلما نحن دفعنا ،عندها لاأستطيع أن امنع نفسي من كتابة نص  تتسلل اليه تفاصيل كثيفة من الحياة اليومية لكنها لن تبقى في اطار صورتها المباشرة الفوتوغرافية التي اتلقاها في الوهلة الاولى انما اعيد انتاجها في مشغلي الشعري ولتأخذ بها مخيلتي الشعرية الى حدودها المطلقة والكونية ، لانني بكتابتي لها اوسس لعلاقة جدلية مابين الانا والذات ، الخاص والعام وبقدر ماأقترب من هذا اليومي فاأنا بنفس الوقت اسعى لافلات منه الى ماهو قرب الى التجريد الى ماهو متخيل رغم انني اريد ان اخاطب بهذه النصوص تحديدا عموم الناس وليس النخبة التي تربطني معها لغة اخرى وخطاب اخر .

                                  

شعرية السّيَري الذاتي الحكائي
في( سماء الخوف السابعة)*

الشاعر وحيدا بين التواءات السؤال . 
   قراءة: شاكر مجيد سيفو
 لم
 تعد الكتابة الشعرية الجديدة منوطة بالإيصال في قنواتها اللغوية المباشرة بقدر اشتغالها على الخيال الذي يتسلح به الشاعر... في دخولنا الأولي لنصوص مجموعة "سماء الخوف السابعة" للشاعر مروان ياسين، نقف عند عتبة الهاجس الوجودي.. أذ يبدأ النص في تشكلّه الأولي من لحظة شعرية  مقترنة بالتقرير اللفظي - ليست مفاجأة – في نصه " أحداق القبرات" إلى أن يصل بنا المقام الشعري في صورته اليائسة، وانقطاع التمنيات بالأسئلة العالقة في استهلال الجملة الشعرية، بالعودة إلى المكان الأول، والإعلان عن الهاجس الطقسي الذي يرى في مسار الحياة الشخصية انكساراته ((وحيد بين أهداب الشوارع/ والتوءات السؤال/ هل سأتقن العودة إلى نينوى؟ "إلى الصياحات المنحنية على أكفنّا؟)) يقع معامل الأنزياح على هذه الصورة الشعرية في إشعاعها الشعري بقوة التخييل، ثم تتمظهرالصورة في ثنائية الأكتمال بالتشارك الحي على التلميح البرقي للتدليل على مشهدية الكارثة العراقية اليومية، إلى أن يصل الشاعر في مقولاته الشعرية "الطريق أضناه الدم خلف الجهات الشاحبة، وأحداق القبرات مستباحة بالرجم/ والغبش منقطع عن زرقة الطرقات إلى بغداد..." يتوسم الشاعر في ثنائية الفعل الشعري بشحنة لكهربة الملفوظات لجهازه اللغوي، حتى تكتمل صياغة الجملة الشعرية التي تتدفق في سيل من الإيحاءات والإشارات، فالنص عنده كتلة شعرية ملتهبة في العديد من مفاصله، ومفارقة فاصلة، منكسرة .. في أخرى، فالمفارقة تستعيد شعرية الملفوظة في تأصيل معامل الأنزياح، مثلا هذه الصورة الرائعة في بنيتها اللسانية ((خيانة تصطحب الصمت/ إلى بياض الورقة/ بينما الأقنعة تشعل الحرائق بدمي/ وفي يدي الأقمار/ مغلولا بحزني/ استدرج النهار حتى نافذتي/ وظلال الحكاية تخدع الطريق إلى ندائي....ص4)) تقترن كتابة النص الشعري المعاصر في تجربة – سماء الحزن السابعة – بأواليات الاشتغال الذاكراتي حيث تفاقم الصراع الإنساني في صورته الكونية، هذا الصراع الكوني يتمشهد اسطوريا في مخيلة الشاعر ويظل هاجسه الأبدي، مكونا معادلته الثنائية التي يوسمها غاستون باشلار بثنائية "يقظة الموت ويقظة الحياة"  أذ ترشح انساق هذه المعادلة في نص الشاعر ((ايها السخط... التئم، ثم التئم)) يقول مروان {مَنْ أبقى ترابا على هيبتهِ؟/ ومَنْ أطلق الموت على سحابةٍ من ذهبْ؟} إنّ ما تدخره المعادلة هذه قد لا يحتاج إلى تأويل، فالمركب اللفظي في صيغته التساؤلية يوحي بالثنائية الضدية، في قيامة إشكالية السؤال الفلسفي للصورة ومكوناتها وعلاماتها الاشارية (الموت × الذهب) وتبدّت الحكاية في منطوقها في إرسالية النص ولعبة الصياغة في شحن الملفوظة بشعرية الفراغ والتجاور مع منطوق السير حكائي الشخصي وترى قراءتنا إلى ما يتمم السؤال الجوهري في "ألقمتني طعناتها الأساطير، وتهشمت قبضتي على حيطان الكتابة/ هذي نوافذنا/ أمست معابر لليوم ورغيفنا لم تفرد له النار كفّيها...ص9" تجلو نصوص الشاعر مروان ياسين ما تراه العين من المشهدية الكارثية العراقية اليومية والتاريخية وهو العارف بأسرار الشعر وخزائنه الذاكراتية في مجمل ما تشي من أحلام ووشائج مع الأخر الذي يتجسد في الروح العراقية ورموزها الخالدة في استغوار النص لجدلية الحب والحرب، هذه الصلة التي تتعمق في مشغل الشاعر وتكبر إلى أن تصل إلى مرحلة المحنة الكلية، الجمعية حتى  يصل الى  سرد الآم الإنسان والأرض والشجر والمطر، وتعرّية سيركات الاحتلال: ((هاهي أصابع الصحراء/ علقت فينا ظلالها الناقصة/ وجاءت بحوقة الرعاة/ ليخصّوا محنتنا/ ثم وشحوا الناطحات بتراب مهرَّبٍ من جرح الرافدين...ص15)) يستخلص الشاعر كل  كارثي دفين من مركباته اللفظية ليصل بالحال الشعري إلى لبوسات دلالية تهندس هيكلية نصوصه بقدراته الرؤيؤية  واشتغالا ته البصرية التي هي اصلاً من كشوفات متحفه الصوري والسينمي، فالعلاقة المشتركة بين الفنون هي نتاج تاريخ الشعر والنص والفن والفكر والجمال، هي النشاط الجمالي الأبستيمي الأول للإنسان، والشاعر هو هذا الإنسان المتمرد على كل ساكن ومألوف، على الزمان والمكان في شطحاته الفلسفية والصوفية معاً.
        إنّ الذات الشاعرة الخلاقة تحفظ ما هو سيري كوني ونوستاليجي معاً، حين يذهب الشاعر بالقصيدة أو بكل عالمه الشعري إلى خوض صراعه مع العالم وتواصله مع الأخر في خضم هذه المعادلة الصعبة فالأنا أحيانا تتماهى في الـ ((نحن  ))وترى الأنا في مجابهتها وصراعها مع العالم، صراع الوجود الذي هو الشعر بحقيقته، حسب - هايدجر – في كلامه عن الشعر والوجود، والشعر الصوت، هو صوت الوجود حين تصرّح به ملفوظات الشاعر بكل جرأة: ((كانت الوقوعات تنهمر على مهجةِ غيوم/ تمشِّطُ فطنتها بلون الغسق/ وتشير لها أن تطهو حليب اليورانيوم حين يجوع القادة في حضرة الطابور/ وهم يبتكرون الشَّغب/ لاستلام رواتب هزيمتهم... ص18 سماء الخوف السابعة)) يتجسد هنا عرض الصورة الكارثية في ما يشبه الإعلان والإخبار والتقرير والتصريح، بقصّ شعري إذ يبدأ بفعل القص والحكي ""كانت" وما .. من إرسالية نصية بكل أشكال الخرافة والعنف والغضب، يستعين الشاعر من المشهد الوقائعي ما يسود في التاريخ المعاصر من كارثية تتمظهر في تأزم وانكسار واندحار المشهد السياسي والاجتماعي للبلاد وإنسانها النبيل، ويتنقل الخطاب من حالة إلى أخرى وفي نهاية كل حالة يتجسد المعادل الموضوعي ((سار الغرباء بماضيهم المؤثث بالدخان على أجنحة الطرق المضيئة بأسمائنا/ وافتتحوا الزحف بأمنيات قذائفهم/ حتى وصلوا سماء الخوف السابعة/ وجرّوها على الإسفلت مأهولة بدمعنا/ هانحن من جديد/ سنعيد ترتيب كؤوس انتظارنا/ ننفخ التراب بخيولٍ/ ترقب اللصوص وهم يخترعون توباتهم... ص20)).
        تتكرر تضاعيف الحكاية الكبيرة، في تراتبية النصوص   في الأشتغال على مدارات المتن النصي وتشظّي دلالاته، فالمتون الحكائية تكاد تقترب من المفصل السير ذاتي، هذا التجنيس النصي الذي اجترحته أقلام شعرية وقصصية حداثوية أنتجت متوناً أدبية جمالية عالية في عالم الكتابة الأدبية الجديدة، والشاعر مروان ياسين دخل هذا المشغل الحيّ ليحكي ويقص مروياته الشخصية، فبنية العنونة لنصوصه وتصديرات الاهداءات تشي وتوحي كليا بانفتاح النص على بنية القص الشعري، السيري الشخصي واستدعاء الأخر وبثّه الحياتي الحكائي داخل مساحة المتن النصي واتساع مدياته وتعالقات رموزه وأشيائه وحتى أيقوناته الحياتية التي تدخل في صياغة خطابه الشعري ((يأتي الأهتمام الشديد والعناية القصوى الجمالية بالعنونات من اجتراحات التركيب اللفظي الجمالي في بنيته المنزاحة، مثلا "المُهمَل ــــ سهواً أو عمداً" ثم يلحقه بتصدير الإهداء إلى/ شهداء حي الزنجيلي الفقراء/ ويستهل النص بالتركيب اللفظي من الجار والمجرور ليبثّ خبراً، وهو فعلاً خبر مقدم)).
        يقول النص من الأستهلال: ((من بيوت/ كانت تحيا على كف انتظار/ من أسطورة اسمها نينوى/ كان الفجر منها يجيء/ هي ألان جرح وراية للذهول تحت الرماد...ص26)) تترسخ منظومة الحكايات في تجذر بنية المكان وحكاياتها ورموزها، فمشهدية المكان هنا تتمظهر في بنيات القول الشعري، والأطروحة الشعرية المتحققة في مديات الفضاء الشعري الذي يمتد في منظومة من التشكيلات البصرية، ويتحرك النص من بؤرة المعنى الكلي ليمتد في تشظيّه إلى حلقات دائرية تكاد تشكل بؤراً لحادثة النص الكلية ومشهدية المكان وتعالقات رموزه وحكاياهم: ((مشينا على الأقدام إلى قاعة الربيع... لكتب في شارع النجفي، رخيصة تباع على الرصيف/ لأفلام رصينة تعرض في سينما غرناطة/ للزحمة في سوق العطارين/ لأكلة الفلافل من بدر السوري/ والتسكع ليلاً في الدواسة/ أنا و بولص ادم وهو يعود مساءً كالأبطال الرومان من المقلع إلى اقرب حانة...ص29)) يرسم الشاعر صورة فوتو شعرية زائداً فوتو مكانية لنصهِ الشعري إذ يحشد فيه كل ماتختزنه الذاكرة من أفعال يومية وأسماء أدبية وفنية تدخل إلى مشغله الشعري في بصيرة ثاقبة، بهذا التأزم النفسي والوجداني، والقلق والوجع واللوعة والصدق في تنوير الحادثة الشعرية وانثيالات الذات الشاعرة الساردة، فالصياغة الكلية لهذا النص والذي يليه – أنا.. غائب عنّي – ينتظمان تحت سقف كتابة الألم، بألم الروح الشعري وسقف السير ذاتي الحكائي الشخصي: هذا نص الوثيقة، نص التاريخ الشخصي المجروح في تاريخه، وتاريخ البلاد "بلاد عودتنا أن تسحل ملوكها وتربي الذئاب في ثكناتها/ لا دمع سيذرف على قبرها/ لا ورد سيحمل إلى نياشينها/ لا أحد سيلتفت إليها/ لا احد سيمشي خلف جنازتها/ أما بالنسبة لي فسأعلن الحداد على طريقتي/ أولا سأطفئ الستلايت/ ثانيا، سأرتشف قدحاً من الشاي وأنا اقرأ رواية لغارسيا ماركيز/ مستمتعاً بظل شجرة برتقال زرعتها بنفسي في حديقة الدار...."
*سماء الخوف السابعة :مجموعة شعرية صدرت عن السلسة الادبية لمديرية النشاط المدرسي لتربية نينوى عام 2010 ،ثم صدرت بطبعة ثانية عن دار الينابيع في دمشق 2011 .
*فازت بجائزة ناجي نعمان الادبية لعام 2010 
* نشرت في صحيفة الزمان في 3اب 2011
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


منطقية العلاقة وتنازعات الانتماء في متن القصيدة
الشاعر علي جناح الثور المدمي             
 

    

                                                                    بقلم : رحاب الصائغ

لكل تقمص هوية وهوية الانتماء لا تكتب بدون زلزلة واستبصار بعيد له مؤهلاته، ومواجهة المواقف الصعبة تخلق حب منتصر لقيم ثابتة وعرك مفاهيم تزيد من العطاء، كطاحونة لا تكف عن الدوران. وللشاعر جزء من هذا العطاء المستمر عند الانسان، يسقط كشمس دافئة في نفس الشاعر واشعة تعمل علي حرق الحزن واضفاء روح الالفة والاحساس بالقوة، الشاعر مروان ياسين الدليمي وقصيدته (جناح الثور المدمي) اخرجتني من مأزق العلة والمعلول، حيث وجدت فيها ثورة من الغضب تفجرت عباراتها بطاقة جامحة في خانات فكره المتوقد ولما يحدث ويُري ويسمع، بمهارة وتركيز مشبع بالحزن كتب قصيدته بتشابك منفتح، جسد المعني بالانتماء الابيض في قلبه المحشو بالالم، الشاعر موصلي ويحب كل ما يتعلق بمدينته من ارث ثقافي وعرق اجتماعي وتاريخ مطرز بخيوط لها سحر القمر والنجوم، حين اوسم القصيدة بعنوان (جناح الثور المدمي) يدرك ابعاد هذه التسمية والعنونة، بذكاء مبدع يحمل نظرة ثاقبة لواقع مؤلم وماضي منير وحاضر مازال يكن له النظارة في نفسه، كتب تلك القصيدة وادخلها مفاصل الزمكانية وصباحات الالق، حيث يقول:
علي رؤوس اصابعي
ساعلق اشرعة الربية
واعبث بكل الخرائط المختلة
اضرمها ببراءتي
وامسح بها جناح الثور المدمي
تحت احذية الافاقين
كلما اراد النسيان.. بعرباته المترفة بالTNT

ان يطوي مقام الصبا
في الموال المتكسر بين اضلاعي
الشاعر مروان في محراب الحب الذي يكنه لمدينته يتسامي بعشق لها وهو يحدق فيما تعيش من الم واسي، جاءت قصيدته من صميم احساسه ومعاناة المدينة اليومية التي كان لها اشكالها الجميلة، وكيف هي الان بعد الذ حصل وما تمر به، حيث يقول:
الي متي ارتق الهموم.. بالضفاف
رغم وقاحة المنشدين
وهم يرسمون اوهامنا.. بدمنا؟
يضيء الشموع في قلب الليل حين نام كل المتعبون، ويتسلق اللحظات الخاطفة وتنوع الصراع، مؤكداً همه الذي اعتمد التجربة بعمق متناسق ونضج يؤطره الوعي الجمالي المتعلق بعمق الحياة والتحام حسه بشفافية فاستجابت لرؤياه القصيدة مطاعة بكل الجمال المتناسق في منارة الحدباء، وسيل عذابات المدينة، ولما يحمل من غصة كئيبة تسري في عروق نفسه ومشاعره، منح مضمونه صفة الابداع والخلق الجمالي، اذ يقول:
ما زالت الاسلحة تدور
ويندفع التبغ.. الي اوجاعنامقترحا عليها.. تعاويذ الالخدر
في الحادي عشر من نيسان من السنة الثالثة بعد الالفين هكذا اظن:
........ ولما.. اوصدت..باب غرفتي.. خلفي
ترنحت المخاوف
علي جفني... وانا اقطع الزقاق.. بالادعية
بتصالب مؤتلف لملم اطراف همومه التي تجاوزت حدود المدينة، يرتق من دائرة التعسف ناعتا تلك التبعية وكابوسها المقلوب نحو الاسفل، الشاعر مروان حين اعتمد مفردة جناح الثور حمل رمزه للثور المجنخ الذي يؤكد فيه اصالة الموصل، ولمح لنينوي وما كان لها من حضار ةسبق زمن غيرها في التقدم والابداع وما تركته من ارث تاريخي،لا يمكن لآيا ًكان ان يمحي آثاره، بسطوره مهد لشيء آخر تلك الهجمة الغاشمة من قبل المحتل، وهي من ادخل الحيرة والتهلكة في الي زمننا ومدننا، حيث يقول:
ها انا ذا :-
.. اجهز علي ما تبقي من السكائر.
بعد ان شكلني الفزع.. علي هواه
ومضي بي.. الي ساعات
كفنت بها سير تمردي
اقلب الصفحات
اتجول في العناوين... وانا لا اصدق! ....
بعد عام صحوت
قالت زوجتي:
لا تغويك عتبة الدار
فالمكائد.. ما زالت تجر المدينة.. من بكارتها
وتدفع.. من بساط الي آخر.
كشاعر يعرف لماذا يهمش كل شيء في بلده المحاصر والمحتل، حتي تكاد ازمنة الاخرون تسحق كل ما هو معنيّ بالحياة، هم الغزاة والقتلة وغربان الفاجعة، صعاليك هذا الزمان بحرابهم السوداء يتقاطرون دون خجل باسماء خشنة وواهية يرمزون لوجودهم الميت وعالمهم المفقود، بانهم حملة شعلة الخيار الداخن، يقحمون سقمهم في عالمنا واثاث حياتنا الوادعة، حيث يقول:
ها هي اصابع الصحراء
علقت فينا ظلالها الناقصة
وجاءت بجوقة الرعاة
ليخصوا محنتنا
ثم وشحوا الناطحات... بتراب مهرب
من جرح الرافدين
الشاعر مروان ياسين الدليمي الموصلي، كالفجر المشرق تثاءب، لأنه شاهد علي افكاره التي لم يستط اسكات حرائقها المنطقية في حوافي ذاكرته، حين غمرته ملابسات مغايرة لواقع اصبحت علاقاته تتنازع الانتماء، والضوء يسطع برأس الشمس، بينما نباتات المدينة المنتشرة تنتظر لمسة دافئة، حينما خيمت التعاسة والصمت علي الاماكن في مدينته، واصداء ملعونة تتدحرج من ثعالب ودعاة كذابين، بينما افكاره وخيالاته تلف الاتي من الغضب وباصرار تحاول دفع غبار الاسئلة المبعثرة هنا وهناك حول الدوافع التي وشحت غسق المدينة، فغلف حروفه وكلماته ما راوده من الاحلام الموحشة والآملة بفجر جديد، وذلك واضح في كل حرف وكلمة ومعني في القصيدة التي يسبح عنوانها في مددلولات ليس بالخافية علي الجميع.


نشرت في الزمان :بتاريخ 14/9/2009 على الر ابط : 
http://www.azzaman.com/index.asp?fname=2009\09\09-13\679.htm&storytitle=منطقية%20العلاقة%20وتنازعات%20الانتماء%20في%20متن%20القصيدة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



Azzaman International Newspaper - Issue 3398 - Date 14/9/2009

جريدة (الزمان) الدولية - العدد 3398 - التاريخ 14/9/2009

222 رواق

رواق 222 اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي 2/ 11 / 2017 - المحكمة العسكرية تقرر اعدام مهدي الغرواي قائد عمليات نينوى الاسبق . - سيارات موني...