سينما




في صحيفة الزمان السنة السادسة عشرة - العدد 4581 -الثلاثاء 6 من شوال 1434 ه 13 من اب (يوليو) 2013 م
                                             إنتاج الصورة وسوق الفن
                          دراما التلفزيونْ في قَبضَةِ المُعْل
في

                                                                                                      مروان ياسين الدليمي
الانتاج العربي
الانتاج الدرامي في المنطقة العربية شهد نموا ً واضحا ً خلال الاعوام العشرة الاخيرة مقارنة بما كان عليه قبل ظهورالبث الفضائي في منتصف تسعينات القرن الماضي، فقد لعب ظهورالقنوات الفضائية الخاصة الدور ألأكبروالأهم في تسريع عجلة الانتاج وتطوره فنيا ً،خاصة في مصر وسوريا. ليصبح التنافس شديدا ًبينهما،بهدف:السيطرة على سوق التوزيع. وحصيلة ذلك أنْ تمكّن الانتاج السوري من مُزاحمة الانتاج المصري إلى حد كبير،وبات منافسا ً شديدا ًله،من حيث الكم والنوع والتسويق،بل وضعه في موقف حرج،وصارالطلب عليه كبيراًمن قِبل المحطات الفضائية والمُعلنين،بعد أن كان حكرا ًعلى الانتاج المصري منذ أن ظهرالبث التلفزيون في مطلع ستينات القرن الماضي .
وسط هذا التسارع في الانتاج وتطوره لابد لنا أن نتسائل عن حجم وأهمية الانتاج العراقي في خضم هذا التنافس،دون أن ننسى حقيقة تاريخية ثابتة في أن :العراق هو اول بلد عربي دخله البث التلفزيوني عام 1956 !
لكن هل أرتقى نتاجه الدرامي الى مستوى هذه الاهمية التاريخية ؟
بلاشك أي متابع سيصل الى نتيجة ليست لصالح الانتاج الدرامي العراقي فيما لو تمت مقارنته مع دول عربية اخرى مثل لبنان والكويت والسعودية من غيرأن نضع مصروسوريا في الحسبان لأن المقارنة ستكون غير منصفة بلاشك،ويمكن ان نورد هنا بعض الحقائق التي من خلالها نستطيع التوصل الى صورة واضحة إلى مانشير إليه،على سبيل المثال : في سوريا مثلا يوجد اكثر من 200 شركة انتاج درامي تعمل على انتاج المسلسلات والافلام الوثائقية والبرامج التلفزيونية وافلام الرسوم المتحركة.
بينما عدد شركات الانتاج في العراق لايتعدى اصابع اليد،هذا اضافة الى افتقاد العديد منها الى المعايير الأدارية والفنية،بالشكل الذي يجعلنا نتردد كثيرا قبل أن نطلق عليها تسمية شركة. . أيضا،هذه الشركات لاترتبط مهنيا ً في اتحاد ينظم عملها ويجعلها تتحرك بقوة في سوق الانتاج والتوزيع الذي يشهد تنافسا شديدا وسط تكتلات كبيرة.
إن قضية الانتاج باتت معقدة وعلى مستوى عال ٍ من التنظيم والادارة وهي مرتبطة بشكل عضوي مع طبيعة الفعاليات الاقتصادية القائمة، ولن يتمكن أي نشاط فردي بالسيطرة عليها من غير أن يكون هنالك تنظيمات مهنية تتولى عملية التخطيط والتحرك في سوق الانتاج والمنافسة .

سلطة المال
عميقة هي المتغيرات التي حصلت في عالم الانتاج وقد لعبت دوراً حاسما في تحديد الاطارالذي يتحرك فيه سوق الانتاج الدرامي،في مقدمتها يأتي :المُعلِنون من اصحاب الشركات ورجال الاعمال والمستثمرين والتجار)،إذ بات هؤلاء يلعبون دورا أساسيا ً في النشاط الاقتصادي وأصبحوا قوة رئيسة تتحكم بشكل كامل في الانتاج التلفزيوني الدرامي والبرامجي، بعد أن صارت الاعلانات التي تروّج لمنتجاتهم ومشاريعهم ــ والتي يحرصون على عرضها في المسلسلات ــ هي التي تحدد ماسيتم انتاجه من نصوص ونجوم سيشاركون في العمل،مقابل مايتم دفعه من مبالغ كبيرة جدا ًيتم دفعها للشركات المنتجة والمحطات الفضائية.. فقدوصل سعر الساعة التلفزيونة من هذه المسلسلات يتراوح مابين 15 الف دولار إلى 45 الف دولار،أي أنَّ ثمنَ مُسلسل ٍبثلاثين حلقة يصل إلى أكثر من 000 /900 الف دولار!ووصلت اجورالممثلين من النجوم في الساعة التلفزيونية الواحدة الى 000/ 5 ألاف دولار،ومجموع مايتقاضاه أي نجم يصل إلى 000/150 الف دولار في مسلسل واحد بثلاثين حلقة !
أزاء هذه الارقام العالية لم تعد لدى إدارات المحطات الفضائية ــ الحكومية منها وغير الحكوميةــ القدرة على الصمود والمنافسة أمام المُعلنين،وهذا مافرض على شركات الانتاج أن تفكرالف مرة قبل الشروع في الموافقة على إنتاج اي نص درامي،وأن تدرس جيدا ً فرص الاستثمارالاعلاني التي سيأتي بها،والتي من خلالها سيتم تغطية تكاليف الانتاج وتحقيق الارباح العالية،وهي بذلك تريد أن تطمئن على إستمرارعجلة الانتاج ونموها،إضافة الى ماسيتبع ذلك من تفكير دائم في تحديث ادوات الانتاج التقنية. وقد يكون هذا الأمر من أهم النتائج التي افضى اليها سوق التنافس ،وألقى على شركات الانتاج مسؤولية مضافة دعاها لأن تضع في اولويات اهتماماتها استخدام احدث التقنيات في التنفيذ،وخاصة كامرات التصوير، بعد أن شهد العالم تطورا ًمذهلا في هذا الاطار التقني وانعكس ذلك بشكل واضح على طبيعة الصورة وجودتها الى الحد الذي باتت صورة الانتاج الدرامي التلفزيوني في تنافس شديد مع الانتاج السينمائي،بل لم يعد هنالك من فرق بينهما من حيث جودة الصورة.
وسط هذه التحولات والتطورات التي شهدها الانتاج الدرامي العربي نجد أن الانتاج العراقي مازال يعتمد في آليات عمله وتفكيره على انظمة تقليديةٍ رثّة ٍتجاوزها الزمن،وتقنيات غيرمواكبة لما هو حاصل في العالم .
كل ماأوردناه هي عوامل مهمة تقف سببا في تخلف الانتاج العراقي لايمكن التقليل من أهميتها تحت أي تبريرقد يتعكز عليه العاملون في الانتاج ومازالوا يكررونه على اسماعنا في كل مناسبة يتم الحديث فيها عن ازمة الدراما العراقية،ومن تلك التبريرات مثلا :- "أن الانتاج العراقي يواجه محاربة غيرمعلنة من قبل الشركات والدول العربية". وبتقديرنا المتواضع هذه الحجة ضعيفة،بل هي محاولة بائسة منهم للهروب من المشكلة،وإلقاء مسؤوليتها على الأخرين .
مفهوم السلعة
من هنا يمكننا القول بأن الانتاج الدرامي بات سلعة بالمفهوم الاقتصادي الدقيق للكلمة،ويخضع تسويقها لقوانين العرض والطلب،التي يقف خلفها ويتحكم بها رجال أعمال ومستثمرين وتجارعقارات ورجال صناعة ،وبذلك لم تعد الاعمال الدرامية من حيث أسباب قيامها وانتاجها مشاريع جمالية خالصة يحقق من خلالها الفنانون أحلامهم بالمدن الفاضلة،ويوصلون عبرها خطابهم الانساني لتحقيق العدالة الاجتماعية.أنما هي مشاريع إقتصادية بأمتياز،تُرصَد لها ميزانيات مالية ضخمة،تكفي لأشباع ألاف الجياع والمحرومين في عالمنا العربي،الهدف من انتاجها:- تحقيق أرباح عالية تضاف الى ارصدة الشركات ورجال الاعمال،الذين أدركوا بعد ظهورالبث الفضائي،أهمية الاستثمار في هذا القطاع الحيوي الذي يحقق صلة مباشرة ومؤثرة مع المستهلك .
هذه المنظومة الاستثمارية التي باتت تتحكم في الانتاج الدرامي العربي، منذ مطلع تسعينات القرن الماضي ــ بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وبقية المنظومة الاشتراكية التي كانت تتبعه في العديد من دول العالم ومنها منطقتنا العربية ــ تمَّ استعارتها بطريقة مستنسخة من نمط الانتاج الاميركي الرأسمالي،الذي شهد تطورات هائلة في آليات عمله منذ بداية تأسيس شركات الانتاج السينمائي في مطلع القرن العشرين مُعتمدا ًعلى منظور فلسفي(براغماتي )يتعامل مع أي عمل فني على أنه: سلعة إقتصادية استهلاكية تخضع في وجودها واهميتها وقيمتها لشروط السوق.
الوجه الآخر للصورة
بنفس الوقت،الصورة ليست بهذه القتامة إذا ماأخذنا بنظرالاعتبارالعلاقة الجدليةالتي ارتبط بها الفن الدرامي مع عجلة السوق الاقتصادية،ومانتج عنها من تطور ٍفي اساليب العمل والتفكير لدى الفنانين،في المقدمة منهم الكتاب والمخرجون والمصورون ومدراء التصوير وبقية الحرفيين،فالاجور العالية التي باتوا يتقاضونها دفعتهم الى تطوير افكارهم ومعالجاتهم الفنية،وانعكس ذلك على المستوى الفني الذي تقدم فيه الاعمال الدرامية العربية،فوجدنا كتاب الدراما ينطلقون نحو مناطق وموضوعات جديدة ومثيرة لم يكن مسموحا الاقتراب منها،كما تم تقديمها بمعالجات فنية إبتعدت كثيراعن الأطرالمستهلكة والتقليدية في الرؤية والتنفيذ،سواء على مستوى الاخراج أوإدارة التصويروالاضاءة وبقية عناصر التكامل الفني في الصورة الدرامية،خاصة بعد انخراط العديد من المخرجين السينمائيين المُمَيزين في اخراج الاعمال الدرامية التلفزيونية،وهذا مارفع من مستوى معالجاتها الفنية، لتقترب بذلك من نمط الانتاج السينمائي الذي عادة مايتمركزسياقه العام على بناء وتأثيث اللقطة الواحدة،وبالاعتماد على كامرة واحدة،وليس بناء المشهد كاملا وبأكثرمن كامرة . بهذا الصدد يمكن الأشارة إلى الكثير من المسلسلات كنموذج لما نقول، منهاعلى سبيل المثال لا ألحصر:الولادة من الخاصرة،طرف ثالث،رقم سري،اخوة التراب،الحارة، نابليون والمحروسة ،الاجتياح،هدوء نسبي، التغريبة الفلسطينية،وغيرذلك من الاعمال .
ونتيجة لما أشرنا إليه :إزدادت مساحة الاهتمام والتلقي للأنتاج الدرامي الى حد كبير،وباتت تتكدس في ادراج شركات الانتاج عشرات النصوص الدرامية،منتظرة دورها في التنفيذ،ومن ثم ألدخول في حلبة سباق تنافسي شديد على كسب الاعلانات التجارية التي ستعرض اثناء فترة بثها، خاصة في شهر رمضان ،فقد أصبح هذا الشهر نقطة انطلاق سنوية لسباق محموم بين المحطات الفضائية تحرص جميعها قبل حلوله بشهرين على عرض مقتطفات إعلانية (برموشن ) مأخوذة من الاعمال الدرامية التي سيتم عرضها خلال شهرالصوم بقصد جذب المُعلنين وكسب أكبرعدد من الاعلانات التي سيتم عرضها خلال فترة بث المسلسل.
يضاف إلى ذلك عامل آخر مهم ساهم في تحريك عجلة الانتاج وتطوره : فبعد أن دخل على خط المنافسة والمساهمة في هذا الاستثمار،المال القادم من دول الخليج العربي بكل ثقله وامكاناته،باتت شركات الانتاج اكثر طموحا في خططها ومشاريعها الفنية،لتصل ميزانيات بعض الاعمال الدرامية ارقاما كبيرة جدا ً،إلى اكثر من 100مليون دولار.
خلاصة القول
إذا أردنا تطوير الانتاج الدرامي العراقي ينبغي أن نأخذ بنظرالاعتبار كل التطورات التي حصلت في نمط الانتاج العربي،وعدم تجاهلها والقفزمن فوقها،فالمسألة لم تعد مجرد أحلام وامنيات فنية يسعى لتحقيقها الفنانون وبقية فريق العمل، بقدر ما تتطلب المعالجة : توفير الارضية المطمئنة لأصحاب رؤوس الاموال،من تجار ورجال أعمال، لكي يستثمروا أموالهم في مشاريع فنية، تعود عليهم بالربح،وبذلك نضمن دوران عجلة الانتاج ،وتأسيس شركات انتاج ستكون هي بالتالي القاعدة الاساسية لنهوض الانتاج .
أخيرا نقول: ينبغي على العاملين في الدراما العراقية،التخلي نهائيا ًعن التفكيرالعاجزوالقائم على:-انتظار الدعم والمساعدة الدائمة من الدولة . .لأنَّ معظم التجارب الناجحة في الانتاج الدرامي ــ في معظم دول العالم ــ ،لم تضع في حساباتها ألأعتماد على ماستقدمه الدولة من دعم لها،بقدر ما كان نجاحها مرتبطا بشكل اساسي على قدراتها وامكاناتها في تحقيق فرص العمل والنجاح .

نشر في مجلة( الرقيم) العدد 2 التي تصدر عن اتحاد الادباء في كربلاء 2013



دراما التلفزيونْ في قَبضَةِ المُعْلِنْ

                                       مروان ياسين الدليمي



الانتاج العربي
الانتاج الدرامي في المنطقة العربية شهد نموا ً واضحا ً خلال الاعوام العشرة الاخيرة مقارنة بما كان عليه قبل ظهورالبث الفضائي في منتصف تسعينات القرن الماضي، فقد لعب ظهورالقنوات الفضائية الخاصة الدور ألأكبروالأهم في تسريع عجلة الانتاج وتطوره فنيا ً،خاصة في مصر وسوريا. ليصبح التنافس شديدا ًبينهما،بهدف:السيطرة على سوق التوزيع. وحصيلة ذلك أنْ تمكّن الانتاج السوري من مُزاحمة الانتاج المصري إلى حد كبير،وبات منافسا ً شديدا ًله،من حيث الكم والنوع والتسويق،بل وضعه في موقف حرج،وصارالطلب عليه كبيراًمن قِبل المحطات الفضائية والمُعلنين،بعد أن كان حكرا ًعلى الانتاج المصري منذ أن ظهرالبث التلفزيون في مطلع ستينات القرن الماضي .
وسط هذا التسارع في الانتاج وتطوره لابد لنا أن نتسائل عن حجم وأهمية الانتاج العراقي في خضم هذا التنافس،دون أن ننسى حقيقة تاريخية ثابتة في أن :العراق هو اول بلد عربي دخله البث التلفزيوني عام 1956 !
لكن هل أرتقى نتاجه الدرامي الى مستوى هذه الاهمية التاريخية ؟
بلاشك أي متابع سيصل الى نتيجة ليست لصالح الانتاج الدرامي العراقي فيما لو تمت مقارنته مع دول عربية اخرى مثل لبنان والكويت والسعودية من غيرأن نضع مصروسوريا في الحسبان لأن المقارنة ستكون غير منصفة بلاشك،ويمكن ان نورد هنا بعض الحقائق التي من خلالها نستطيع التوصل الى صورة واضحة إلى مانشير إليه،على سبيل المثال : في سوريا مثلا يوجد اكثر من 200 شركة انتاج درامي تعمل على انتاج المسلسلات والافلام الوثائقية والبرامج التلفزيونية وافلام الرسوم المتحركة.
بينما عدد شركات الانتاج في العراق لايتعدى اصابع اليد،هذا اضافة الى افتقاد العديد منها الى المعايير الأدارية والفنية،بالشكل الذي يجعلنا نتردد كثيرا قبل أن نطلق عليها تسمية شركة. . أيضا،هذه الشركات لاترتبط مهنيا ً في اتحاد ينظم عملها ويجعلها تتحرك بقوة في سوق الانتاج والتوزيع الذي يشهد تنافسا شديدا وسط تكتلات كبيرة.
إن قضية الانتاج باتت معقدة وعلى مستوى عال ٍ من التنظيم والادارة وهي مرتبطة بشكل عضوي مع طبيعة الفعاليات الاقتصادية القائمة، ولن يتمكن أي نشاط فردي بالسيطرة عليها من غير أن يكون هنالك تنظيمات مهنية تتولى عملية التخطيط والتحرك في سوق الانتاج والمنافسة .

سلطة المال
عميقة هي المتغيرات التي حصلت في عالم الانتاج وقد لعبت دوراً حاسما في تحديد الاطارالذي يتحرك فيه سوق الانتاج الدرامي،في مقدمتها يأتي :المُعلِنون من اصحاب الشركات ورجال الاعمال والمستثمرين والتجار)،إذ بات هؤلاء يلعبون دورا أساسيا ً في النشاط الاقتصادي وأصبحوا قوة رئيسة تتحكم بشكل كامل في الانتاج التلفزيوني الدرامي والبرامجي، بعد أن صارت الاعلانات التي تروّج لمنتجاتهم ومشاريعهم ــ والتي يحرصون على عرضها في المسلسلات ــ هي التي تحدد ماسيتم انتاجه من نصوص ونجوم سيشاركون في العمل،مقابل مايتم دفعه من مبالغ كبيرة جدا ًيتم دفعها للشركات المنتجة والمحطات الفضائية.. فقدوصل سعر الساعة التلفزيونة من هذه المسلسلات يتراوح مابين 15 الف دولار إلى 45 الف دولار،أي أنَّ ثمنَ مُسلسل ٍبثلاثين حلقة يصل إلى أكثر من 000  /900 الف دولار!ووصلت اجورالممثلين من النجوم في الساعة التلفزيونية الواحدة الى 000/ 5 ألاف دولار،ومجموع مايتقاضاه أي نجم يصل إلى 000/150 الف دولار في مسلسل واحد بثلاثين حلقة !
أزاء هذه الارقام العالية لم تعد لدى إدارات المحطات الفضائية ــ الحكومية منها وغير الحكوميةــ  القدرة على الصمود والمنافسة أمام المُعلنين،وهذا مافرض على شركات الانتاج أن تفكرالف مرة قبل الشروع في الموافقة على إنتاج اي نص درامي،وأن تدرس جيدا ً فرص الاستثمارالاعلاني التي سيأتي بها،والتي من خلالها سيتم تغطية تكاليف الانتاج وتحقيق الارباح العالية،وهي بذلك تريد أن تطمئن على إستمرارعجلة الانتاج ونموها،إضافة الى ماسيتبع ذلك من تفكير دائم في تحديث ادوات الانتاج التقنية. وقد يكون هذا الأمر من أهم النتائج التي افضى اليها سوق التنافس ،وألقى على شركات الانتاج  مسؤولية مضافة دعاها لأن تضع في اولويات اهتماماتها استخدام احدث التقنيات في التنفيذ،وخاصة كامرات التصوير، بعد أن شهد العالم تطورا ًمذهلا في هذا الاطار التقني وانعكس ذلك بشكل واضح على طبيعة الصورة وجودتها الى الحد الذي باتت صورة الانتاج الدرامي التلفزيوني في تنافس شديد مع الانتاج السينمائي،بل لم يعد هنالك من فرق بينهما من حيث جودة الصورة.
وسط هذه التحولات والتطورات التي شهدها الانتاج الدرامي العربي نجد أن الانتاج العراقي مازال يعتمد في آليات عمله وتفكيره على انظمة تقليديةٍ رثّة ٍتجاوزها الزمن،وتقنيات غيرمواكبة لما هو حاصل في العالم .
كل ماأوردناه هي عوامل مهمة تقف سببا في تخلف الانتاج العراقي لايمكن التقليل من أهميتها تحت أي تبريرقد يتعكز عليه العاملون في الانتاج ومازالوا يكررونه على اسماعنا في كل مناسبة يتم الحديث فيها عن ازمة الدراما العراقية،ومن تلك التبريرات مثلا :- "أن الانتاج العراقي يواجه محاربة غيرمعلنة من قبل الشركات والدول العربية". وبتقديرنا المتواضع هذه الحجة ضعيفة،بل هي محاولة بائسة منهم للهروب من المشكلة،وإلقاء مسؤوليتها على الأخرين .
مفهوم السلعة  
من هنا يمكننا القول بأن الانتاج الدرامي بات سلعة بالمفهوم الاقتصادي الدقيق للكلمة،ويخضع تسويقها لقوانين العرض والطلب،التي يقف خلفها ويتحكم بها رجال أعمال ومستثمرين وتجارعقارات ورجال صناعة ،وبذلك لم تعد الاعمال الدرامية من حيث أسباب قيامها وانتاجها مشاريع جمالية خالصة يحقق من خلالها الفنانون أحلامهم بالمدن الفاضلة،ويوصلون عبرها خطابهم الانساني لتحقيق العدالة الاجتماعية.أنما هي مشاريع إقتصادية بأمتياز،تُرصَد لها ميزانيات مالية ضخمة،تكفي لأشباع ألاف الجياع والمحرومين في عالمنا العربي،الهدف من انتاجها:- تحقيق أرباح عالية تضاف الى ارصدة الشركات ورجال الاعمال،الذين أدركوا بعد ظهورالبث الفضائي،أهمية الاستثمار في هذا القطاع الحيوي الذي يحقق صلة مباشرة ومؤثرة مع المستهلك .
هذه المنظومة الاستثمارية التي باتت تتحكم في الانتاج الدرامي العربي، منذ مطلع تسعينات القرن الماضي ــ بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وبقية المنظومة الاشتراكية التي كانت تتبعه في العديد من دول العالم ومنها منطقتنا العربية ــ تمَّ استعارتها بطريقة مستنسخة من نمط الانتاج الاميركي الرأسمالي،الذي شهد تطورات هائلة في آليات عمله منذ بداية تأسيس شركات الانتاج السينمائي في مطلع القرن العشرين مُعتمدا ًعلى منظور فلسفي(براغماتي )يتعامل مع أي عمل فني على أنه: سلعة إقتصادية استهلاكية تخضع في وجودها واهميتها وقيمتها لشروط السوق.
الوجه الآخر للصورة
بنفس الوقت،الصورة ليست بهذه القتامة إذا ماأخذنا بنظرالاعتبارالعلاقة الجدليةالتي ارتبط بها الفن الدرامي مع عجلة السوق الاقتصادية،ومانتج عنها من تطور ٍفي اساليب العمل والتفكير لدى الفنانين،في المقدمة منهم الكتاب والمخرجون والمصورون ومدراء التصوير وبقية الحرفيين،فالاجور العالية التي باتوا يتقاضونها دفعتهم الى تطوير افكارهم ومعالجاتهم الفنية،وانعكس ذلك على المستوى الفني الذي تقدم فيه الاعمال الدرامية العربية،فوجدنا كتاب الدراما ينطلقون نحو مناطق وموضوعات جديدة ومثيرة لم يكن مسموحا الاقتراب منها،كما تم تقديمها بمعالجات فنية إبتعدت كثيراعن الأطرالمستهلكة والتقليدية في الرؤية والتنفيذ،سواء على مستوى الاخراج أوإدارة التصويروالاضاءة وبقية عناصر التكامل الفني في الصورة الدرامية،خاصة بعد انخراط العديد من المخرجين السينمائيين المُمَيزين في اخراج الاعمال الدرامية التلفزيونية،وهذا مارفع من مستوى معالجاتها الفنية، لتقترب بذلك من نمط الانتاج السينمائي الذي عادة مايتمركزسياقه العام على بناء وتأثيث اللقطة الواحدة،وبالاعتماد على كامرة واحدة،وليس بناء المشهد كاملا وبأكثرمن كامرة . بهذا الصدد يمكن الأشارة إلى الكثير من المسلسلات كنموذج لما نقول، منهاعلى سبيل المثال لا ألحصر:الولادة من الخاصرة،طرف ثالث،رقم سري،اخوة التراب،الحارة، نابليون والمحروسة ،الاجتياح،هدوء نسبي، التغريبة الفلسطينية،وغيرذلك من الاعمال .
 ونتيجة لما أشرنا إليه :إزدادت مساحة الاهتمام والتلقي للأنتاج الدرامي الى حد كبير،وباتت تتكدس في ادراج شركات الانتاج عشرات النصوص الدرامية،منتظرة دورها في التنفيذ،ومن ثم ألدخول في حلبة سباق تنافسي شديد على كسب الاعلانات التجارية التي ستعرض اثناء فترة بثها، خاصة في شهر رمضان ،فقد أصبح هذا الشهر نقطة انطلاق سنوية لسباق محموم بين المحطات الفضائية تحرص جميعها قبل حلوله بشهرين على عرض مقتطفات إعلانية (برموشن ) مأخوذة من الاعمال الدرامية التي سيتم عرضها خلال شهرالصوم بقصد جذب المُعلنين وكسب أكبرعدد من الاعلانات التي سيتم عرضها خلال فترة بث المسلسل.
يضاف إلى ذلك عامل آخر مهم ساهم في تحريك عجلة الانتاج وتطوره : فبعد أن دخل على خط المنافسة والمساهمة في هذا الاستثمار،المال القادم من دول الخليج العربي بكل ثقله وامكاناته،باتت شركات الانتاج اكثر طموحا في خططها ومشاريعها الفنية،لتصل ميزانيات بعض الاعمال الدرامية ارقاما كبيرة جدا ً،إلى اكثر من 100مليون دولار.
خلاصة القول
إذا أردنا تطوير الانتاج الدرامي العراقي ينبغي أن نأخذ بنظرالاعتبار كل التطورات التي حصلت في نمط الانتاج العربي،وعدم تجاهلها والقفزمن فوقها،فالمسألة لم تعد مجرد أحلام وامنيات فنية يسعى لتحقيقها الفنانون وبقية فريق العمل، بقدر ما تتطلب المعالجة : توفير الارضية المطمئنة لأصحاب رؤوس الاموال،من تجار ورجال أعمال، لكي يستثمروا أموالهم في مشاريع فنية، تعود عليهم بالربح،وبذلك نضمن دوران عجلة الانتاج ،وتأسيس شركات انتاج ستكون هي بالتالي القاعدة الاساسية لنهوض الانتاج .
أخيرا نقول: ينبغي على العاملين في الدراما العراقية،التخلي نهائيا ًعن التفكيرالعاجزوالقائم على:-انتظار الدعم والمساعدة الدائمة من الدولة . .لأنَّ معظم التجارب الناجحة في الانتاج الدرامي ــ في معظم دول العالم ــ ،لم تضع في حساباتها ألأعتماد على ماستقدمه الدولة من دعم لها،بقدر ما كان نجاحها مرتبطا بشكل اساسي على قدراتها وامكاناتها في تحقيق فرص العمل والنجاح .  


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ







الزمان الطبعة الدولية –السنة السادسة عشرة –العدد 4541-الخميس 17من شعبان 1434ه27من حزيران (يونيو)2013م

المخرج والممثل السينمائي جمال أمين للزمان :
                                    في العراق لانملك سينما
                                                                                                                             حاوره :مروان ياسين الدليمي
أكثر من ستة عقود مضت على قيام أول انتاج سينمائي عراقي إلاّأنَّ العاملين في هذا الحقل الابداعي ومنهم المخرج والممثل السينمائي جمال أمين يُقرُّ بعدم وجود سينما عراقية،رغم وجود طاقات بشرية مؤهَّلة ٍتمتلك الوعي والخبرة،هذاإضافة الى القدرات المادية الكبيرة المتوفرة في العراق والتي يمكن من خلالها قيام ونهوض هذا الفن.. في مقابل ذلك نجد بلدانا اخرى لاتملك تاريخا يذكر في صناعة الفن السينمائي بدأت تفرض حضورها أمام العالم عبر أكثر من نشاط وفعالية.. من هنا جاء حوارنا مع فنان مجتهد يحمل عشقا ً خاصا للسينما،فعلى الرغم من أن بدايته كانت عام 79 لكنه لايزال يحمل نفس الإندفاع الذي إبتدأ به قبل أكثر من ربع قرن عندما وقف أول مرة ٍامام عدسة الكامرة السينمائية وكأنَّ العقبات والتحديات لم تفلح في ثنيه عن الحلم،بل زادته هياما ًواصرارا ًعلى العمل.. حديثنا معه ذهب بعيداً،ليرصد احلام ومواجع باتت مُزمنة في مسارالعاملين بهذا الحقل الجمالي،أفرادا ًوشركات ومؤسسات، سعيا ً منّا للوصول الى تفكيك اشكالية الانتاج السينمائي في العراق، والتي كانت سببا ًهشاشتهِ وعدم قدرته في أن يكو ن حاضراً وفاعلاً في الحياة الثقافية.
هيكلة الانتاج السينمائي
*السينما في العالم حصل فيها الكثير من التحولات الانتاجية والفنية .هل إن العاملين في حقل السينما في العراق يمتلكون القدرة على التجاور مع ماحصل في العالم ؟
-هذه مسالة نسبية ولها علاقة بشخص العامل نفسه ودأبه على المعرفة والمتابعه لكن من الناحية العملية هنالك القليل ممن عملو مع بعض المجاميع الاجنبية واكتسبوا معارف جديدة ومهمة في العمل السينمائي،ايضا ينبغي علينا  أن لاننسى بأن لدينا عدد لابأس به من الفنانين العراقيين الذين عاشوا فترة طويلة في اوربا واميركا  واستطاعو خلال تواجدهم هناك ان يستفيدوا إلى حدٍ ما من الخبرة الاجنبية،وعلى اقل تقدير يمكننا القول بأنهم قد إكتسبوا بشكل مباشر وعبر الاحتكاك الكثير من تقاليد وأصول العمل في الانتاج السينمائي والتي نفتقدها عادة في العراق،وبشكل عام أستطيع أن أؤكد دون أن أكون مبالغا ًبأن جيل الشباب من المخرجين والفنيين هم الاقدرعلى تقديم الافضل،لكونهم على تواصل تام مع مايحصل من تطورات تقنية في العالم المتقدم خاصة في عالم الديجتال،والبعض منهم قد أتقن الجانب الحِرفي بدقة عالية، يتساوى فيها مع المحترفين في الغرب. ومع ذلك مازلت أجد بأن اوضاع الانتاج السينمائي في العراق فيها ضعف ونقص كبير يتعلق بماهو حديث ومتطور، مما يستوجب جملة من الخطوات ينبغي على من يمسك بزمام أمور الانتاج السينمائي القيام بها لإعادة هيكلة منظومة الانتاج السينمائي،وأولى الخطوات بهذا الإطار اقامة العديد من  الورش السينمائية، والتي من خلالها سنتمكن من تأهيل العاملين بالحقل السينمائي.
غياب المنتج
*ماهو جوهر المشكلة التي كانت سببا في عدم نمو الفن السينمائي في العراق وبقائه هشّا وبلاحضور في المشهد الابداعي العراقي؟
-هنالك اسباب عديدة أهمها: غياب عجلة الأنتاج بشكل دائم ومتواصل،سواء من قبل القطاع الخاص أوالقطاع العام،وفيما يتعلق بالقطاع الخاص فلايمكن حتى الأن المراهنة عليه،فهو مايزال رهين المزاج أوالصدف التي قد تتوفر بموجبها فرصة يتيمة تضيع  بين عشرات السنين لأنتاج فلم سينمائي،أما القطاع العام فهوالآخريخضع للقانون الموسمي ايضا ويضاف إليه (المناسباتي) مثلما نشهده هذه الايام بعد أختيار بغداد عاصمة للثقافه العربية فهذا الاختيار فرض على الجهات الحكومية أن تولي الانتاج السينمائي اهتماما ملحوظا ورصدت له ميزانيات مالية كبيرة وهذا الاهتمام بطبيعة الحال ليس مرتبطا بأهمية السينما لدى الجهات الحكومية بقدر ماله علاقه بمناسبة اختيار بغداد عاصمة للثقافة العربية والذي يفرض عليها في الاطار الثقافي والفني التزامات كبيرة ومتنوعة،ينبغي على الدولة أن تؤديها،وكلنا نعلم أن هذا الاهتمام سينتهي مع انتهاء هذه المناسبة بنهاية العام 2013 . مثل هذا الوضع سبق أن شهدناه ايام النظام السابق عندما  نشط الانتاج السينمائي أيام الحرب مع ايران، ثم جاءت سنوات الحصار التي شهدت موت الانتاج السينمائي نهائيا ً.وهنا ينبغي لي أن أؤكد حقيقة مهمة وأساسية لها ارتباط وثيق بنموالانتاج السينمائي وقد تم تجاهلها لدينا الى حد كبير،إذ أننا تغافلنا ــ سواء كان ذلك عن عمد أو جهل ــ  بأن نمو ونشوء انتاج سينمائي متميز مرتبط بشكل وثيق مع منظومة (الانتاج والتوزيع والايرادات) فالفيلم العراقي خلال أكثر من  60 عام  على ظهوره،لم يتمكن من تحقيق أيّة ارباح مالية ! وهذا سبب كافٍ لكي يجعل أي منتج يعزف تماما ً عن استثمار امواله في الانتاج السينمائي،ولاننسى أن القاعدة الاقتصادية تقول :"ان راس المال جبان". هنالك ايضا عامل آخر لايقل اهمية عمّا ذكرناه،فنحن مازلنا نفتقد الى المنتج الذي يدرك أهمية الفن السينمائي وبنفس الوقت يملك  ذكاء وخبرة تمكنانه من اعتلاء صهوة المغامرة وأقتحام عالم الانتاج،أضف إلى ذلك أن معظم  الافلام التي انتجت سابقا لم تكن مرتبطة موضوعاتها  بهموم الفرد العرقي .
*لواعدنا قراءة الانتاج السينمائي في العراق منذ البدايات الاولى قبل اكثر من خمسين عاما،هل نجد فيه مايستحق المشاهدة مرة ثانية،ويكون مدعاة للتأمل الجمالي وتتوفر فيه عناصر فنية وجمالية تضعه في خانة الفن السينمائي ؟
-هذا سؤال صعب وقاس ٍ جداً، بنفس الوقت ينم عن ذكاء السائل، لانني أمام سؤال ليس من السهولة ألأجابة عليه، لكن يمكن القول أن هنالك بعض التجارب،التي يمكن ان نذكرها ونشيدُ بها على سبيل المثال:( من المسؤول، الجابي،والظامئون، بيوت في ذلك الزقاق.) وهذا بطبيعة الحال تقييم شخصي،قد يكون فيه إجحاف بعض الشيء بحق آخرين.ومع ذلك لابد من القول بأن التجارب التي تستحق المشاهدة من كلاسيكيات الفيلم العراقي قليلة جدا ًويمكن عدّها على اصابع اليد الواحدة.في مقابل ذلك نجد عددا من الافلام الجيدة تم انتاجها بعد الاحتلال الامريكي للعراق من قبل مخرجين شباب مثل : محمد توفيق وهادي ماهود وسمير زيدان.وقتيبة الجنابي وقيس الزبيدي ومحمد الدراجي وجمال امين وميسون الباججي وفاضل عباس وطارق هاشم وغيرهم. وهذا إن دلَّ على شيءإنما يدل على أن الفيلم العراقي بدأ ياخذ شكلاً آخر أكثر نضجا وتطورا ً، في محاولة جادة من الجيل الجديد مواكبة مايحصل من متغيرات في العالم وهو حريص على أن لايتخلف عنها،من هنا أستطيع القول أن الفيلم العراقي الآن أقرب الى الفن السينمائي وإلى الجمهور والواقع.
سُبُل النّهوض
*لو توفرت الفرصة وتسلمت أنت شخصيا ً مسؤولية تأهيل الانتاج السينمائي في العراق.مالذي ستتخذه من خطوات ؟
-اولا: اقالة جميع العاملين في مديرية السينما من مخرجين ومصورين ومدراء انتاج،لأنهم عاطلون عن العمل،أونقلهم الى مؤسسات تلفزيونية حكومية تابعه الى وزارة الثقافه.ثانيا ً:المباشرة بالعمل وفق نظام العقود مع من يستحق أن تعطى له الفرصة وفقا ً لكفاءته. ثالثاً :البدء بالتحرك نحو البنوك العراقية،خاصة البنك الصناعي،والتفاوض معه جديا ًلأجل أقناعه بضرورة الأقتناع والتعامل مع عملية الانتاج السينمائي بأعتبارها مشروعا ً استثماريا ً تتشابه وتتساوى مع أي مشروع أقتصادي آخر يمكن الاستثمار فيه وجني الارباح منه. رابعاً: السعي الجاد من أجل أن تكون دائرة السينما منتجه للافلام من خلال ماتقدمه من دعم ومشاركة في الانتاج مع جهات أخرى وليس كمنتج رئيسي .خامسا ً:العمل مع الغُرف التجارية لتثقيف التاجر العراقي وتشجيعه على خوض تجربة الانتاج الفني بكل انواعه. سادسا ً:العمل على أستقطاع مبلغ من المال بقيمة الف دينارعراقي من كل فاتورة كهرباء لأجل دعم الانتاج السينمائي،بطبيعة الحال هذا المبلغ البسيط له قيمة ودلالة اكبر واعمق من قيمته النقدية تتعلق بقضية لفت انتباه الناس الى أهمية الفن السينمائي. سابعاً :السعي لتأسيس شركة لدور العرض السينمائي تكون مهمتها  المساهمة أيضا في انتاج الافلام،عبرتخصيص مبلغ من المال من عائد العروض السينمائية،كما يمكن أن يتم ادخال الاكاديميات والمعاهد كمساهم بانتاج الافلام . ثامنا ً: العمل على تنشيط المهرجانات السينمائية وإقامة نوادي للسينما.تاسعا ً : فصل مديرية السينما عن دائرة السينما والمسرح وأن تكون  ضمن دائرة واحدة متخصصة عنوانها (دائرة السينما) ولها إدارتها وكيانها وميزانيتها الخاصة. عاشرا ً: ضرورة أن يدخل العراق كمشارك فعال بانتاج افلام عربية واجنبية بقصد استقطاب الخبرات المهمة اليه ونقل معارفها الى العاملين العراقيين وقد يكون تحقيق هذه النقطة في المستقبل، نظرا ً لما يعيشه العراق من ظرف أمني مضطرب. حادي عشر: العمل على إقامة ورش سينمائية في كافة الاختصاصات،والاستعانة بمخرجين ومصورين ومدراء تصوير الخ من مختلف دول العالم المتقدم .ثاني عشر :علينا ان نوصي وزارة التربية بأن يكون ضمن برامجها التربوية عرض فيلم سينمائي في المدارس ولجميع المراحل لكي يصبح الفن السينمائي  جزءً اساسيا ً ضمن الادوات الفعالة للقضاء على عوامل الجهل في العراق والارتقاء بذائقة الجمهور العراقي. .في الحقيقة ياسيدي هنالك الكثير من الافكار التي نستطيع من خلالها أن ننهض بواقع الانتاج السينمائي،وارجو ان تكون هذه الاقتراحات مسجلة باسمي لغرض العمل بها في حال ان تتبنى الدولة هكذا مشروع.
الكليات والمعاهد الفنية
*قسم السينما في كلية ومعهد الفنون في بغداد هل تجده مؤهلا لتقديم عناصر بشرية مؤهّلة من الناحية الحرفية والفنية للعمل في الانتاج السينمائي ؟
- حاليا لااعتقد ذلك ولعدة اسباب،اهمها: عدم وجود الطاقم التدريسي الذي يواكب المناهج  وطرق التدريس الجديدة في العالم، وهذا يعود إلى أن اغلب الاساتذه لايتقنون لغة أجنبية أخرى غير العربية التي يتكلمون بها ،لذا تجدهم غير قادرين على ملاحقة مايستجد من تطورات في العالم ، كما ان الاجهزة والمعدات الموجودة في هذه المؤسسات التعليمية ماهي إلاّ اجهزة خاصة بالانتاج التلفزيوني ولاعلاقة لها بالعمل السينمائي،ايضا لاتوجد ستوديوهات مخصصة للطلبة،ولاتوجد تخصيصات مالية لانتاج اطاريح الطلبة،بلاشك كل هذه العوامل ماهي إلاَّمعوقات تؤثر بشكل كبير على مستويات الطلبة، وعليه  نجد أن العديد من الطلبة قد اعتمدوا على أنفسهم في تطوير معارفهم العلمية والفنية،ووصل قسم منهم الى نتائج ممتازة، وأحب أن اضيف إلى ماذكرت ايضا ً:أنَّ السينما، ليس الاخراج والتصوير فقط،لذلك اتمنى أن تفتتح المعاهد والاكاديميات فروعا ً اخرى مثل قسم الصوت والانتاج  والمونتاج والتمثيل والمكياج وهي اقسام فنية لاتقل أهمية عن الاخراج والتصوير، فنحن الان يتوفر لدينا مئات المخرجين لكننا لازلنا نستورد مهندسي الصوت من خارج العراق،ومع هذا نجد ان اغلب الافلام العراقية تعاني من مشكلة الصوت .
العشوائية في العمل
*مالمطلوب من العاملين في الانتاج السينمائي العراقي التوقف عنده سواء على مستوى الموضوعات او على مستوى الاساليب من اجل خلق اجواء جديدة في جسد السينما العراقية ؟
-للاسف لازال هنالك الرقيب أو الفاحص للنص في دائرة السينما والمسرح وهذا الامر يعيق عملية الانطلاق في مواضيع واساليب جديدة للفيلم العراقي، وفي اعتقادي ان الموضوع هو اهم مفصل من مفاصل نجاح الفيلم وهذا يتم كلما اقتربنا من الواقع العراقي وبشكل شفاف وعميق دون الرجوع الى لجان الرقابة. كما إن َّالعمل تحت سقف أضواءالسينما بلاشك سيطرد الزوايا المظلمة التي يتركها الجهل في المجتمع، بذلك سنستطيع الخروج بالفيلم العراقي من عنق الزجاجة، وبصراحة تامة اقول إن الفيلم العراقي لايزال يتأرجح بين تقليد الفيلم الهوليودي والبوليودي والى حد ٍما السينما المصرية، واقولها بملء الفم : نحن في العراق لانملك سينما بالمعنى الحقيقي للسينما،وهنا أعني فلسفة السينما واسلوب السينما ومزاج السينما،لازلنا نعمل بشكل عشوائي وفوضوي،ولاتوجد لدينا حتى الآن مدرسة عراقية خالصة في الفن السينمائي كما هو الحال في ايران وكوريا، ولازلنا لانملك الاب الروحي للسينما،اغلب الافلام التي انتجت سابقا هي ذات نبرة انفعالية آنية،وغالبا ًماكانت إنعكاسا ً لموضوع سياسي،واغلب ماأنتج من افلام كان باهتا ًخاصة افلام ثمانينات القرن الماضي،تبدو عندما نشاهدها الآن وكانها تقاريرحربية،نحن بحاجة حقيقية الى ان نتعمّق في مانتناوله من موضوعات،ياسيدي..العراق بلد فيه العشرات من المواضيع والافكارالتي فيما لوتناولتها عدسة السينما لتقدمنا خطوات نحو جائزة الاوسكار،لكننا ومع الاسف الشديد مازلنا  نعاني من ضعف شديد يصل حد الهزال في تناول الافكار التي نطرحها،في اختيار مواضوعاتنا. ومازلنا في مرحلة التقليد الاعمى للأخرين، لذالك أنا دائما اؤكد على عدم وجود سينماعراقية، بل هنالك افلام عراقية تنتج في العراق، بلاشك لدينا  شعراء وكتاب رواية وفنانون تشكيليون لكن لايوجد لدينا كتاب سيناريو متمكنين وهذا يعود في واحد من اسبابه الى ابتعاد وعزوف معظم أدباءنا عن الخوض في مجال كتابة السيناريو، لذا نجد المخرج العراقي بات اشبه بالسوبرمان، فهو كاتب السيناريو وهو المخرج وهوالمونتيروفي بعض الاحيان هو البطل،إضافة الى ذلك هنالك ازمة كبيرة تتجسد في غياب الحب والمودة بين الفنانين والمثقفين فيما بينهم،من هنا لانستطيع ان نعمل بمنظومة المجموعة،وهذا أمرٌ مهم جدا في انتاج افلام سينمائية متقدمة، يتوفر فيها اسلوب متميز قادرعلى أن يحقق حضوراً وتأثيرا ً في المهرجانات العالمية، و في الجمهورالعراقي قبل ذلك .
*هل من افلام معينة عراقية تم انتاجها بعد العام 2003  تجدها تستحق الاهتمام على المستوى الفني ؟ وفيما لو وجدت أين تكمن اهميتها وقيمتها ؟
- نعم هنالك افلام كثيرة، سواء كانت  افلام وثائقية أوروائية قصيرة، وهنا اعني الأفلام التي تم انتاجها في داخل العراق،والكثير من هذه الافلام  شارك في مهرجانات عربية وعالمية مهمة سواء من مخرجي الداخل او مخرجي الخارج و حصد البعض منها جوائز، وهنالك اسماء شابة مهمة في هذا المجال لكن اعذرني من ذكر الاسماء لاسباب لها علاقة وثيقة بالمزاج الصعب لشخصية المثقف العراقي،لكن لابأس من ذكر فيلم ابن بابل للمخرج محمد الدراجي وفيلم كاسيت للمخرج ملاك عبد علي وهنالك ايضا  لؤي فاضل ورانيا توفيق و هاشم العيفاري وخالد البياتي .
ضغوطات الواسطة
*كيف تنظر الى خطط وزارة الثقافة فيما يتعلق بالانتاج السينمائي وخاصة الافلام التي تم اقرارها وانتاجها  والتي ارتبط انتاجها احتفاءً بأختيار  بغداد عاصمة للثقافة العربية.هل كان اختيار الافلام قائما ً على اسس سليمة. هل سيكون لها تأثير مهم على مستقبل الانتاج السينمائي في العراق. هل ستحقق تلك الافلام شيئا مهما على المستوى الفني في المهرجانات فيما لوشاركت خارج العراق ؟
-انها خطوة كبيرة وجبارة ان تقوم وزارة الثقافة بانتاج هذا الكم من الافلام الروائية والوثائقية الطويلة والقصيرة ولكن هذه الافلام لاأعتقد ستفرز نوعا جيداً من الافلام،وهذا يعود إلى الواسطة والمحسوبية والمنسوبية والمحاصصة، وللأسف عندما نجد أن الفرص الكبيرة والمهة قد منحت لأسماء معينة بذاتها سبق أن اخذت العديد من الفرص خلال تاريخها ولم تقدم شيئا والطامة كبرى عندما يكون وكيل وزارة الثقافه هو المسؤول عن انتاج الافلام وهوشخص لاعلم له بآليات انتاج الفيلم ولاعلم له بمن يستحق أن تعطى له الفرصة بالعمل ومن هو لايستحق،أنا شخصيا تكلمت مع الكثير من المسؤولين ممن هم ادنى من درجة وكيل وزيرحول امكانية انتاج فيلم من اخراجي،علما ً بأنني كنت قد قدمته عام  2011 أي قبل الكثير من الاسماء التي اعطيت لها الفرصة، وكل الذين تحدثت معهم من هؤلاء المسؤولين قالوا لي : اذهب الى الوكيل الاقدم اواذهب الى الوزير كما فعل فلان وفلان وفلان. . ومن خلال هذا الكلام نستطيع أن نفهم بكل بساطة بأن اغلب من منحوا فرصة العمل قد وصلتهم عبرالواسطة  سواء من الوزير او الوكيل وقد تمت بضغوطات كبيرة على السيد الوزير والسيد الوكيل، ياسيدي هنالك افلام ميزانياتها كانت عالية جدا بل خرافية، بينما افلام اخرى عانى العاملون فيها من  بؤس وشقاء وتعب وسبب كل ذلك يعود الى  عدم كفائة القائمين على ادارة العمل السينمائي، وعدم كفاءة من يقرر ادارة انتاج الافلام السينمائية، نحن الان تحت رحمة إدارات يقودها ديناصورات عفى عليهم الزمن،وهم تجار ومليونيرية، وتمكنوا من سرقة الفرص من الشباب،ومنّا ايضانحن المهمشون،وهنا لدي سؤال: من هو القادرعلى ان يقول إن فلان مخرج وفلان غير مخرج حتى نستطيع أن نمنح فلان فرصة ونؤجلها عن الاخر الى المستقبل؟،بالطبع لايوجد لدينا لجنة خبراء، بل لدينا لجنة انتهازيين،ومع هذاورغم هذه الصورة القاتمة اشعر بأن بوادر تغيير تبدو واضحة في الصورة نحو الاحسن فقد  تم تشكيل لجان جديدة ورؤية جدية للانتاج السينمائي،واتمنى ان تمنح الفرص لمن يستحقها، كماانني اشك بان عجلة انتاج الافلام ستستمر ضمن خطط وزارة الثقافه في المستقبل القريب،لاني أعتقد بأن مانشهده من حركة في الانتاج ماهو إلاّ أمر موسمي ،وهذا مرتبط بأختياربغداد عاصمة الثقافه العربية،لذا اتمنى على الوزارة ان تضع خطة واضحة لانتاج افلام ضمن خطط خمسية وأن تمنح  الفرص لمن يستحقها وأن يكون الاشراف بإدارة لجنة من الخبراء.
 الجيل الجديد
*على من تراهن في اعادة الروح الى جسد السينما في العراق ؟
-انا اراهن فقط على الشباب الجدد ولاغير الشباب،فنحن لدينا الآن مجموعه من الشباب السينمائي المليء بالحماس والوعي ويمتلك رؤية جديدة لمعالجة الواقع،وقد اثبت هؤلاء على الصعيد المحلي والعربي على انهم بالفعل شيء مهم وكبير.ويمكن ايضا ان نراهن على البعض من المخرجين ممن عاشوا في الغرب،لأهمية تجاربهم وضرورة الاستفادة منها  كي ننهض بواقع الفيلم العراقي، سيدي الكريم  عن طريق السينما يمكن ان تحل الكثيرمن معضلات العراق الاجتماعية،ان السينما هي مركز النور وقد كانت ولم تزل يدُ امريكا الضاربة في العالم كما كانت ايضا كذلك ايام الاتحاد السوفيتي السابق،وهكذا،فالعراق بدون سينما ينقصه شعاع من نور باهر .
الجوائز والمهرجانات
*السينمائيون العراقيون المغتربون لماذا لم نجدهم قد حققوا شيئا مهما خارج العراق،ونحن نعلم أن كل مانسمعه من جوائز حصلوا عليها هنا وهناك،هي في الحقيقة لاقيمة لها لانها جاءت من مهرجانات لاوجود لها في خارطة المهرجانات الدولية المعترف بها أين تكمن الاسباب. هل في عدم وجود الدعم لمشاريعهم في تلك البلدان مثلا ؟
-اولا نحن هاجرنا ونفينا الى بلدان ممتلئه وممتلئه جدا وهذه الدول هي الصانع الاساسي للثقافة العالمية وهي المصدر لها. ثانيا ان اغلب المثقفين العراقيين متقاطعين بعلاقاتهم ولاسباب عديدة اهمها الطاوسية التي يتمتع بها المثقف العراقي،كذالك المثقفين العراقيين يقولون مالايفعلون فتحركهم احزابهم ولا يؤمنون بالفكر الاخر. بالاضافة الى كل هذه الظروف ليس من السهولة ان تحصل على دعم لانتاج فيلم سينمائي لكن هل هذا يشمل الكل؟ بالطبع لا. فلقد حصل الكثير من المخرجين على تمويل افلامهم وبكافة انواعها من قبل منتجين اوروبيين، وانا واحد من هؤلاء، لكن لو كنا نعمل نحن المغتربين بشكل جماعي وبدون تقاطعات،لتمكنّا من الحصول على دعم كثير،لكن المشكلة اننا مختلفون فيما بيننا جدا جدا جدا. لهذا ترى نتاجاتنا قليلة ومتباعده ولها علاقه بظروف آنية سواء في الغرب او في العراق،من هنا تجد ان بعض شركات الانتاج قد انتجت افلام لبعض المخرجين العراقين وبعد ذلك قررت عدم تكرار التجربة وأعلنت إداراتها التوبة. وعلى ذلك تجد لدينا اكثر من مخرج لديهم فلم واحد فقط ! ليبقى يعيش على ذكرى هذه التجربةلمدة  30 عام،وما اكثرهؤلاء. امّا مايخص الجوائز والمهرجانات فنحن نشطون في هذا المجال ونذهب سنويا الى عدة مهرجانات سواء كانت مهمة اوغير مهم، ولااعتقد يوجد مهرجان غير مهم فكل مهرجان ماهو إلاّخطوة للامام، والجوائز في حقيقة الامر لاتعني شيء مطلقا ً لان معظمها وهذه القناعة جاءت من خلال تجربتي غالبا ماتمنح لأسباب لاعلاقة لها بجودة الفلم،فالمسألة لها حسابات أخرى، وعندما يجد اي مهرجان انّ حساباته تتلائم مع فيلم عراقي سوف نحصل على جوائز، وبالنهاية هذه قضية نسبية،لأن المهم هو ان تشارك وليس المهم الجائزة .
*اخيرا نسألك لماذا هذه العلاقة الحميمة مع الفن السينمائي ؟
-لان طفولتي كانت بالقرب من دور عرض السينما ،منها سينما الرشيد وسينما الوطني وسينما علاء الدين وسينما الشعب بسبب تواجدي الدائم مع ابي واخوتي حيث محلاتهم كانت هناك فكنت يوميا ارى فيلمين، فجذبني ذلك الصوت الجميل لماكينة العرض كذلك الضوء المنبعث من غرفة العرض والدخان المتطاير الى الاعلى حيث كنت احلم دائما بان اكون انا البطل بدلا من ابطال الافلام التي كنت اشاهدها وانا طفل، ولازلت  حتى الآن اسيرّ هذه الاجواء،الظلمة والضوء والدخان المتطاير الى الاعلى، ودائما ما كنت انام في داخل صالات العرض لاني كنت ارافق اخوتي وابي بالعمل، واود ان اقول لك شيء مهم جدا ً، انا وحتى  هذه اللحظة، عندما اتكلم وامشي وامارس حياتي دائما ماأفكر أين أضع الكاميرا، قد يكون هذا الأمرغريبا بعض الشيء،لكني بصدق اعيش اللقطه والزاوية والفن بكل لحظة، انا عاشق لضوء السينما، انا حياتي كلها عبارة عن زاوية ولقطه وفيلم، كذالك انا كنت محظوظا جدا ً عندما منحني الاستاذ قاسم حول فرصة بطولة فيلم روائي طويل وانا بعمر 17 سنة وبعدها عملت في اربعة افلام سينمائية وفي حينها كان عمري 18 سنة،كانت صوري تملاء فاترينات سينما بابل مع كبار الممثلين في ذلك الوقت،وكنت اتباهي باسمي وبموهبتي، لقد منحتني السينما كل هذا العلاقة الجميلة بالحياة،انا حياتي كلها سينما.  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


نشرت في صحيفة الزمان الطبعة الدولية السنة الخامسة عشرة العدد 4455- الثلاثاء 6 جمادي الاولى1434ه 19 من شهر اذار / مارس 2013 م .

فيلم .. حياة باي Life of pi

الذَّات .. فضاءٌ إنسانيٌ فسيحْ،لتقويض ِسُلطة ِالواقعْ

إخراج : انج لي
كتابة : دايفيد ماغي
بطولة : سراج شارما – ايرفان خان
انتاج : 2012

قراءتنا النقدية لبنية الشريط السينمائي(باي) تشيرإلى أن سردية خطابه الجمالي قد إستعارت حبكتها الدرامية من تركيبة معمارية سوَّغت حضورها القيمي عبر مقاربة حركية للبناء السمفوني،تهيكلت منظومتها البصرية والسمعية على قاعدة بنائية تآلفت فيها في أربع حركات (سريعة ،بطيئة ،سريعة ،بطيئة) ،هذا السياق الفني الذي أجترحه خطاب الفلم ابتغى من خلاله استدراج المتلقي في كثافة أزمنة ٍ متوالية (ماضي وحاضر) تعالقت فيها الحكاية في مستوياتها وارتداداتها الى مواجهة عميقة مع ذات قلقة جامحة وهي تتأمل وتنفتح على الآخرفي بؤرة مركزية فضائها براءة الطفولة البشرية في تفردها الديني المُتمَنّع عن الانغلاق والانزواء، فأنسابت حكاية الفلم لتكشف في نسقها الذاكراتي امكانية تواشج الميراث الروحي ( الاسلامي والهندوسي والمسيحي ) سعياً ً من صنّاع الفلم العثورعلى نقطة التقاء تتجلى فيها معاني الوحدة الانسانية بين البشرعلى اختلاف منظوماتهم الدينية،هذا اضافة الى ماتوفر فيه من جنوح كبير في استثمار المؤثرات التقنية ( فن الكرافيك ) في تقويض سلطة الواقع والوصول الى ابعد نقطة في استثمار المخيلة البشرية للحاسوب بإيجاد بديل رقمي تتوفر فيه كل ماتصبو إليه رؤية الفنان من صور جمالية معبأة بأنساق لونية وبصرية يكتمل حضورها الآسر في عالم كرافيكي يعجز الواقع عنها وهذا ما رشحه لأن ينتزع جائزة الاوسكار للمؤثرات البصرية .
الحركة الاولى
بعدأن إستعادت الحكومة الهندية أرضا ًمؤجرة من قبل عائلة كانت قد اقامت عليها حديقة للحيوان يضطر ربُّ الاسرة الى اتخاذ قراره بالسفرالى كندا مع جميع أفراد عائلته لغرض بيع الحيوانات مقابل مبلغ من المال يكفيهم للبدء بحياة جديدة هناك،وشاء القدرأن تغرق السفينة في عرض البحر بمافيها من طاقم وركّاب وحيوانات بأستثاء ناج ٍ واحد هو:باي الابن الاصغر للعائلة مع مجموعة صغيرة من الحيوانات مؤلفة من نمر وحمار وحشي وضبع وقرد .
بعد أكثر من عشرين عام على حادثة الغرق يأتي كاتب روايات كندي ليزور باي في بيته بكندا التي أستقر فيها،لأجل أن يسمع منه تفاصيل ماجرى ،جاء اليه بعد أن سمع بقصته قبل عدة أعوام عندما ذهب في رحلة الى الهند ليؤلف كتابا ًوهناك التقى عن طريق الصدفة في مقهى مع مدرب باي للسباحة (ماما جي) أيام كان طفلا صغيراً،كان هذا المدرب مغرما بأحواض السباحة ولايمكنه مقاومة أي حوض يراه إلاّ ويسبح فيه،لكن حوضا للسباحة في باريس بقي عالقا بذاكرته واعتبره أجمل حوض رأه في حياته وكان اسمه(بيسين موليتور باتيل) ولشدة اعجابه به أوصى صديقه والد باي أن يسمّي أسم طفله القادم على أسم الحوض ،فسمى باي(مختصر بيسين) تيمنا ً بذاك الحوض إلاّ أن خطأ في لفظ الحرف الاخير من قبل أصدقائه في المدرسة حوّل أسمه الى(بيسيج)بدلا ً من بيسين ليتحول بذلك معنى الاسم من حوض جميل للسباحة الى مرحاض هندي وسخ،فكان ذلك
يثير سخرية الاطفال منه ،بل إن المدرسين أنفسهم باتوا هم ايضا ًينادونه بالاسم الخطأ،ولم يعد يجدي نفعا كل المحاولات التي كان يبذلها لتصحيح اللفظ حتى عندما استعدَّ في فترة العطلة الصيفية بشكل جيد فجمع معلومات جمّة عن معنى ودلالات أسمه، توزعت مصادرها مابين الجغرافية والتاريخ الاغريقي الى علم الرياضيات،ولمّا إبتدأ العام الدراسي إستعرض أمام طلاب المدرسة الذين كانوا يتجمعون في قاعة الدرس مع المدرسين لمراقبته وهو يكتب المعلومات الغزيرة على السبورة بعد أن كان قد حفظها عن ظهر قلب،ولم تجد نفعا كل محاولاته تلك لتصحيح الخطأ كما لم تفلح أيضا سخرية الطلاب في ثنيه عمّا كان يبحث عنه من التصالح والتسامح بين الاديان داخل ذاته القلقة رغم صغر سِنِّه،إذ كانت موضوعة الاله المعبود من البشر بتسمياته المختلفة وفقا ًللاديان التي يمثلها هي التي قد استولت على تفكيره وأمست مصدر أهتمامه الوحيد مثلما كانت هواية جمع الطوابع ولعبة الكريكت مصدر إهتمام شقيقه وبقية الاطفال،خاصة وأن البيئة التي يقطنها كانت تتعايش فيها الديانات الهندية والاسلاميةوالمسيحية، فقد ولد(باي) في حي هندي مجاور لحي يسمىَّ بالمنطقة الفرنسية لأن من كان يقيم فيه فقط هم من الجالية الفرنسية،فيما بعد استلمتها الحكومة الهندية من البريطانين بعد نيل الاستقلال عام 1954،يجاورهذه المنطقة الجميلة التي كانت تبدو وكأنها قطعة من جنوب فرنسا حي آخر يسكنه مسلمون وآخر يسكنه هندوس،أما عن الديانة المسيحية فقد تعرف عليها باي عندما كان يذهب سنويا ً مع عائلته في العطلة الصيفية وهوفي عمر لم يتجاوز الثانية عشرة لزيارة اقارب لهم يقيمون في قرية سكانها من زارعي الشاي تقع في منطقة مونارالجبلية،ولأنه كان يشعر بالملل هناك مع شقيقه الاكبر أبتكر الأثنان لعبة تحديٍّ بينهما من باب التسلية وقضاءالوقت،تقتضي أن يذهب باي الى كنسية معزولة تقع على مسافة قريبة من القرية وأن يدخلها ليشرب من الماء المقدس،وبعد أن شرب الماء إلتقي برجل دين مسيحي طلب منه باي أن يفسر له :"لماذا أرسل الله إبنه المسيح ليدفع الثمن عن ذنوب عامة الناس ". فيجيبه القس :"لأنه يحبنا، فالاله جعل من نفسه بشريا ً ليتواصل معنا ولنتمكن من فهمه،فنحن لانستطيع أن نفهم الاله وكماله،لكننا نستطيع أن نفهم إبن الاله ومعاناته،فيما لوكنّا أخوة "
بالنسبة له كان هذا جواباً غير منطقي ! فما معنى تضحية الأبرياء للتكفير عن خطايا المذنبين !؟ . مما دفعه لأن يتسائل مع نفسه :"مانوع هذا الحب ؟ ". .لكن ذلك الابن( المسيح)المضحي تكفيراً عن خطايا الاخرين لم يستطع أن يخرجه من رأسه،وبقي يتأمله ويفكرفيه،لتستيقظ في داخلة أسئلة أخرى:" إذا كان الاله كاملا ونحن لسنا كذلك فلماذا أراد أن يخلق كل هذا؟ لماذا يحتاجنا ؟". .ليجيبه القس في زيارة أخرى :"كل ماعليك معرفته أنه يحبنا ". وكلما إستمع باي الى الكاهن خلال زياراته التي تكررت،كلما أحب إبن الاله. .يقول باي اثناء سرده لسيرته :"اهتديت لطريق الايمان من خلال الهندوسية ووجدت حب الاله عن طريق المسيح،لكن الاله لم ينتهي مني بعد،وفي إحدى المرات يمر باي بالقرب من أحد الجوامع فيشاهد المصلين المسلمين وهم يؤدون فريضة الصلاة، فيجد الاله هنا ايضا مرة أخرى وهو يقدم نفسه اليه مجدداً،ولكن هذه المرة بأسم آخر ( الله )فيدخل الى الجامع ويبدأ بالصلاة مع جموع المصلين المسلمين .هنا يعترف باي أمام الكاتب الكندي وهو يسرد له قصته في هذه المرحلة من طفولته :"رغم أن لغتي العربية لم تكن جيدة لكن الصوت والشعور بالكلمات قربتني أكثر الى الاله،وبأدائي للصلاة،أمست الارض التي كنت ألمسها بجبهتي أرضا مقدسة،كما أنني وجدت شعوراً بالسكينة والاخوية".
هذا الحوار يأتي تفسيرا ًلأول جملة كان باي قد نطق بها مع بداية الفلم عندما قال :" أفعال الفرد هي التي تحدد مصيره.
والد باي كان له أثر كبير في أن يكون له عقل متفتح ليس من السهل خضوعه لكل الحكايات والاساطيرالتي تتحدث عن الالهة،فكان يقول له ولشقيقه وهما يسمعان ويقرأن قصصا ً عن الالهة :"لاتدعوا القصص والاكاذيب الجميلة تخدعكم ياأولاد . . الدين مُظلم " فكانت ثقافته هذه جزء من ثقافة الهند الجديدة التي ولدت بعد الاستقلال، كما أنها جاءت بعد تجربة مريرة كان قد مر بها (والد باي )عندما كان طفلا مصابا بشلل الاطفال وأعتاد أن يستلقي على السرير مستسلماً محطماً وهو يتألم ويتسأل: أين الاله؟.. في النهاية الاله لم ينقذهُ، بل أنقذه الدواء الغربي.!
وفي واحد من المشاهد المؤثرة التي يستذكرها باي،عندما كان صغيراً ،مشهد كان قد جمعه سوية مع أفرادعائلتة اثناء تناول الطعام،في هذا المشهد وقبل الشروع بتناول الطعام يبدأ باي بأداء طقوس صلوات الديانات الثلاثة التي عرفها(المسيحية والهندوسية والاسلام)،وهذا ما يدفع والده لأن يقول له متندرا ًبعد أن انتهائه من اداء الصلوات :" أنت بحاجة الى أن تتحول الى ثلاثة أديان أخرى،وعندها سوف تقضي حياتك كلها في عطلة ". ثم يكمل شقيقه بنبرة ملؤها السخريةماكان قد بدأه والده من ملاحظة:"هل انت ذاهب الى مكة هذه السنة ايها المعلم يسوع ؟ أم إلى روما من أجل الاحتفال ،كالبابا بيوس ؟
والدة باي سيدة تنتمي الى طبقة برجوازية بخلاف والده الذي ينتمي الى الطبقة المتوسطة ،تحمل وعياً عاليا ً بذاتها دفعها الى معاندة أهلها والزواج ممن تحب رغم الفارق الطبقي بينهما،وكانت قد التقت به حينماجاء لتنفيذ مشروع حديقة للحيوانات داخل جزء من الحديقة العامة التي كانت هي تشرف عليها في المنطقة الفرنسية،لأنها كانت تحمل شهادة جامعية في اختصاص علم النباتات الطبيعية.
والدة باي كانت قد انتبهت ألى مايشغل ابنها من اهتمامات بعيدة تماما عن اهتمامات اقرانه،لذا كانت تقول عنه إنه :" مايزال يبحث عن طريقه".لكن والده كان يجابهه برأي آخر:"لايمكنك اتباع ثلاثة اديان في نفس الوقت،لأن الايمان بكل شيء في نفس الوقت هو نفسه كعدم الايمان بأي شيء على الاطلاق،وليس من السهولة العثورعلى الطريق ّإذا لم يخترالانسان مسارا ما، وعليه بدلا ًمن القفز من دين إلى آخر،لماذا لاتبدأ بسبب ما؟ فالعِلمٌ قد جعلنا نفهم الكون بصورة كبيرة أكثر من الذي فهمناه من الدين خلال عشرة الاف سنة،وبنفس الوقت أنا لاأفضل أن يجعلوك تؤمن بأشياء كثيرة غير متوافقة بل أفضِّل أن يجعلوك تؤمن بشيء أنا غير موافق عليه عن قبولك لكل شيء بشكل أعمى،وهذا يبدأ بالتفكير المنطقي "
إلاّ أنَّ والدته كانت تؤكد له بأن :" العلم يعلمنا فعلا اشياء كثيرة لكنه لايستطيع ان يعلمنا اشياء في داخلنا ."
يبقى باي طيلة فترة طفولته ومراهقته باحثا ًعن شيء ما يجلب له معنى لحياته،وكان لقائه بأندي الفتاة الجميلة التي تعرف اليها في حلقة لتعلم الرقص الهندي التقليدي الذي هو جزء من طقوس العبادة الهندوسية التي يعبد فيها أكثر من 33 مليون إله،عندما حلَّ باي مكان معلمه الذي كان يدرسه الموسيقى بالعزف على آلة الطبل والذي غاب في أحد الايام ليكتشف حقيقة مهمة من خلال ماكانت تقوله مدربة الرقص من أنَّ "عدم التركيز لن يُمكِّن الانسان من التعبيرعن حبه للأله من خلال الرقص،وعلى الراقص أن يشعر بالارض تحت أقدامه،وأن يفتح نظرَه للافق،وأن يدع الطاقة الروحية تمر من خلاله الى العالم في أي مكان وكل مكان."
تأتي لحظة التحول الكبرى في حياة العائلة المستقرة بعملها الناجح في ادارة حديقة الحيوان عندما يقررمجلس المدينة إيقاف الدعم للحديقة واستعادة الارض المؤجرة لهم،فيقررالاب مغادرة الهند الى كندا ليبيعوا الحيوانات هناك. . وبعد مشهد ِوداع ٍوحيد لحبيبته لن يحظى بمثله بعد ذلك مع كل احبتة الذين سيفقدهم فيما بعد في رحلته،يرحل باي على متن باخرة يابانية مع عائلته إضافة الى الحيوانات .
ترحل السفينة اليابانية لتمرَّ في أعمق نقطة في البحر بالقرب من أحدى جزرالفلبين،وهنا تأتي عاصفة رعدية هوجاء في تمام الساعة الواحدة وخمس عشرة دقيقة بعد منتصف الليل بينما كان الكل نيام بأستثناء باي ،الذي يجد نفسه مندفعا بفرحٍ الى سطح السفينة،مستهينا بالبرق والرعد والعواصف، وغير مدرك لخطورة مايجري من حوله، فيواجه البحرالهائج برقصة بريئة يعبِّرفيها عن دهشته وفرحته بما يرى،وماهي إلاّ لحظات حتى تبدأ أمواج البحر بأغراق السفينة،فيجبره طاقمهاعلى النزول في قارب إنقاذ صغير سرعان ما ينفلت الحبل الذي كان يربطه بالسفينة لتأخذه الامواج الهائجة بعيدا ًعنها وليجد نفسه وحيدا ً وسط البحرمع حمار وحشي وقرد وضبع ونمرٍ متوحش،ومن بعيد يرى السفينة تغرق ويبتلعها البحر بكل افراد عائلته ولم يتسنى له فرصة توديعهم .
الحركة الثانية
في هذا الجزء من الفلم يعيش باي رحلة قاسية وموحشة لم تكن تخطرعلى باله يتداخل فيها الحلم مع الواقع فكانت :إختباراً لكل ماكان يبحث عنه وامتحانا ً صعبا ً لأرادته وشجاعته وضعفه وانسانيته وهو يواجه أخطارا ً شتى في عرض بحرهائج وحوله عدد من الحيوانات المتوحشة التي تبدأ صراعا ًعنيفا مع بعضها من أجل البقاء حتى يتمكن النّمر من افتراسهم جميعا ليبقى بمواجهة مع باي .
هنا لم تعد تجدي نفعا ًصرخاته في حلكة الليل وسط بحرهائج ولاكلمات الاعتذاروالاسف من والديه .
في هذا الجزء المهم من الفلم يلعب فن الكرافيك دورا ًكبيرا ًفي صنع بيئة ساحرة بواقيعتها وجمالها وتكويناتها وألوانها، تتألف مفرداتها من سماء وغيوم وبحر وقارب وليل ونهار وأمواج ومايختزنه البحر من أسماك صغيرة وكبيرة،فكانت عملية صنعها متقنة جدا ً،عكست ماتوصل اليه فن الكرافيك من أمكانات هائلة لاحدود لها في خلق ماكان يبدو مستحيلا الى فترة قريبة ً، فبعد فلم (300 محارب) للمخرج زاك سنايدر إنتاج عام 2007 وبكلفة قيمتها 65 مليون دولار عن رواية للكاتب فرانك ميلر والتي كانت معظم مشاهده بما فيها المعارك قد تم تصويرها داخل الاستديو أمام شاشات خضراء ليتسنى بعدها لطاقم الكرافيك من مسحها وإحلال مكانها كل الديكورات والامكنة التي تجري فيها الاحداث،فكان هذ الفلم بداية جريئة وثورية في تاريخ السينما المعاصرة تبعته بعد ذلك تجارب أخرى، فأصبحنا في حيرة من امرنا ّلم نعد نستطيع التمييز في مانراه على الشاشة هل هو عالم كرافيكي أم أمكنة طبيعية؟ بما ذلك مفردات فلم باي (السفينة والبحر والنمر والقرد والضبع والحمار الوحشي والجزيرة والغابات والينابيع ) إضافة الى جمالية الالوان والصورة والتكوينات التي كانت في غاية البذخ والسحر، فكانت أقرب الى الخيال منها الى لوحات انطباعية .
في هذه المرحلة من الصراع وسط البحر يبدأ باي بتسجيل مذكراته عن المشاق التي بدأ يواجهها دفاعا عن وجوده وحياته وعن حقيقة الاله الذي لم ينسه في خضم هذه المحنة، بل بقي يبحث عنه ، وفي لحظة عاصفة يجد نفسه يخاطب السماء :" أيها الاله أنا أهبك نفسي،أنا خادمك،أيّا ً كان ماسيأتي، أريد أن أعرف "
كانت هذه الجملة إختصارا لمحتوى الشخصية الرئيسية التي كانت تبحث عن المعرفة وسط ثقافة دينية متنوعة ومختلفة تتعدد فيها تسمية الأله الذي يعبده البشر وصولا الى الطمأنينة والسعادة .
رحلة التأقلم مع البحر بدأت عندما باي بقراءة كتيب صغيرعثرعليه بين صندوق أغذية معلبة وجده في زاوية من القارب،كان الكتاب عبارة عن مجموعة من الارشارات والنصائح لمن يجد نفسه وحيدا ًفي عرض البحر فكانت تنصحه بأن يبقى منشغلا،وأن يتجنب المجهود الغيرضروري،لذا عليه أن يُشغِل العقل بأوراق اللعب أوالاجابة عن العشرين سؤال الموجودة في الكتاب أوالغناء، بأعتباره طريقة آخرى لرفع الروح المعنوية،وقبل كل شيء أن لايفقد الامل،وفي ذروة الصراع الشرس بينه وبين النمر، يبدأمرحلة ترويضه ويفلح في ذلك،ليصل الى نتيجة مفادها :"لولا وجود النمر لما شعر بالطمأنينة والسلام".
ثم تأتي عاصفة قوية يجد فيها باي نفسه وكأنه يرى وجه المسيح وسط البرق والرعد والمطروالغيوم الكثيفة والبحر الهائج، فما كان منه إلاّ أن يخاطبه :"أيها المسيح أنا أحتاجك،أيها الاله،اشتقت لكلماتك،أيها الرحيم العطوف ". . كان باي فرحا جدا ًساعتها،حتى أنه بدأ يخاطب النمر :" أخرج من مخبئك لترى كم هو جميل،إستعد لقد جاء من اجلنا ". . لكنه عندما يجد النمر خائفا جدا ً يشفق عليه فيبدأ بمخاطبته محتجاً .:" لماذا تخيفهُ، لقد خسِرتُ عائلتي .. انا أستسلم .. ماذا تريد غير ذلك "

الحركة الثالثة
في هذا الجزء من الفلم يصل باي الى غابة خضراء هي أقرب الى صورة من الخيال منها الى الواقع،بقعة لايتواجد عليها بشر، فقط اشجار وأعشاب وبرك مياه عذبة وأعداد هائلة جدا من حيوان صغيرأليف أسمه السرقاط وليكتشف باي بعد ذلك،أن اشجارالجزيرة ليست سوى أكلة ٍللحوم البشر، وأن كل ماموجود على الجزيرة خلال النهارمن مياه عذبة يتحول في الليل بفعل مادة كيميائية الى حوامض تحلل الاسماك،كما أن صوت حيوانات السرقاط المخيف يدفع النمرإلى أن يجري هاربا نحو القارب ليبيت فيه طيلة الليل مقابل الجزيرة، وعندما أراد باي أن يأكل ثمرة إحدى الاشجار إكتشف سناً ً بشريا ً داخلها ولم يكن سوى سن إنسان مسكين تائه مثله،وجد نفسه على الجزيرة في يوم ما فأعتقد متوهما ًبأنه سيبقى حيا ًالى الابد في هذا المكان، لكن ماأعطته أياه الجزيرة في الصباح أخذته ليلا .
وكأننا هنا أمام احدى حكايات الف ليلة وليلة لاعلاقة لها بالمسار الواقعي الذي ابتدأت به حكاية الفلم . وهذا جزء أساسي من حبكة الفلم الجمالية التي زواجت مابين الحلم والواقع والذي يلتقي مع طبيعة باي الشخصية الرئيسية للفلم التي تحيا في منطقة متأرجحة مابين الواقع واحلامه التي تنأى به بعيدا جدا فتتوحد فيها البشرية بأديانها وطقوسها .
يواصل باي حديثه للكاتب الكندي فيقول :" لم احتمل أن أموت رغم الوحدة التي سأقاسيها،لذا كان علي أن أعود الى العالم أو الموت مُحاولا ً". ليكتشف بعد تجربة السِّن الذي عثرَ عليه،أنَّ الاله حتى بعدما تخلى عنهُ كان يراقبه ويدعمه،وعندما كان قد فقد الأمل بالنجاة أعطاه الدعم وأعطاه إشارة لكي يتابع رحلته.
يصل باي بقاربه إلى الساحل المكسيكي خائرالقوى،وينزل النمر بهدوء على رمل الساحل متجاوزا ً باي المطروح على الساحل ،متجهاً نحو الغابة دون أن يلتفت إليه، وليختفي إلى الابد، ولم يتسنى لباي توديعه هو الآخر كما حصل مع بقية افراد عائلته.
وما أن يصحو من غيبوبته بعد أن يتم العثورعليه من قبل الصيادين حتى يبدأ في البكاء كما لوأنه طفل صغير ضائع وليس ذاك الشاب الشجاع الذي واجه البحر والعواصف،لذا يقر باي أمام ألكاتب بما كان والده قد قاله له:" النمر لم يكن صديقا لك لتقترب منه " جاء حديث والده هذا بعدما كان باي قد تسلسل دون علم والده برفقة شقيقه الاكبر،وذهب الى قفص النمرفي الحديقة، محاولاً إطعامه قطعة لحم، فأمست المسافة قريبة جدا بينهما وأمسى الموت قريبا جدا منه كذلك . .
ماترك فيه من أثر مؤلم هو:عدم وجود فرصة لقول كلمة ،وداعا، "أنا أشعر بالألم لأنني لم أتمكن من شكروالدي على كل ماتعلمته منه،ولأخبره أيضا ،أنني بدون دورسه التي علمني أياها لم اكن لأنجو أبدا ً، أعلم أنه ليس سوى نمر، لكنْ ، كنت أتمنى أن أقول له شكرا ًلقد نجونا ، شكرا لك لانقاذك حياتي ، انا احبك، ستكون معي، لكنني لاأستطيع البقاء معك "
كثافة الجمل الاخيرة هذه تحمل جوهرالافكارالانسانية العميقة التي حملها خطاب الفلم،بدعوته الصريحة الى المحبة العميقة بين بني البشر رغم تعدد اديانهم،ولن تكون عقائدهم المقدسة عائقا لتفاعلهم وتواصلهم مع بعضهم ومع كل الموجودات التي تحيط بهم إذا ما ولدت الرغبة الحقيقة والصادقة الى ذلك ولن تمنعهم أديانهم من العيش معا متألفين منسجمين حتى وإن كانت لاتتشابه مع بعضها في تسمية الاله والطقوس التي يتعبدونه فيها فالذات الانسانية أوسع من أن تكون سجينة فكرة واحدة .
الحركة الرابعة والاخيرة
في هذاالجزء يصل وفد مؤلف من شخصين يمثل الشركة اليابانية المالكة للسفينة التي غرقت الى المستشفى المكسيكي الذي يرقد فيه باي لمعرفة ماجرى. . وبعد أن يستمعوا لتفاصيل القصة التي يرويها لهم باي بكل تفاصيلها التي حدثت لم يصدقا ماسمعاه، وأعتبروا كلامه خاليا من المنطق :" نحتاج الى قصة أبسط ". لذا طلبوا منه أن يحكي لهم قصة أخرى اكثر قبولا ومعقولية لدى المسؤولين في الشركة عندما يرفعا التقرير إليهم، ومابين دهشته من هذا الكلام وحزنه العميق على عائلته التي فقدها،لم يجد بدا ًمن تأليف حكاية أخرى لاتقل غرابة عن الاولى تتوفر فيها تفاصيل مؤلمة تحكي عن وحشيةالبشروقسوتهم ومايمتلكونه في داخلهم من عنف ورغبة في القتل عندما يوضعون في ظرف ما،فبدت هذه القصة معقولة ومقبولة لدى وفد الشركة .
وبعد أن ينتهي باي من سرد حكايته للكاتب الكندي يلتفت اليه ليقول له :"
أخبرتك قصتين، فمالقصصة التي تفضلها أنت ؟ .فيجيب الكاتب بعد أن يذرف دمعة على خدِّه :"إنها القصة الاولى .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




عرض كتاب ..

سينما الواقع ..دراسة تحليلية في السينما الوثائقية
للناقد كاظم مرشد السّلوم .

                                                     مروان ياسين الدليمي

السينما الوثائقية شكل تعبيري جاء حضوره مبكرا ً مع بداية الفن السينمائي عبّر من خلاله الرواد الاوائل عن رصدهم لجوانب وصور من الحياة اليومية، فكان هذا النمط الفني في مقولاته الجمالية متصدياً للواقع المعاش بكل صوره المرئية.وباتت الافلام الاولى التي تم انتاجها على يد عدد محدود جدا من المغامرين امثال فيرتوف وثائق تاريخية تضاف الى بقية اشكال الوثائق الاخرى كالصحيفة والكتاب والمخطوطة عادة  مايعود اليها الدارسون من اجل قراءة جوانب معينة لفترة زمنية محددة . وباتت تتعاظم اهمية الافلام الوثائقية يوما بعد آخر لدى عموم المتفرجين اضافة الى اهميتها لدى الدارسين..عن هذا الشكل السينمائي جاء الاصدار الجديد "سينما الواقع دراسة تحليلية في السينما الوثائقية "  للناقد السينمائي العراقي كاظم مرشد السّلوم، وقد صدر في نهاية العام 2012 عن دار ميزوبوتاميا بالاشتراك مع مكتبة عدنان للطباعة النشر والتوزيع ودارأفكار للدراسات والنشر. . تقديم  الكتاب جاء بكلمة تحت عنوان ( الفكرة لا الحبكة ) كتبها د. عقيل مهدي عميد كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد ،يقول فيها :" بخلاف الحبكة الروائية،والعالم الموازي التخيلي،الذي يمكث فيه الفلم الروائي إزاء الواقع تنتظم عناصر الفلم الوثائقي بصورة موثقة للواقع الموضوعي المعاش نفسه بمنهجية علمية تنشد الجمال بطريقتها الخاصة في التعبير الفني من خلال الفلم بوصفه خطابا عن افكار المخرج المتفاعلة مع العصر وإعلاء اللحظة اليومية المعاشة الى مستوى تأريخي مستقبلي ببراعة صنعته التقنية،فالمخرج يوظف ثقافته الخاصة بإطارها الاجتماعي والحضاري والمادي بعدأن امتلك الحرفة السينمائية ولغتها المميزة ومادتها الواقعية في فلمه الوثائقي" . .
فهرس الكتاب تضمن اربعة فصول سبقها مقدمة قصيرة بأربعة صفحات  بقلم المؤلف قدم فيها فكرة موجزة عن طبيعة هذا الجنس السينمائي مع ماجاء من تعريفات مختلفة على لسان ابرز من قدم هذا النوع من الافلام مثل جريرسون رائد السينما الوثائقية الذي يقول عن الفلم الوثائقي بأنه   :"معالجة الاحداث الواقعية الجارية بأسلوب فيه خلق فني " . كما لايفوت المؤلف أن يذكر تعريفات اخرى وردت على لسان نقاد اخرين مثل هيلا كولمان ومنى الحديدي،ليصل بالنتيجة الى تثبيت فهمه الخاص للفيلم الوثائقي يؤطره في تعريف محدد :" شكل متميز من النتاج السينمائي يعتمد بشكل اساسي على العلاقة بين صانع الفيلم والواقع الحقيقي،من خلال رؤيته وتحليله للواقع باعتماده شكلا فنيا في تناوله لهذا الواقع ". ويتوقف السَّلوم امام التعريف اللغوي لكلمة الواقع المشتقة من الفعل (وقع ) الشيء، ومنه يقع وقعاً ووقوعاً.. الخ ليصل هو الى التعريف الاقرب كما يتصور في اطار موضوع الكتاب هو  :"المادة الاساس المتوافرة في المعطى الحياتي والذي يتم توظيفه بكيفيات وآليات متنوعة داخل بنية الفيلم الوثائقي ليصبح الواقع بمظاهره الفيزياوية انعكاسا فنيا ً وتمثلا لصوره الفيزيائية ".
الفصل الاول يبدأمن صفحة ( 15- 43  )وقد جاء تحت عنوان "فلسفة الحقيقة والواقع في الافلام الوثائقية". هذا الفصل يتناول مفهومي الحقيقة والواقع في اطار الفلسفة على اعتبار أن صانع الفلم هنا عندما يتناول الواقع يقصد اظهار أوالوصول الى الحقيقة وفقاً لقناعة فلسفية ينطلق من خلالها في رؤيته لهذا الواقع الذي هو "مرجع الحقيقة، فكل ماهو واقعي هو حقيقي " . ويشير السلوم في هذا الاطار إلى أن "السينما الوثائقية من حيث المبدأ هي وثيقة عن الحياة والواقع تتجسد مادتها عن طريق العكس أو التصوير المباشر لهما ". كان من المنطقي أن يمر مسارالسينما الوثائقية بتحولات مهمة في المفاهيم في مايتعلق بعلاقتها وتعاملها مع الواقع فيذكر المؤلف في هذا الفصل اتجاهان حكما هذا التطور في المفهوم :" الاتجاه الاول يرى أن "السينما التسجيلية مرآة تعكس الواقع من دون تدخل المخرج أو الممثل وعبّر عن هذا الاتجاه منظرون كبار مثل الالماني (زيغفريد كراكاور والفرنسي انريه بازان) والاتجاه الثاني ينظر الى الواقع لابوصفه هدفاً بل كطريق للوصول الى الهدف وهو التعبير الفني عن الواقع من قبل الفنان ولكن من خلال مادة الواقع نفسه التي تُستخدم كوسيلة وليس كغاية بحد ذاتها وابرز منظري هذا الاتجاه هو المخرج دزيغا فيرتوف ". وهنا يذكر المؤلف مثالا مهما عندما قامت احدى الشركات السينمائية بتكليف 11 مخرجا من 11 بلدا لعمل فيلم من 11 دقيقة عن حادثة الحادي عشر من سبتمبر كل بمفرده وبحسب رؤيته للحدث تاركة لهم حرية الاختيار وبحسب تجربة وحس وخلفية المخرج الثقافية والتاريخية والفنية".
الفصل الثاني من الكتاب جاء بعنوان "الانواع الفلمية للسينما الوثائقية وأشكال تناولها للواقع ".وفي هذا الموضوع يورد الكتاب تصنيفيا نوعيا متنوعاً ومتعددا ومختلفا لعدد من المخرجين الكبار في عالم الفلم الوثائقي، ولكن على الرغم من هذا التنوع في التصنيف لكن هنالك مشتركات واضحة كما حددها رائد السينما الوثائقية جون جيريرسون وهي :"المستوى الاول وهو مستوى ادنى ويشمل الجرائد والمجلات السينمائية والافلام التعليمية والعلمية وهي تفتقر الى البناء الدرامي وتعتمد على الوصف والعرض حيث تعتمد على الاستطراد . والمستوى الثاني وهو مستوى أعلى يُطلق عليه الافلام الوثائقية وتقدم خلقا فنيا يمكن أن يبلغ مراحل الفن العليا وابراز المغزى الذي ينطوي عليه خلق هذه الاشياء ". ويستعرض الكتاب في هذا الفصل الاسس التي يقوم عليها الفيلم الوثائقي في تناوله للواقع وهي : المقابلات الشخصية،الارشيف،استخدام الممثلين،الصورالفوتوغرافية ،الرسائل والمذكرات،استخدام برامجيات الحاسوب. .كما يتطرق ايضا في هذا الفصل الى عناصر تناول الواقع في الفيلم الوثائقي والتي هي: 1- السرد الفلمي ( موضوعي وذاتي ) وتكون آلة التصوير هي الاداة الرئيسية في السرد ". ويقول المؤلف هنا:"السرد في الفلم الوثائقي يعتمد على النقل المباشر ومتابعة الفعل في فضاء المكان وهذا مايجعله حريصا على اعتماد الحاضر في نقل الاحداث من دون الغور في ارتدادات ذاتية قد تمثل وجهة نظر صانع العمل أكثر من الشخصيات المشاركة في الفيلم " 2-التصوير 3- المونتاج 4- المكان 5- الزمان 6- الصوت (الموؤثرات الصوتية +الحوار واللقاءات +الموسيقى +الصمت )7- الشخصيات . . كما يستعرض هذا الفصل صورة أو شكل البطل في الفلم الوثائقي وهوبالضرورة " ليس شرطاً أن يكون شخصية بل من الممكن أن يكون المكان والدافع بكامل شخوصه ". وهنا يشير المؤلف الى النقاط الثلاثة التي حددها كارباج لاختيار البطل في الفيلم الوثائقي وهي :"1- وضوح الحالة إذيتوجب على صانع الفلم أن يتمكن من توضيح القضية وافهامها للبطل ليعرف من اين يبدأ ،  2- العلاقة الحميمة، فكلما كانت العلاقة اكثر حميمية مع البطل نتج عن ذلك بوح بخفايا الموضوع ،3-  الصّبر ،ويعني أن يمتلك صانع العمل الصبر في الاستماع والتوغل في عينة البحث .
ويتطرق هذا الفصل ايضا الى أتجاهات الفيلم الوثائقي وهي : الاتجاه الواقعي ، الرومانسي ،السمفوني ،أتجاه السينما عين . . . ويصل المؤلف في هذا الفصل الى التطرق لموضوعة الاشكال الاساسية التي يتم من خلالها تناول الواقع فنيا في بناء الفلم الوثائقي وهي : الشكل الاول :إعادة بناء الوثيقة (إعادة بناء الحدث ) الشكل الثاني : الملاحظة الطويلة في متابعة جميع مايحدث امام الكاميرا من دون انفقطاع . لمدة طويلة من الزمن . الشكل الثالث : المعايشة والتخطيط قبل الشروع في عملية التصوير. الشكل الرابع : السينما عين ،وقد ارتبط هذا الشكل الاخير بتجربة (دزيغا فيرتوف ) .
يأتي الفصل الرابع تحت عنوان (السمات الجمالية للأفلام الوثائقية ) ليشير الى حقيقة اساسية تؤكد" امتلاك السينما للتأثير الجمالي منذ لحظة ولادتها وقد ضمن لها هذا التوجه الجمالي القدرة على التأثير لأن النتاج الفني الخالي من التأثير الجمالي يبقى في حدود المنفعة المباشرة ". وبعد أن يستعرض الكتاب مفهوم الجمال فلسفيا ونفسيا يتطرق الى طبيعة ماجاء به المؤسسون الاوائل للفلم الوثائقي من مفاهيم جمالية حيث عدّالبعض منهم أن التعامل مع بعض عناصر اللغة السينمائية انما هو تدخل في الواقع الذي تشتغل الافلام الوثائقية عليه خاصة بعد التوصل الى مفاهيم ثورية في فن المونتاج الذي منح اللقطات معنى آخرعند ترابطها مع بعضهااضافة الى الافادة الكبرى من التطور الحاصل في الات ومعدات التصوير والذي اضاف كما يشير الكتاب الى الافلام الوثائقية الكثير من السمات الجمالية لذا لم تعد وظيفة الفلم الوثائقي نقل الواقع بقدر ما تعدى ذلك الى خلق عالم جديد انساني حقاً . ثم يتعرض الكتاب الى الفروقات الجمالية مابين الفلم الوثائقي المنتج للتلفزيون والفلم الوثائقي المنتج للسينما فمنها ماله صلة بالفرق بين حجم شاشة العرض ومنها مايتعلق بخصوصية العرض في صالات السينما عنه في البيت ومنها مايتعلق بأهتزازات الكاميرا في الفلم الوثائقي والتشوهات في الصورة والتي تعد سمات جمالية خاصة به تأتي من طبيعة الاثارة التي تحدثها لدى المتلقي بسبب من مصداقية مايجري امامه كما إن عدم الاهتمام بالموازنة داخل الفيلم يعد ايضا سمة جمالية وفارقا كبيرا بينه وبين الفلم الروائي كما أن المؤثرات الصوتية الطبيعية والحقيقية هي ايضا سمة وخاصية جمالية للفيلم الوثائقي،وهنا لايفوت المؤلف الاشارة الى الفلم الوثائقي الذي يستخدم الممثل ويطلق عليه ( الدوكودراما ) وبداية ظهور هذا النوع في فيلم ( المانيا تحت الرقابة ) للمخرج البريطاني روبرت بار،والذي يرى أن :"استخدام الممثل في السينما التسجيلية يمثل نوعاً من الاثراء للافلام التسجيلية".
أما الفصل الرابع من الكتاب فقد جاء تحت عنوان ( التطبيقات ) ويقول السّلوم هنا :"حاولنا في هذا الفصل اختيار عينات تمثل اشكال متنوعة من عملية تناول الواقع في الفيلم الوثائقي ....." وقد اختار السلوم اربعة افلام يراها نماذج معبرة ومتنوعة عن الفلم الوثائقي والافلام هي : (الارض) للمخرج الستر فوتريل وهو من انتاج ال بي بي سي . وفلم (القرار الاخير) للمخرج أنور الحمداني . والفلم الثالث هو (أبيكليبس ) أو الحرب العالمية الاولى وهو من انتاج ال بي بي سي والفلم الرابع والاخير ( عالم الطيور ) وهو سلسلة تقارير شاملة عن حياة الطيور وهو من انتاج مايك سيبليري .
ينتهي الكتاب بخاتمة استخلص فيها المؤلف اشكال واسباب التنوع في الفيلم الوثائقي والتي يجملها في اربعة نقاط  :"1- شكل المعايشة 2-شكل الملاحظة 3-شكل البناء المونتاجي 4-شكل اعادة بناء تمثل الواقع  .
عموما الكتاب اضافة مهمة للمكتبة السينمائية التي تفتقر الى دراسات تتسم بالجهد البحثي الذي تتوفر فيه الاشتراطات العلمية ،والسلوم ناقد سينمائي من مواليد بغداد يحمل شهادة ماجستير سينما من جامعة بغداد كلية الفنون الجميلة وعضو في اتحاد الادباء والكتاب العراقيين ونقابة الفنانين واتحاد السينمائيين ونقابة الصحفيين ورئيس ملتقى الخميس الابداعي في اتحاد الادباء والكتاب العراقيين ويكتب النقد السينمائي في العديد من الصحف والمجلات العراقية والعربية، وفي مسيرته الفنية ثلاثة افلام تولى اخراجها وهوالان يعمل معداً للبرامج الثقافية في القنوات الفضائية . 










ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ







نشر في مجلة إنانا العدد الثالث تموز .. اب .. ايلول . 2012

الفنانة هند كامل في حوار صريح :

       العمل الدرامي العراقي يقف في اللامكان !
 

                                  حاورها : مروان ياسين الدليمي

ليست كل العناصر النسائية العراقية التي عملت في ميدان الفن الدرامي استطاعت أن تبقى في ذاكرة المتلقي ، متوهجة،  في مساحة زمنية واسعة ، رغم ان البعض من تلك الاسماء،  كانت تحرص على الحضور بشكل دائم على الشاشة،  في أغلب الاعمال ، دون حرص ٍ منها على أختيار ما تواجه به الجمهور . بينما البعض الاخر،  كانت تُقنن حضورها على الشاشة ، بأختيارها هي ، سعياً منها ، لأن تبقى محافظة على رصيد المحبة والاحترام ، الذي كسبته من جمهورها ، نتيجة حرصها ،ودقتها في اختيار مسار فني رصين يليق بها ، كما يضع الفن في إطار مسؤوليته الجمالية ، والفكرية أولا ًوآخرا ً، من غيرأن تُعيرأهمية لايّة أعتبارات أخرى قد يجني الاخرون منها شهرة سريعة أومالا ً كثيراً . كل هذا ينطلق من درجة الثقافة التي يكون عليها الفنان ، فكلما كان حريصا على القراءة والمتابعة الدائمة لكل ماهو جديد في عالم الفن والثقافة والفكر ، كلما نمت موهبته ، وتجددت قدراته التعبيرية ، وعرف كيف يخطو دائما الى الامام . هند كامل ، فنانة عراقية تقف على أرض صُلبة منذ انطلاقتها الاولى في السهرة الدرامية  المُميزة (رائحة القهوة ) بمشاركة الفنان قاسم الملاك ، قبل اكثر من عشرين عاماً .  هذا التألق في الحضور، والفاعلية ، لم يأتي من فراغ أو نتيجة لضربة حظ عابرة ، فبالاضافة الى ماتوفر لديها بالفطرة من موهبة وذكاء، عملت هي بجد وحرص كبيرين على استثمارماتملكه من  قدرات بالشكل الصحيح،  فكانت حريصة على تنمية ثقافتها،  بقراءات جادة في الشعر والادب والفن ، من هنا كان تميزها واتساع رصيدها من المحبة والتقدير لدى الجمهور . .. ولانني كنت زميلاً لها على مقاعد الدراسة في كلية الفنون الجميلة لمدة أربعة أعوام ، فقد عرفتها عن قرب،  وعرفت الجوانب الانسانية التي تتحلى بها،  ومدى الحرص الذي تتمسك به ، من أجل أن تكون في الموقع الرصين،  الذي يعكس صورة مشرقة عن الفنان وشخصيته وتطلعاته الجميلة لصنع الحياة ، ولما أردت أن اجري حوارا مع شخصية نسائية متميزة في الحقل الفني حتى حضرت في ذهني مباشرة صورة الفنانة هند كامل ذلك لانها نموذج للفنانة  المعاصرة المنفتحة على الحياة بكل جدية وتواضع ملفتين من هنا كان هذا الحوار معها .

*مالذي يجعلك تنتمين الى العمل الفني . ؟ هل هي حالة الوهم التي يقوم عليها العمل الفني ؟ ام  تحقيق لحالة من التوزان النفسي مع العالم ؟ 
-لا أخفيك ،الحالتين مجتمعتين مع بعض...ولربما الشطر الآخر من الجواب هو أكثر قربا الى نفسي،،بالتأكيد هذا الفرز أتى متأخرا ،،يعني عندما نضج المفهوم الاحترافي لدي.
*انت تشاركين بشكل فعال منذ اكثر من ربع قرن في الدراما العراقية مالذي تجدينه قد تغيرفيها من حيث الشكل أومن حيث الموضوعات المطروحة ؟ 
-كل شيء تغير! لأن العمل الإبداعي فنا ًوتأثيراً لا يمكن فصله عن المتغيرات السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي تنتج عن المتغيرين السابقين. وبالتالي ستنتج عنهما فن وثقافة بمفاهيم جديدة ــ بغض النظر عن جودتها أو تخلفها ـــ لمتلقي بذوق  آخرجديد غير منفصل عن الواقع الذي يعيش فيه ، مثلاً أنا لاحظت حرية كبيرة في طرح عدد من الموضوعات ، على مستوى المضمون بغض النظر عن الجودة  الفنية ! كذلك ، لاحظت أن كثرة الفضائيات أدى الى تنافس شديد، وبالتالي اصبح هناك كثرة في الانتاج ايضا، بغض النظر عن النوعية ، لكن الشيء الوحيد الذي بقي على حاله ،هو الوضع المادي المتردي لشريحة الممثلين ،كما ظهرت أو لنقل تعاظمت قضية الاستسهال الفني على كل الاصعدة، لكن هذا لا يمنع وجود اسماء محترمة ، تتسم بالجدية والمثابرة الفنية والفكرية  ،كما ظهرت  أعمال تستحق الاحترام وتنتمي الى مفهوم العمل الابداعي.
*اذا اردنا ان نعقد مقارنة مابين العمل العراقي الدرامي والاعمال العربية ( مصرية وسورية ) كيف يمكن ان تري الصورة انت ؟
-العمل العراقي يقف في اللامكان. نعم في اللامكان ، وشرح ذلك يطول ، لان الفن ، لعبة ابداعية وبصرية وفكرية ، والذي يمتهنها عليه ان يكون كالحاوي او الساحر،  الذي يوهمك بالمستحيل ، لكنه في الحقيقة واقع بسيط مع مهارة عالية  .
*هل من اعمال عراقية  شاركت بها كان لها تأثير واضح على مسارك الفني ؟
-كل ما قدمته منذ بدايتي كممثلة اذاعية بعمر ١٦ سنة حتى هذه اللحظة هو مهم لي ، وكان مؤثراً بحضوره ، بالتأكيد هناك أعمال أكدت موهبتي عند جمهوري الأهم . وأقصد  الجمهور العراقي،  مثل ،تمثيلية رائحة القهوة التي اخذت جائزة التمثيل والاخراج في مهرجان الخليج  للتلفزيون، كذلك الذئب وعيون المدينة ، المرايا، نساء في الذاكر ،رجال في الذاكرة، الذخائر ، الجرح، الهاجس، قضية عبدالله  س ،  إقتفاء أثر..  وبالتأكيد كل الافلام السينمائية ،مثل فلم :  حيث لم يقف القطار طويلا ، والحدود الملتهبة، وليلة سفر، بابل حبيبتي ،والفلم الجديد( بغداد ..حلمي الوردي) ..تأليف الروائية ميسلون هادي،وسيناريو واخراج فيصل الياسري مع دائرة  السينما والمسرح ، كمحاولة جادة للنهوض من جديد بواقع السينما العراقية،
*ماهي مصادر الوعي والثقافة لدى هند كامل ؟
-والدي ،والدتي ..العائلة ، القراءة المبكرة،تحمل المسؤولية في عمر مبكر،  لكوني الابنة  الكبرى في عائلتي والمدللة في ذات الوقت ، والتي الكل يُنتظر منها الافضل والنجاح والتميز..  الوعي المبكر استمدته من  جدتي {والدة ابي} التي كانت تعيش في بيتنا الكبير ،بيت بابا ، ابنها الاكبر،كانت سيدة أميّة اي لاتقرأ ولاتكتب لكنها ذات وعي عالي جداً  بالحياة،  وبالمفهوم الاجتماعي ، وفهم الآخر بإنسانية عالية الجناب،،والدتي دون شك ساهمت بشكل كبير في توجيهي ، كذلك كان الكتاب المفردة الاولى في البيت والحياة ، هذا اضافة الى المنافسة في تطوير الذات حيث كانت هديتي عندما تخرجت من الابتدائية هو سلسلة كتب المعرفة أهداني اياها والدي الذي كان يحمل فكراً بغداديا متحضراً ،  وترافقه ثقافة أميريكية نتيجة دراسته الجامعية في أميركا خلال  منتصف خمسينات القرن الماضي فكان حضوره بمثابة  الحجر الاساس في دعمنا جميعاً وخصوصا وقوفه الى جانب والدتي الممثلة فوزية الشندي ، كذلك كان هو الحامي لنا،  أنا وأختي هديل ، بثقته العالية وإيمانه بنا ، وبدور المرأة المهم  في بناء الحياة.
*لمن تقرأين من الكُتّاب ؟ 
-للكل وفي كل شيء....ونقيضه
*الممثل العراقي هل من ملاحظات على طبيعة اداءه بالمقارنة مع اداء الممثل العربي .؟ ومالذي ينقصه لكي يكون بنفس المكانة والتأثير الذي يمتلكه الممثل االعربي ؟
-الموهبة موجودة .لكن الوعي والحضور والثقافة السلوكية والمهنية! في بعض الاحيان أهم من الموهبة،وأن ينتمي الى العصر الذي يعيش فيه،ويراقب الآخر ،واقصد بالآخر ،أنداده، والاشتغال على الذات ،والمثابرة ،والاستعداد الدائم لكل ادوات الممثل الظاهرة وغير الظاهرة.والتخلص من الغنائية في الاداء واللاتلقائية والابتعاد عن المباشرة في الأداء...
*ماهي مكانة فيصل الياسري الفنان في مسيرة هند ؟
-فيصل الياسري...ساهم في نوعية ومستوى الاعمال التي عملت فيها معه والتي تميزت بفكرها العالي ،ساهم بشكل واضح في زيادة رقعة وعي ومفاهيمي حول الفن،وودفعني للاشتغال بمثابرة أعلى على نفسي كممثلة،وعلى مفهوم التمثيل وتقمص الشخصيات بعمق أكبر،لان الادوار التي لعبتها في اعمالنا المشتركة كانت تتطلب مستوى آخر من التناول لمفهوم التمثيل الذي اعتدنا عليه،وبالتأكيد اعتمادا على الاسس التي هي موجودة ومبنية بوضوح عندي .
*مالذي يحدد طبيعة الموضوعات التي ينبغي طرحها في الانتاج الدرامي ؟
-ليس هناك شيء يحدد طرح أي موضوع ،الفن هو انعكاس للحياة وللمجتمع ،وما نحتاجه في الحياة ، علينا ان نتحدث عنه دراميا،  ونجد الحلول ،او نساعد على ايجادها.
*هل الممثل العراقي يملك خيار انتقاء الاعمال التي يشارك بها ام لاخيار له ؟
-يملك الحق في الاختيار عندما يكون مكتفيا ماديا ،وليست مهنة التمثيل للإرتزاق فقط.............. ؟
*هل انت راضية عما حققت ؟ ام ان مشاريع وطموحات اخرى لم تتحقق بعد  ؟
-لا هناك الكثير من الاحلام وأدَها الوضع السياسي في عراقنا والحروب التي سرقت من أعمارنا وطموحاتنا وحيوات من نحب ،،و،،،و..ولا يزال العراقينهض  من كبوة ليسقط في أخرى........ فبالتأكيد هناك الكثير لم يتحقق ،وكان بمكان العراق بما يملك على كل الاصعدة،ان يكون عين القلادة ،لكن لا تزال هناك احلام نتمنى ان نحققها لكن ليس بأي ثمن........... !

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ






الحوار الذي اجريته مع المخرج العراقي المغترب في النرويج سمير زيدان
 كما نشر في صحيفة الزمان الطبعة الدولية
 السنة الخامسة عشرة – العدد 4346- 
الثلاثاء 21 من  ذي الحجة   1433ه 6 من تشرين الثاني نوفمبر 2012 م



المخرج السينمائي العراقي المغترب سمير زيدان :

                
          التأؤيل يُضفي سِمات جمالية على الفلم  
                                  

كان عمره ثمانية عشر عاما ً عندما  غادر العراق عام 1979حاملا ً حقيبة أحلامه على ظهره  متجها الى اوربا ساعيا ً وراء تحقيقها ، كان هدفه الوحيد  أن يصل الى مكان ما في اوربا، حتى يتمكن من خلالها دراسة الفن السينمائي بشكل اكاديمي والتعرف عن قرب على تفاصيل الانتاج بصورته الاحترافية ، وليكون ذلك فيما بعد منطلقا ً له لتحقيق ماكان يصبو اليه من احلام سينمائية ، بعيداً عن نمط الانتاج الضعيف الذي كان سائدا ً في بلده العراق أو في المنطقة العربية أنذاك، فكان معهد وودج السينمائي في بولونيا محطته الاولى والاساسية لتلقّي العلوم السينمائية وهو نفس المعهد الذي كان قد تخرجت منه اسماء كبيرة ومهمة في السينما العالمية المعاصرة منها : رومان بولانسكي وادريه فايدا وكيشلوفسكي . وبعد أن انهى دراسته اتجه الى النرويج ليكمل مشواره السينمائي هناك ، وليصبح أحد الاساتذة المختصين في تدريس فن الاخراج السينمائي بمدرسة الشمال للفن التشكيلي والسينمائي، إضافة الى عمله كمخرج ومنتج . . والمخرج سمير زيدان من مواليد مدينة الموصل عام 1958 وسبق أن عمل في منتصف سبعينات القرن الماضي في مسارح الموصل قبل مغادرته لها  مخرجاً وممثلا في العديد من العروض المسرحية . . وآخر انشطته كان عضواً في لجنة تحكيم الافلام الروائية القصيرة والتسجيلية في مهرجان مالمو للافلام العربية الذي اقيم هذا العام 2012 في السويد .
الزمان التقت به وحاورته عن رحلته الطويلة في مشوار الفن السينمائي وأرائه وملاحظاته حول العديد من القضايا التي تتعلق بالانتاج والفن السينمائي العالمي والعربي والعراقي .  

*بداية  نودُّ أن  نتعرف على طبيعة الاعمال السينمائية التي حملت اسم سميرزيدان،والمشوارالطويل الذي قطعه من أجل أن يحتفي بحلمه السينمائي الذي طار خلفه من بلاد مابين النهرين حتى امسك به في النرويج؟ 
ما زلت اتذكر أول عرض مسرحي رأيته على خشبة النشاط المدرسي في مدينتي الموصل ، كانت رحلة مدرسية لمشاهدة مسرحية (كنز الحمراء)  وكان الفنان الراحل علي احسان الجراح  يؤدي الدورالرئيسي فيها ، وبعد هذه المشاهدة باتت كل حكاية أسمعها مترتبطة بعناصر التمثيل في ذهني. بعدها تعلمت اصول  التمثيل ومبادئه مع زملائي نذير العزاوي وكريم جرجيس ورعد حسين من المخرج الراحل علي المهتدي في محاولة مسرحية كانت تحمل عنوان كفر قاسم لكنها  لم تنجح، بعدها تعلمت الكثير عن عالم الاخراج المسرحي من استاذي الكبير المخرج المبدع راكان العلاف ،ومن ثم من المخرج الكبير والمُشاغب شفاء العمري ، كذلك من زملائي الممثلين في السبعينيات،  انذاك كانت مدينة الموصل زاخرة بانتاجات مسرحية تقليدية ومسرحيات تجاور التقليد منطلقة بحرية لخلق أجواء تشاغب الذهن لتجعل المتفرج يغوص بعمق في أجواء فنية تسعى لأن تلامس الطبيعة البشرية، أجدها الان بعد هذه الاعوام الطويلة التي مرت عليها أنها كانت مسرحيات تجعل المتفرج يتفاعل مع عناصر التلقي المدروس والتجريبي ، والكثير من تلك العروض كانت بلا شك صادقة في اهدافها التي تهدف الى إغناء الروح ، وبنفس الوقت فيها الكثير من المناطق الجمالية التي تشتغل على مفردة التأويل ، وأجد فيها الان وأنا استعيدها عمقاً واتقاناً لدى عدد من مخرجي مدينتي الموصل . بصدق اقول أن  خشبة المسرح انذاك كانت  تتوالد فيها أجواء لم يكن لها أن تظهر لولا جرأة اولئك  المخرجين القادرين على تجاوز المسرح التقليدي كالعلاف والعمري ،  فخوض تجربة تمثيل معهما كانت لي ولباقي العاملين في المسرح في تلك الفترة (علي احسان الجراح ،مروان ياسين،عبد الرزاق ابراهيم،محمد العمر،غانم العبيدي،موفق الطائي، صبحي صبري، نجم الدين عبد الله سليم، طلال الحسيني، حسين احمد، محمد المهدي، عصام عبد الرحمن، صلاح الدين الريكاني، ماجد البرزنجي، فارس جويجاتي. نزار محمد وآخرين ) كانت تعني فرصة للروح أن تسمو وللذوق أن يجرب نكهة أجواء ٍولحظات تتجسد في مشاهد تمنحنا فرصة لتأمل وكشف ما لا يمكن قوله إلا بالمسرح ، ليس فقط سياسيا ،بل على المستوى النفسي والسوسيولوجي والفلسفي ، في تلك التجارب تعلمنا كيف يكون تشريح الصمت المخلوق على الخشبة ، وما زلت حتى الان  أغرف من تجربتي المسرحية في عملي السينمائي عندما اخرج فلماً وكذلك عندما أدرس الاخراج السينمائي لطلبتي .



*أين الذاكرة الشخصية لسمير زيدان في احلامه السينمائية ؟
ذاكرتي هي شخوص مدينتي بأزقتها وتقاليدها بقراها ونهرها العظيم دجلة الخالد كذلك بتجاربي الشخصية وبكل الشخوص التي مرت بي وعرفتها . ذاكرتي مازالت تنبض بكل هذا مازلت اعيش كل هذه التفاصيل ، في الحقيقة أنا  لدي مشاريع كبيرة لها صلة وثيقة بهذه الذاكرة الثرية ،  لكن التمويل دائما يقف عائقا ً امام تحقيقها .

*انت الان تُدرّس الفن السينمائي في النرويج بعد أن قطعت شوطاً طويلا من الدراسة الاكاديمية لهذا الفن اضافة الى العمل .. هل تجد أن من السهولة لفنان شرقي أن يُدرِّس هذا الفن للاوربيين ، ومالذي يمكن أن يضيفه لهم ؟ 
الصورة في الغرب لها تاريخ عريق ،وهناك جمالية خاصة متأصلة في ثقافة التواصل مع الجمهور العريض عبر الصورة، هذا يبدو ظاهرا ً في منحوتات الكنائس قبل أن تدخلها ، أمّا الكتابة  فقد كان امرها مقتصرا ً على  الطبقات العليا من المجتمع الاوروبي،  بينما في ثقافتنا نحن العرب لم تكن  الصورة هي لغة التواصل مع الجماهير العريضة إنما كانت الكتابة أوبالاحرى الحكاية ، كما في الجامع أو في المقهى لدى الحكواتي . هذا اضافة الى أن ملوك أوروبا كانوا يقتنون الصور والتماثيل بينما الخلفاء الامويون والعباسيون كانوا يدفعون الكثير للشعراء . طبعا عندما تقوم بتدريس الاخراج السينمائي في الغرب هذا يعني أنك قد تمكنت من إحتواء جماليات الصورة الاوربية وهرمونية ميزانسينها، ومن لغة التواصل بين البشر، بعيدا عن اختلافاتهم الثقافية  فما يجمعنا نحن البشر هو أكثر بكثير مما يفرّقنا ، وبأعتباري  سليل ثقافات  شرقية ومُعايش ٍلثقافات غربية هذا بالتالي سيجعلني أتميز بهذا الغنى عن الآخرين..الفيلم او المسرح او الفن التشكيلي يستخدِمُ لغة ًمشتركة بين البشر، لذا لا يوجد فرق كبير بين استاذ اوروبي واستاذ عراقي في هذه الناحية ، لكننا نختلف بخلفياتنا الثقافية،  وهنا في هذه النقطة أنا لا أعني الثقافة المستمدة من القراءات إنما أعني ثقافة العوالم المُعاشة ،فأنا تربيت بثقافة مختلفة، وهي ثقافة عراقية بحتة ، ولكن حتى في مدينتنا الموصل هناك عوالم ثقافية مختلفة ومتنوعة، هناك العائلة المنغلقة على نفسها التي لا يدخلها صديق، وهناك العوائل المنفتحة حيث الصديق يدخل ويخرج دون حرج، إضافة الى أن كلمة ثقافة تطلق تقريبا على كل شيء يمارسه الانسان، كثقافة المطبخ على سبيل المثال ويشمل هذا  نوع الاكل، واصول ومراسيم تناوله الخ. . أما الثقافة بمفهومها الشائع أي المستمدة من الكتب وهنا أعني ثقافة الفنان بشكل عام سواء كان تشكيليا او مسرحيا او سينمائيا، فلا أجد أن هناك فرقا ً  بين أوربي وعراقي سوى المشاهدات ، وبما ان الفيلم إستطاع تجاوز المكان فغالبا ما تكون المشاهدات ايضا متقاربة  ،أنت تعلم تماما أن  الجيل الذي انتمي اليه  من الفنانين المسرحيين  والذي كان قد ابتدأ العمل بالمسرح في منتصف سبعينات القرن الماضي كان يقرأ ذات الكتب التي يقرأها المثقف المسرحي الاوربي ، إذن نحن نمارس لغة مشتركة سواء كان الاستاذ فرنسيا أم أمريكيا أو صوماليا وسنستخدم المراجع العلمية نفسها من نصوص مسرحية ومن تقنية تمثيل ستانسلافسكية الخ.. لذا يمكنني القول لو أن اساتذتي راكان العلاف وشفاء العمري  توفرت لهما الفرصة لأن يكونا  في أية مدينة اوربية لما ترددت ادارة تلك المدينة في أن تخصص لكل منهما مسرحا ً خاصا ً  ليعمل به ويكون تحت ادارته وتصرفه ،وسيكون حولهما الكثير من الطلاب ليتعلموا منهما .

* باعتبارك مخرجاً سينمائيا ،ولك احلام وطموحات ،هل تواجه صعوبات ما في المغترب الاسكندفاي رغم الفترة الطويلة التي مضت عليك وانت تقيم هنا ؟ 
طبعا هناك صعوبات في كل مكان، لكني الآن امارس التدريس، وهو يمنحني نفس النشوة التي أحس بها اثناء عملية الخلق الفني، فكل حصصي أشعر وكأني ممثل على خشبة المسرح،وأجاهد كثيرا كي لاتكون محاضراتي مملة، وبما انها محاضرات عملية أكثر مما هي نظرية لذا هي  أقل رتابة لي و لطلابي كذلك .  كما اني اتابع طلابي دائما ً ومشغول بهم ،ليس فقط فيما يتعلق بتعليمهم النواحي التقنية، لأن الاخراج ينشد تحقيق نظام منسق ودقيق للوحدات الفلمية،  فأبدأ معهم من نقطة الصفر ، كي تتأطر معرفتهم الذاتية بدراسة اكاديمية. بعد ذلك أتولى تدريس كيفية تحقيق عملية ربط هذه الوحدات ببعضها بشكل عضوي ومنطقي ومتفاعل ، ثم اتولى تدريسهم ترتيب الزمن، بقصد أن يكون  الموضوع  المطروح في الفيلم مشوقا ، وبما ان الفيلم هو عبارة عن عالم بحد ذاته،  و المخرج هو المسؤول عن بناءه ، وأي عالم يحتاج فلسفة له ، لذا لابد ان يكون المخرج فيلسوف عمله ، من هنا يبدو عمل استاذ الاخراج  السينمائي يتطلب متابعة مستمرة  لكل طالب على حدة، لذلك اخذ التدريس تقريبا كل وقتي ، وهكذا ركنت مشاريع طموحة وكبيرة على الرفوف   .

*عادة مانلاحظ ان العديد من الافلام التي تنال جوائز كبرى في المهرجانات العالمية غالباً ماتسبب الضجر للمتلقي ، ومن الصعوبة ان يتحقق التواصل الحيوي والفعال معها لدى عموم المتلقين. ويمكن نذكر هنا بعض النماذج ، مثلا سينماالمخرج الهندي ساتيا جيت راي أوالياباني كيراساوا أوالسويدي برغمان أو الايراني عباس كيروستامي واخرين  رغم القيم الفنية والجمالية العالية التي تحملها افلام هذه الاسماء الكبيرة ،  اين المشكلة في هذا الموضوع ؟
المهرجانات الفنية دائما تبحث عن الافلام التي تطرح الشكل والموضوع بجرأة، ومن خلال  تجربتي الأخيرة كعضو لجنة تحكيم للافلام القصيرة والتسجيلية في مهرجان مالمو للافلام العربية في هذه السنة فقد منحنا الجوائز للافلام التي كانت جريئة بطرحها ومتمكنة من لغة سينمائية عالية. فلا يمكن لمن يجلس في لجان التحكيم منح جائزة لفيلم تقليدي لم يتقصد مخرجه وهو في مخاض الابداع أن يقوم ولو  بمحاولة واحدة لكي يقدم شيئا جديدا او لقطة واحدة تحمل نوعا ً  من الأصالة. فمن البساطة جدا ان تسير في شارع مبلط ،او في جبل ومسالكه واضحة وترى أن من سبقوك إليه كثر. هذه المهرجانات تبحث عن مخرجين أصلاء غير مقلدين ، مرة تجدهم يتسلقون صخرة ومرة أخرى يفتتوها من أجل أن يستمروا في طريقهم ويشكلوا مسالكهم الخاصة، ومن ثم لتسمى جمالية عوالم افلامهم باسمائهم هم  أي بأسلوب كياروستامي أو اسلوب بيرغمان، وهم عادة يخلقون افلام تحتاج من المتفرج ان يقدم جهدا ذهنيا ليتواصل مع الفيلم المعروض أمامه، بينما  الغالبية من الجمهور يريد وجبات سريعة ،أي افلام خفيفة للتسلية،  ولهذه الافلام ايضا ًمهرجاناتها. لكن المشكلة هنا تكمن في الاعلام ، فالنقاد والصحفييون الذين يكتبون عن الافلام الجادة  فهم الذين يتسببون في احداث الخيبة لدى المتلقي الباحث عن المتعة والتسلية،عندما يذهب الى دار العرض السينمائي  ويتفاجأ بعدم وجود كل ما تم ذكره من قبل  النقاد ،وذلك لانهم يقحمون مقالاتهم تلك على صفحات الاعلام الذي هدفه التسلية فقط وليس اثراء الحياة الثقافية ولو قرأ المتفرجون الانتقائيون المقالة في مجلة سينمائية جادة لوافقوا كاتبها بأن هذه الافلام من أروع ما شاهدوه بل ان المقال أعمق مما أولوه... الخ.

*ماهي مواصفات الفلم الجيد الذي يجعل سمير زيدان يتوقف أمامه أكثر من مرة ، هل له شكل محدد ؟ هل له اشتراطات معينة في البناء الفني  ؟ 
إنه الفيلم الذي يطرح الحياة الداخلية الغنية للبشر بلغة جمالية واضحة وعالية . .ايضا هو الفيلم الذي تشعر بأن  تتابع مشاهده تتشكل وفق حركة متناسقة مابين الكاميرا والممثلين ومتماسكة بشكل عضوي ، والغرض منها أظهار المشاعر العميقة للشخصيات ومعايشاتها في نفس الوقت من قبل المتلقي ،هذا الميزانسين يُسهِّل لنا قول ما لا يمكن تحديده قولا ، وما لا يمكن رؤيته ،في جو مخلوق بين الشخصيات والمتلقي، والذي يترك ايضاً مجالا ً للتأمل

*عندما تنوي القيام بعمل سينمائي الى ماذا تهدف من وراء ذلك ،هل تريد تحقيق رد فعل ما لدى المتلقي  ؟ وهذا السؤال بذات الوقت  يدفعني لكي أسألك عن وظيفة السينما كما يراها زيدان نفسه ؟ 
السينما بالنسبة هي للمتعة والراحة ولكنها  بنفس الوقت اداة للتنوير والتعمق بدواخلنا كبشر، هي تمنحنا الفرصة لان نعايش حالات البطل فنصول ونجول في ساحات القتال والوصال ، ونحيا ونموت كابطال أغنياء وفقراء، وتهفهف ارواحنا مع رقصات ظلال اوراق الشجر ، نرقص ونغني، انها الحلم الذي يمنحنا المعايشة التي لا تمنحها إياها  حياتنا اليومية،  فهي مختزلة ببلاغة صورية مما يخلق لنا  فهما وضحا ً  ومعايشة أمينة لما يحدث وذلك لتوافر المنظور الزمني ، ففي حياتنا اليومية ينقصنا الوعي بمعايشاتنا الحقيقية ، فالسينما تضيف حيوات كثيرة لنا ، انها المشاكسة التي تثيرنا حسيا جماليا وذهنيا، فهي تضحكنا وتبكينا وتجعلنا نفكر في احتمالات تواجدنا في حالات البطل، هي التي تستطيع ان تطهرنا من أدران النفس كما كان يقصد اورسطو (بالكاتارسيس) حالة التطهير.

*اجمل الاشعار هي التي يكتنفها الغموض وتبقى عصيّة على الفهم بسهولة ،وهكذا الحال مع المقطوعات الموسيقية العظيمة التي عادة ماتكون غامضة ولايمكن تأطيرها في معان مُحددة ، هلى يمكن ان تنطبق هذه المعايير الجمالية على الفلم السينمائي ؟
ليس الابهام بحد ذاته هو الهدف ، لكن دواخل النفس أصعب من أن تطرح بشكل ظاهر وواضح، ذلك لأنها تتسطح وتصبح غير مقبولة واقعياً أو فكرياً، فترك فسحة للتأمل والتأويل هو بحد ذاته عنصر من عناصر الدراما لان ذلك  له علاقة مباشرة بعملية التقبّل ، ولكن هذا أيضا يشترط وجود جمهور لا يطلب الوجبات السريعة ، بل يحاول أن يتمعّن الحالة ويشارك بفهمها.

*هنالك العديد من المهرجانات السينمائية العربية التي تكاثرت وازدادات خلال الاعوام الاخيرة . لكننا على ارض الواقع لانجد الافلام المشاركة فيها  في دور العرض الجماهيرية . ألايدفع  هذا الوضع الغريب المنتجين الى عدم الاندفاع باتجاه الاستثمار في صناعة الفلم الرصين ، ثم ماهي الصيغة التنظيمية التي تدعو اليها انت من خلال ماتملكه من خبرة لتحقيق مستوى جيد من التسويق  لهذه الافلام ؟ 
السينما صناعة أي بمعني أموال ، ثم انتاج وتوزيع،  ومن بعد ذلك إمّا تحقيق  الربح أو تجرع مرارة الخسارة ، فهل يمكننا أن نجد سوقا ً للفيلم العربي  وسط  هذا الانتاج العالمي المتقدم  خصوصا ً الاميركي الذي يعرف كيف يفكر اقتصادياً وهو يسوق انتاجه ؟ والسؤال الاهم هنا هو : ما هو عدد الصالات الموجودة في البلدان العربية؟   . هل تعلم أن النرويج بتعداد سكانها القليل والذي يقل عن خمسة ملايين نسمة يوجد فيها عدد من الصالات يصل الى  492 دار عرض حسب احصائية عام  2004 ، والجدير بالذكر هنا ــ وأرجو الانتباه الى ذلك ـــ إلى أن أغلبية هذه الصالات هي ملك للبلديات في مختلف محافظات النرويج ، اي أن 301 صالة عرض سينمائي هي ملك للدولة.. وعليه اقول نحن في العراق طالما مازلنا في بداية القفزة التاريخية بعد حروب وحصار وقهر ٍ  بحاجة الى  الانفتاح التكنولوجي لبناء بلدنا ، لذا اقترح على مجالس محافظاتنا بناء مسارح ودور عرض سينمائية ،  وإن لم تستطع إدارات المحافظات فعل ذلك فعلى الاقل ينبغي  أن تفرض على كل من سيحاول بناء مولات (اسواق مغلقة السقف بمساحات شاسعة) أن يضيف صالتا عرض مسرحية وسينمائية .  نحن الان في العراق  أحوج مانكون الى بناء الشخصية العراقية بالثقافة والترفيه، وليس فقط فتح الابواب أمام الشركات المستمثرة في حقول النفط ،علينا أن لا نترك الأمور للغَيب اذا اردنا التقدم ، بل يتوجب علينا التخطيط لكل ماله صلة بحياتنا وحياة الاجيال القادمة  وليس البقاء في حالة من  النواح والبكاء على مامضى  والاكتفاء بالدعاء لدخول الجنة في العالم الآخر.. المسألة تحتاج الى عمل وتفكير بالمستقبل القادم  نحن كعراقيين نستحق كباقي الشعوب جنتين وليس جنة واحدة ، ألاولى في هذا العالم والثانية في  العالم الآخر ،ايضا ً لتكن لدينا صالات كبيرة للمتفرجين الراغبين برؤية الافلام المُسلية ،و صالات صغيرة أخرى للمتفرجين اللذين يجدون بأن الفيلم ماهو إلاّرحلة اكتشاف مضنية وعملا ً فنيا راقيا يختزل العالم برموز واحداث ويتحمل التأويل ويحث على التفكير والتأمل بحياتنا كمتفرجين وككائنات واعية.

*السينما في البلدان العربية حتى هذه اللحظة لم تستطع أن تدخل من الباب الكبير للمهرجانات السينمائية العالمية الكبرى رغم أن مصر مثلا لها تاريخ طويل في الانتاج ولها أسماء مهمة في الاخراج السينمائي . . برأيك مالاسباب ؟ 
السينما المصرية يغلب عليها الطابع التقليدي والتجاري وهذا أصل السينما فالسينما صناعة أولاً ، ومحترفو هذه الصناعة كثيرون في مصر، لكن بنفس الوقت هناك أيضا من تركوا بصماتهم الواضحة في السينما العالمية ، ورغم هذا فأنا أجد أن هناك عدد من المخرجين الشباب في مصر يحاولون إيجاد طريق لهم ، لكن مشكلة التمويل تقف عائقا أمامهم.

*هل تجد أن السينما في العالم العربي قادرة على أن تكون مؤثرة وفاعلة في تحريك الوعي الانساني مع وجود جُملة من المُحرَّمات التي تمنعها من تناول الكثير من الموضوعات ؟ 
الفن يعني ايضاً مشاكسة الواقع، برنادشو يقول :"ان التفكير المنطقي لا يولد شيء جديد أما المجانين فهم من يجلبوا الجديد"  ولهذا نرى أن العلماء والأنبياء والفنانين غالبا ما يتهموا من قبل العامّة في البداية بالجنون ، لأنهم يستخدمون طرقا ً تخرج عن الخطوط العامة التي اعتاد الناس عليها  ، والفنان يجد نفسه ملزماً  بإثارة ما هو محضور، وفي كثير من الاحيان كثرة المحرمات تفيد وتزيد من قيمة العمل السينمائي ، وهذا مايحدث الآن فعلا مع السينما الايرانية

*السينما في العالم العربي لم تستطع ان تضيف شيئاً جديدا ومهماً للبناء الشريط السينمائي فنيا ً رغم اننا لانستطيع نكران أو تجاوز ما تسعى إليه  معظم الافلام الروائية القصيرة المنتجة في العالم العربي الى شخصنة الاسلوب والى طرح معالجات فنية  بعيداً عن السياق التقليدي ، كيف تنظر الى هذه الظاهرة ، والى ماذا تعللها ؟ 
الفيلم القصير هو مجال لشخصنة الاسلوب، فالفيلم القصير لا يشترط به تواجد عناصر التشويق كما يتطلبه الفيلم الروائي الطويل ، لذا يمكنه أن يكون تجريبيا أكثر من الفلم الطويل ومشاكسا للجمالية المعتادة والنمطية الواقعية ،  كما أن من يتحمّل تمويل هذه الافلام   يعلم مسبقا بخسارة أمواله ذلك لانه لا توجد سوق لهذه الافلام  سوى المهرجانات، والمهرجانات الفنية تعشق كل من يبحث عن أصالة حقيقية.

*الموضوعات السياسية اخذت الكثير من الوقت والجهد في النتاج السينمائي العراقي ،هل تجد في ذلك واحدا ً من أسباب نكوصها ؟ 
نكوص السينما العراقية يعود الى تهميش الفيلم ، وعدم إرساء مدرسة سينمائية جيدة، لماذا المسرح العراقي إستطاع أن يثبت وجوده على الصعيد العربي .. السبب واضح : لوجود أساتذة عمالقة في مدارس المسرح، بينما بقيت دراسة السينما تعتمد على كفاءات بسيطة، وبما أن مدرسة السينما تتطلب تقنيات وأموال لم توفرها أي من الحكومات العراقية السابقة لذا بقيت السينما العراقية تتأرجح بين يدي من شارك بدورات تدريبية هزيلة في الخارج وطموح شخص عراقي آخر يحاول تأبط الغيوم ، وهذا واضح في الانتاجات الممولة من النظام السابق. وفي الوقت الحاضر لا يوجد دعم لهكذا مدرسة رغم وجود خبرات عراقية كبيرة خارج الوطن .  ايضا ً فقدان الأمن ، وخراب صالات السينما، وعدم وجود دعم كاف ٍمن الدولة سيكرس  هذا النكوص ،نحن في العراق بحاجة ماسة لمدرسة فيلم عملية ، فالفيلم فن شامل للفنون الاخرى،  مما يجعله أصعب الفنون لأنه يحتويها كلها بشكله النهائي، كصورة وصوت،  وليس فقط معاهد او كليات للسينما  لا يتوفر فيها  سوى قاعات للمحاضرات من  دون أن تتوفر فيها أجهزة سينمائية متكاملة للتصوير والانارة والتقطيع والمكساج الصوتي الخ.

*تقنية البعد الثلاثي مالذي يمكن ان تضيفه الى عمل المخرج السينمائي ،هل يكفي أنها خلقت احساساً طبيعياً في الصورة السينمائية اكثر مما هي في الصورة التقليدية ؟​
شخصيا لا ارى لفيلم البعد الثلاثي مستقبل فمنذ اكتشافه قبل 90 سنة بقي كظاهرة تثير الفضول ليس إلا.

*هل مازلت تشعر بأنك عراقي ؟ 
هذا امر محتوم انا عراقي وشاشات الفضائيات العراقية تحاصرني ولا يمكن أن يمر يوم دون أن اذكر الوطن وأعرف أخباره.

*لابد انك تراقب من هذا المكان البعيد وطنك الاول العراق ، كيف تراه الان ؟ والى اين يسير؟
مع الاسف الجهل انتشرفي بلادنا بشكل لم نكن نتصوره وهناك ساسة يحثون على نشر الجهل ليغرق الناس بفيضان ليل يمتد سنوات وسنوات بدل الامساك بشموع تغربل الظلام بالنور لتعود الطمأنينة وترقص أرواحنا مع وهج الشموع في عيون بعضنا البعض. أنا أتأمل أن يأتي ذاك اليوم الذي  أحمل فيه معكم احدى تلك الشموع.


 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحالمون عند نقطة الصفر . .




قراءة نقدية ، لنماذج سينمائية
من كوردستان العراق . .






نظرة تاريخية :
قبل الحديث عن السينما في كوردستان العراق، اجد من الضروري التوقف قليلاً عند الملامح الاولى لظهور الشكل الفني للفلم السينمائي . أي اقتفاء اثر اللحظات الاولى التي كانت السينما فيها لاوجود لها كفن .حتى نرصد الخطوات الاولى لظهورها على سطح المشهد الثقافي الانساني .
ونحن بهذه العودة الى تلك السنين نسعى لان نضع السينما في كوردستان العراق ضمن اطارها الموضوعي والتاريخي ، ذلك لانها لم تولد من فراغ ، ولم يكن ميلادها قد جاء بفعل الصدفة ، او تعبيراً عن رغبة انية لفرد ما ، انما جاء ت بفعل تحولات اجتماعية وتاريخية شهدها العالم بشكل عام والمنطقة الجغرافية التي تحيط بالشعب الكردي بشكل خاص . وهذا بدوره قد انعكس بطبيعة الحال على المجتمع الكوردي سلباً وايجاباً لكنه في نهاية المطاف كان له الاثر البالغ في نمو ويقظة الوعي الذاتي والقومي في المجتمع الكوردي ، الذي شهد صوراًً جرب صور شتى للتعبير عن هذا الوعي عبر مراحل نضاله الوطني وكفاحه الطويل من اجل اثبات وجوده على ارضه المستلبة، ومن اجل اعلان هويته التي ظلت تتعرض لعمليات تدمير منظمة بقصد محوها أو اذابتهافي هويات شعوب وقوميات اخرى . من كل هذا المخاض الصعب كان الشعب الكردي لايتردد في الانفتاح على اي سبل ثقافية وفنية الى جنب الكفاح المسلح، للتعبير عن صوته وكشف الظلم الذي كان واقعاً عليه .
وكان الفن السينمائي واحد من تلك السبل التي حرم منها بسبب ظروف النظال التي كانت تتواجد في بيئة جبلية صعبة بعيدة عن المدن ،وبسبب مايتطلبه العمل السينمائي ايضاً من امكانيات ماديةضخمة .
لكنه وبعد ان نال شيئاً من حريته بعد انتفاضته الشعبانية عام 1991 ، بدأت اولى الخطوات العملية لاستثمار الفن السينمائي لتوثيق ذاكرته المعاصرة قبل ان يطولها النسيان ، هذه الذاكرة المثقلة بالاحداث الجسام والتواريخ المرة والمتوزعة مابين القتل الجماعي والتهجير القسري والنفي في الصحارى والتغييب في السجون والمعتقلات المطمورة تحت الارض ، كان لابد من العمل سريعاً على لملمة شظايا الجروح والمآسي التي كانت تختزنها الروح سواء جاء ذلك عبر اعمال وثائقية او افلام روائية ،وهذا ماتحقق فعلاً في عدد من الاعمال التي توزعت من حيث الشكل الفني على هذين النوعين من الانتاج الفلمي في النصف الثاني من عقد تسعينيات القرن الماضي .
ان السينما باعتبارها فناً ، لم تكن في يوم ما ترفاً فنياً لاقيمة له جمالياً كان او فلسفياً او توثيقياً، انما كانت السينما منذ اللحظات الاولى لولادتها عندما جاءت صامتة ، تشيء بفن كبير اشارت كل الدلائل على ان قاموس مفرداته سوف يتسع فلماً بعد اخر وإسمَاً سينمائياً مغامرا بعد اخر،
وهنا انتبه لهذا الفن افراد افذاذ ، خُلِقوا لكي يكونوا فلاسفة مكتشفين ومطورين للفن السينمائي ،كما هو الحال مع (كريفث) الاميركي و(ايزنشتاين ) الروسي ، اللذان اقتحما ارضاً بكراً مجهولة، لم تطأها قدم شخص اخر قبلهما بقصد (الاكتشاف والتنظير والتغيير والاستثمار ). وكان لهما ما حلما به،وبدأت فعلاً على يديهما تتضح معالم فن جديد، لم يكن العالم يعرفه ، وانتبه التجار والمستثمرون الاميركان لمايختزنه هذا الفن الجديد من قدرات هائلة تجارية مخزونة فيه وعلى اشرطة السلولويد التي تطبع عليها القصص والمغامرات والمطارات . لذا لم يتوانوا في تأسيس تأسيس وانشاء دور للعرض السينمائي في المدن الاميركية ، واخذت تتسع اعداد تلك الدور يوماً بعد اخر، كما اخذت ادوات العرض تتجدد هي الاخرى تبعاً للمتغيرات الحاصلة في الصناعة التقنية للسينما ايضا .
ومن هنا بدأت رؤوس الاموال القادمة من الفن السينمائي تتضاعف وتتراكم لدى المنتجين والمستثمرين في هذا الفن . ليصبح لهذا المال ثقلاً رئيسياً في ميزانية الدخل القومي الاميركي في النصف الاول من القرن العشرين . ولم يكن تأثير الفن السينمائي مقتصراً منذ البداية على الجانب الاقتصادي فحسب بل بدا واضحاً لدى صناع القرار في اميركا تحديداً ، مدى التأثير الخطير لهذا الفن الدرامي البصري على عقول وثقافات واذواق الشعوب، الى الحد الذي تمكنت فيه السينما من تحقيق ماكانت قد عجزت عنه حقولا ثقافية وفنية اخرى كالادب والمسرح من الوصول الى ماوصل إليه الفن السابع من قدرة على نشر وتعميم نمط الحياة الاميركية الى ايما بقعة يصل اليها الفلم السينمائي الاميركي بعد أن اكتملت كل عناصر النجاح المادي والتقني لهذه الصناعة ،ابتدأً من رؤوس الاموال الضخمة الى معدات التصوير، والاضاءة ،والخدع الفنية التي يتم تطويرها يوماً بعد اخر، وصولاً الى بناء مؤسسات اكاديمية فنية على درجة عالية من الحرفية والعلمية يتلقى فيها عشاق الفن السينمائي من الذين يطمحون للعمل فيه ادق المعلومات الحرفية واحدثها في مجمل تفاصيل انتاج الفلم السينمائي . .
من كل هذا الارث الذي تراكم خلال قرن كامل اصبحت السينما اليوم ابرز واخطر واهم الفنون الدرامية جاهيرية وتأثيراً على الرأي العام، وامست عاملاً اساسياً لدى الساسة الاميركان وهم يرسمون الطريق لاحلامهم الستراتيجية التي تمتد على طول وعرض الكرة الارضية وخارجها .
وهناك من الدلائل الملموسة مايثبت صحة ماذهبنا اليه وهذا امر لم يعد جديداً ومستغرباً على احد ٍ . ويكفي الاشارة فقط الى عدد الافلام التي انتجت عن الحرب الاميركية في فيتنام وضخامة تلك النتاجات لا لشىء سوى تبرير وازاحة كل الشبهات عن تلك الحرب القذرة اضافة الى مساهمتها في اعادة الثقة بالنفس وبالكرامة للمواطن الامريكي بعد تلك الهزيمة التي تلقتها في المستنقع الفيتنامي .
وهكذا لعبت ايضاً نفس الدور في معركتها ضد الارهاب القادم من الشرق الاسلامي كما روجت الدعاية الرسمية ! وأعطت بذلك مبررات الدخول الى مناطق جغرافية كانت السياسة الاميركية تحلم بالوصول اليها ــ منذ الحرب الباردة ـــ واقامة قواعد عسكرية واستخباراتية فيها ، من اجل هدف بعيد يحظى بالاولية لدى دوائر صنع القرار هناك: وهو السيطرة على ثروات الشعوب الفقيرة بأحوالها ،والغنية جداً بأراضيها والتي تختزن اهم واوسع ثروات العالم .
وفي المقابل لهذه الصورة السينمائية التي تم استغلالها بشكل بشع لخدمة اغراض واهداف اضرت كثيراً بالانسانية وبالشعوب الفقيرة والمبتلية بحكام طغاة واغبياء ، كانت هنالك صورة اخرى اكثر اشراقاً للسينما يتم انتاجها ايضاً في عجلة السينما الاميركية والاوربية ، صورة اقتربت كثيراً جداً من الذات الانسانية الجريحة بكل احلامها وامالها ، وكانت السينما هنا منطلقاً رائعاً لكل الفنانين الحالمين بعالم اجمل، وشهد العالم خلال قرن كامل اعمالاً سينمائية خالدة مجدت الانسان بكل طاقات الخير والنبل التي جُبل عليها واقتربت كثيراً من مشكلات واحداث فردية ومجتمعية قدمتها بتحف فنية تسري بين لقطاتها ومشاهدها مشاعر وعواطف واحاسيس انسانية تمكنت من اعادة التوازن الى الذات الانسانية التي كانت تتعرض الى شتى صنوف التهديد والخوف المجتمعي والسياسي . لتصبح السينما هنا تجربة جمالية تتظافر فيها فنون شتى وتتماهى مع بعضها من اجل الارتقاء بالذائقة الانسانية وابقاء الامل مفتوحا امام الانسان اينما كان وهو يشق طريقه في الحياة .
انتبهت شعوب عديدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية الى اهمية وخطورة الفن السينمائي بعد ان نالت تلك الشعوب ثمار نضالها وحريتها من اجل الاستقلال والخروج من تحت هيمنة القوة الاجنبية المستعمرة سواء في اميركا اللاتينة او في افريقيا او في اسيا . وظهرت خلال نصف قرن من الزمان تجارب سينمائية متفرقة هنا وهناك شهدتها تلك القارات والبلدان التي تقع فيها ، وتباينت نسب الانتاج بين مد وجزر تبعاً للظروف المحلية لكل بلد وقارة، خاصة ونحن نعلم ان كل البلدان التي تحررت والتي امست زمام امورها خاضعة لحكومات وطنية كانت قد ورثت تركة ثقيلة لتلك العهود الطويلة من النهب والاستعباد ، لكن الشيىء المؤلم والموسف له، ان تلك الفرصة التاريخية التي حظيت بها تلك الحكومات والزعامات الوطنية لم يتم استثمارها بالشكل الصحيح والمجدي ، بعد ان اساء الحكام الوطنيون الجدد استغلالها اسوأ استغلال خدمة لمناصبهم ومصالحهم ،وبدلاً من التفكير جدياً في خلق فرص تنموية لبلدانهم وتطويرها على النحو الافضل خدمة لشعوبهم،ذهبوا بعيداً جداً في عسكرة المجتمعات وبناء شبكة متضخمة من الاجهزة الامنية والقمعية والترسانات العسكرية التي ارهقت اقتصاد البلاد واصابته بالعجز والشلل والتضخم ولم يكن الهدف من تلك السياسات سوى السيطرة على شعوبهم بالقوة وقمع اي قوة تطالب بالحرية والعدالة الانسانية ولتكون السينما في هذه البلدان على شكل واحد من التشابه والاستنساخ في القارات الثلاث ( اسيا افريقيا واميركا اللاتينة ) ولتصبح هي الاخرى ضحية كبقية ضحايا المجتمع .
وعليه لم تشهد تلك البلدان نمواً وتطوراً في الانتاج السينمائي إلاّ فيما كان يخدم النظام الحاكم وايدلوجيته المخادعة والمزورة لكل شيىء ابتدأً من التاريخ البعيد ومروراً بالحاضرالقريب بكل التفاصيل البوليسية التي يحيا بظلها الانسان . لكن نماذج هذه السينما الحكومية لم تستطع ان تقنع الناس البسطاء في تلك البلدان بقيمتها الفنية ومصداقيتها.
وهكذا ايضاً فشلت تلك الافلام فشلاً ذريعاً في الوصول الى المهرجانات الدولية التي كانت تحرص الدوائر الرسمية الحكومية على التواجد فيها من اجل تلميع صورتها والاستمرار بنفس اللعبة دولياً لخداع العالم كما كانت تخدع مواطنيها . وبذلك لم تتمكن من تحقيق ماكان يصبو اليه الحكام .
وعلى ذلك لم يكن غريباً ولاأمراً يدعو للدهشة او الاسف ان يذهب كمٌ هائلٌ من النتاج السينمائي السوفيتي ومن الكتلة الاشتراكية في اوربا الشرقية كان قد تم صنعه على مدى نصف قرن الى حاويات الزبالة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي ..
لقد تم محو تاريخ طويل من الفن الدعائي الكاذب والمزور لكل شيىء . وسقطت من ذاكرة الناس والتاريخ اسماءً فنية كثيرة عملت لعقود طويلة من اجل خدمة الانظمة السياسية الحاكمة فقط ، وتجاهلت دورها الطبيعي ودور الفن الحقيقي في الكشف عن الحقيقة وانصاف الانسان المقهور والمستلب بحريته وانسانيته وهويته ولقمة عيشه واحلامه وارتضت تلك الاسماء لنفسها ان تنزلق الى منحدر ومستنقع اسن ٍ، الى فن ٍ وسخ، ساهم مساهمة واضحة في الاساءة لكرامة الانسان وحريته .
وبعد سقوط جدار برلين كرمز لسقوط حقبة سوداء من تاريخ البشرية لم يقتصر تأثيرهذا الحدث وتداعياته على اوربا فقط بل تعداه الى العالم اجمع وبدأ العالم يشهد عهداً اخر من تاريخ الانسانية ،عهد ايقظ الامل في الشعوب الصغيرة والاقليات المهمشة التي طالما سحقتها القوانين الجائرة للقوى المجتمعية الكبيرة المهيمنة على الحياة . وبدأنا نشهد الكثير من مظاهر التعبير الفني لتلك الشعوب والاقليات عكست من خلالها ماتختزنه من عشق كبير للحياة وقدرات ابداعية هائلة ظلت مقموعة لعقود طويلة وهكذا نال عدد من المبدعين ينتمون لتلك الاقليات والاعراق على العديد من الجوائز الفنية في الكثير من المهرجانات الفنية ،وسجلوا حضوراً مميزاً لهم ولشعوبهم بعد ان توفرت الفرصة لهم للتعبير عن انفسهم وعن قدراتهم . وهذ ماحصل على سبيل المثال لاألحصر مع مخرج فلم( اسامة ) للمخرج الافغاني ( صديق بارمك ) والمخرج الكوردي التركي ( يلماز كوني ). وعدد من الاسماء السينمائية الايرانية (محسن مخملمباخ )و(سميرا مخلمباف) واسماء اخرى تنتمي لجنسيات وقوميات اخرى كانت غائبة ومغيبة عن ذاكرة العالم .


السينما في كوردستان العراق :
تأتي السينما في كردستان اليوم لتعد واحدة من تلك التي السينمات التي لم تكن حاضرة في الحياة والثقافة المجتمعية الكوردية بفعل ماواجه الشعب الكوردي من ظلم على مدى عقود طويلة من القمع والاضطهاد ، وكانت قواه التقدمية تكافح بما تملكه من قدرات من اجل الحفاظ على الهوية والوجود من الابادة والزوال وكرست كل جهدها و طاقاتها لاجل هذا الهدف .
لذا لم ليكن الظرف مناسباً وملائما لقيام وظهور فن سينمائي نشط يواكب مايجري من احداث على ارض كردستان . لكن اليوم وبعد ان سقطت كل الاسباب الموجبة التي كانت وراء مأساة الشعب الكردي ونال حرية كان يسعى اليها دوماً وامست ارضه تحت ارادة ابناءه ، بدأت ملامح انتاج سينمائي كوردي تظهر على سطح الحياة الفنية في الاقليم . ومن هنا تعد السينما في كوردستان العراق من الفنون الجديدة التي شهدت الاهتمام بها خلال الاعوام القليلة الماضية .
ورغم العمر القصير هذا ، تمكن عدد من العاملين والمحبين لهذا الفن من انتاج عدد من الافلام الروائية الطويلة التي حققت حضوراً فنياً في المهرجانات الدولية التي شاركت فيها وحصلت على جوائز مهمة نتيجة لما حملته تلك الافلام من مستوى فني جيد ولغة سينمائية ناضجة ، كما هوالحال في فلم (زيان ) اي بمعنى( الحياة ) للمخرج جانو روجبياني والذي تم انتاجه في مطلع القرن الحالي ويتحدث الفلم عن قرية حلبجة التي تم قصفها بالسلاح الكيمياوي في منتصف ثمانينيات القرن الماضي اثناء الحرب العراقية الايرانية ، وقد وترك ذلك اثراً بالغاً على حياة ساكنيها وعلى الاجيال التالية ،ولم تزل اثارها شاخصة حتى الان . وهنالك افلاماً اخرى للمخرج شوكت امين الذي حصد الجائزة الكبرى عن فلمه ( ضربة البداية ) في الدورة الاخيرة لمهرجان الخليج السينمائي الذي اقيم في دبي / الامارات عام 2010 وهو انتاج مشترك مع اليابان وسبق لهذا المخرج ان قدم فلماً اخر عنوانه ( عبور الغبار ) وقد نال هذا الفلم ايضاً في حينها عدد من الجوائز نتيجة مشاركته في كذا مهرجان دولي .اضافة الى ذلك هناك افلاما اخرى للمخرج بهمن قوبادي الايراني الاصل والذي قدم خلال مسيرته الفنية العديد من الافلام الروائية الطويلة نذكرمنها (نصف القمر،السلاحف تطير،اناشيد وطني، وقت للخيول المخمورة) اضافة الى افلامه القصيرة الثلاثة عشر( الدفئ ، الحرب انتهت، الحياة في الضباب،الحلاق ،جندي يدعى امين، سمكة الله، السابع عشر، كالحياة، الصوت، مطر من جديد مع الالحان، لحظة وميض، ) وغيرها من الافلام المنبعثة من صميم الواقع ، والمخرج قوبادي له رأي جريء في واقع صناعة السينما في كردستان سبق ان ادلى به في العاصمة الرومانية بخارست بعد مشاركته في لجنة تحكيم المهرجان العالمي الثالث للافلام المستقلة الذي نظمته رومانيا العام الفائت اذ قال في حينها ( بان شعب كردستان لن يتطور ويلتحق بركب الحضارة العالمية الا بتعميم الثقافة واحترام السينما والموسيقى والشعر ورعاية المبدعين وتشجيعهم ورعاية الناشئة الفنية ومن خلال نتاجات هؤلاء سيتعرف العالم على شعب كردستان وعلى قضيته السياسية العادلة لا من خلال التسابق على تشييد البنايات الفارهة وتاسيس الشركات المتنافسة والمطاعم والاسواق المزركشة الاستهلاكية.! ) .
ان هذا الرأي من مخرج مهم يملك تجربة غنية يستحق التوقف عنده والاخذ به من اجل قراءته بشكل جيد وصولاً الى وضع الاسس واللبنات الصحيحة لصناعة السينما في كردستان العراق .
ولاجل ذلك ينبغي الاخذ بمشورة المثقفين والسينمائيين عبر ملتقيات وحلقات دراسية يتم التهيئة والاعداد لها بشكل جيد من اجل القاء نظرة واضحة وعلمية على واقع الانتاج السينمائي وبناء صورة اخرى لليوم الاخر القادم .
و اضافة الى ماذكرنا من الاسماء العاملة في ميدان الاخراج السينمائي هناك مخرجون اخرين ، ايضاً اثبتوا كفاءتهم وتميزهم في هذا المضمار منهم المخرج (مهدي اوميد )والمخرج (حسين حسن ) الذي شاهد له الجمهور في كردستان العراق مطلع العام الحالي 2010 في مهرجان محلي اقيم لعرض عدد من الافلام الكوردية في اربيل فلماً بعنوان
( هرمان ) اي بمعنى (البقاء) .وهناك ايضاً المخرج انور السندي الذي قدم فلما بعنوان( مطلع الفجر ) ، عالج هو الاخر موضوعة الحدث الجسيم الذي شهدته ناحية حلبجة وماعانته من دمار نفسي ومادي نتيجة القصف الكيمياوي .اضافة الى ذلك فقد شهدت الافلام الروائية القصيرة هي الاخرى اهتماماً واضحاًمن قبل السينمائيين الشباب الذين عدوها خطوة اولى للدخول الى ميدان انتاج الافلام الطويلة رغم فارق الاسلوب الفني بين نوعي الفلمين .وقد شهدت كردستان العراق اقامة عدد من المهرجان السينمائية المحلية التي استوعبت العدد المتزايد من الافلام السينمائية الروائية القصيرة التي تولى اخراجها مجموعة من الشباب الكورد توزعوا على المحافظات الكردستانية العراقية ، وهم في تزايد واضح يوماً بعد اخر رغم قلة الدعم الذي يتلقونه من المؤسسات الحكومية . مع ان وزارة الثقافة في هذه الايام وفي خطوة جادة منها تسعى لتقييم طبيعة الدعم الذي تلقته الانشطة السينمائية في الاعوام الماضية وتهدف من وراء ذلك الى وضع خطط جديدة ورسم سياسة داعمة جديدة، الهدف منها استثمار الاموال في الانتاج السينمائي بالشكل الصحيح والفاعل بعد ان أمست الحاجة تقتضي توفير الارضية المناسبة والسليمة لبناء هيكلة جديدة لصناعة الفن السينمائي في كوردستان العراق التي سيكون لسينمائييها دور واضح ومهم في السنوات القادمة على المستوى الاقليمي والدولي .وهذا يأتي من شغف الشباب بهذا الفن الذي يملك بأمكاناته البصرية والسمعية مايجعله قادراً على ان يكون ذاكرة فنية وجمالية للانسان والشعوب .


ان السينما في كوردستان العراق سينما فتية تتسم بالطموح والحيوية ويسعى شبابها من مخرجين ومخرجات ان يضعوا اقدامهم على الطريق السليم في مشوار الفن السابع . وهذا يأتي من طبيعة الموضوعات الغنية التي يحرص هولاء الفنانون على الاقتراب منها ومعالجتها بطرق واساليب تحاكي نماذج فنية متقدمة في صناعة الفلم ، وإن كان البعض من تلك النتاجات بقي اسير الموضوعات والمعالجات المستهلكة والتي تجاوزها الفن السينمائي وتركها الى خلفه لتعتاش عليها الدرامة التلفزيونية بكل اسرافها واستطراداتها المملة . لكن الشطر الاعظم من تلك الافلام كان تتضح فيه صدق النوايا والتوجهات الفنية التي تخلت عن كل القوالب الفنية النمطية الجاهزة التي اسسها نمط الانتاج الفني السينمائي في المنطقة العربية سواء في ( مصر) أوفي منطقة الشرق الاوسط ، رغم وجود العديد من النتاجات الفلمية في المنطقتين المذكوتين اعلاه والتي توفرت فيها قيماً جمالية وفنية متقدمة سواء على صعيد الشكل أو الموضوع كما في افلام يوسف شاهين وداؤد عبد السيد ومحمد خان من مصر على سبيل المثال لاألحصر وعبد الحميد عبد اللطيف من سوريا واسماء اخرى يحفل بها المغرب العربي اضافة الى السينما الايرانية .
ومن سط هذا الكم الهائل والتاريخ السينمائي الطويل في الشرق الاوسط الذي يحيط بالمنطقة الكوردية جغرافياً وثقافياً تأتي خطوات السينما الكوردية الشابة بكل عافيتها وحيوتها وقد ادركت حقيقة الطريق الذي ينبغي ان ترسمه لنفسها ، على الرغم مما ينقص هذا الطريق من ممهدات مادية فنية من مؤسسات انتاجية الى مؤسسات علمية اكاديمية الى مؤسسات ثقافية سينمائية . وإذا كانت قد وجِدت بعض من تلك المؤسسات في الاقليم مثل قسم السينما في كلية الفنون الجميلة في جامع صلاح الدين / اربيل ، إلاّ أنها لازالت تفتقر الى الكثير من المستلزمات الفنية والمادية ،اضافة الى الاساتذة المختصين من ذوي الشهادات الاكاديمية العليا ، وليس اقل من ذلك حاجتها الى من هم يمتلكون الخبرة العملية في هذا الميدان .
ومع كل ذلك فإن صورة السينما في كوردستان العراق هي افضل حالا مما هي عليه صورتها في بغداد وفي عدد من البلدان المجاورة، ليس من حيث عدد الافلام المنتجة بل من حيث جودتها ،وهذا ماتؤكده حقيقة المشاركات الدولية للعديد من تلك الافلام التي وإن لم يستطع بعض منها ان يحظى بجائزة ما ، فهي على الاقل قد تمكنت من الدخول بشكل رسمي ومشرف في تلك المهرجانات وتمكنت ايضاً ان تترك انطباعاً جيداً عنها وعن مستقبل هذه السينما الطموحة والفتية ، وهذا مالم يحصل مطلقاً في تاريخ السينما العراقية الذي يمتد لاكثر من نصف قرن !فهذه السينما التي بدأ الانتاج الوطني فيها منذ عام 1956 مع فلم ( فتنة وحسن ) إلاّانها لم تتمكن من الدخول بشكل رسمي طيلة نصف قرن من تاريخها الى اي من المهرجانات الدولية المعروفة للمشاركة في المسابقة الرسمية او حتى على هامش فعاليات تلك المهرجانات وهذا الامر مع ان الصورة بدأت تتغير نحو الافضل بعد التاسع من نيسان 2003 . وينطبق رأينا هذا ايضاً على السينما المصرية كذلك ، والتي هي ايضاً بقيت اسيرة لعدد من الاشكالات الفنية التي جعلتها غير قادرة على الدخول وبقوة ــ إلاّ في استثناءات قليلة ــ الى الساحة السينمائية العالمية التي تتواجد في المهرجانات الدولية لتأكيد تطورها وتطور اساليب مخرجيها وفنييها . وإن تغيرت ملامح هذه الصورة في الاعوام القليلة الاخيرة .


خطوة للمستقبل :
ان الفن السينما في كوردستان لكي يخطو في الطريق السليم يستدعي :
- اولاً . . الاقتراب من الموضوعات التي تثقل الذات الانسانية المعاصرة .
- ثانياً . . اللجوء الى المعالجات الفنية التي تبتعد تماماً عن الخضوع والاستجابة لكل الاشتراطات الفنية التي كدّسها الانتاج السينمائي التقليدي بكل قوالبه الجاهزة والمستهلكة .
- ثالثاً. . الاهتمام بما هو محلي من موضوعات وقضايا، والانطلاق بها نحو معالجات فنية متقدمة ، تخاطب المتفرج العالمي اينما يكون
- رابعاً. . عدم الاتكاء على القطاع العام في تمويل النتاجات السينمائية والعمل بشكل جدي لانشاء شركات سينمائية تابعة للقطاع الخاص حتى يتمكن السينمائيون من العمل بحرية دون الوقوع في دوامة الروتين واشتراطاتات وقيود المؤسسات الرسمية . لان تجربة القطاع العام اثبتت فشلها في كل دول العالم ولم يتمخض عنها اي تاريخ سينمائي يستحق البقاء فنياً .
- خامساً. . اعطاء الاهمية القصوى لقسم السينما في كلية الفنون وتهيئة الارضية المادية الملائمة لخلق جيل من الشباب السينمائي المثقف اكاديمياً وارسال هؤلاء الشباب الى دول العالم للتعرف على تجارب الاخرين في الدول المتقدمة .
- سادساً . . . ضرورة عقد المؤتمرات والندوات والحلقات النقاشية التي يشارك فيها نخبة من الاساتذة والباحثين والمختصين والعاملين في الفن السينمائي من اجل رسم سياسة واقعية لمستقبل السينما بعيداً عن الارتجال والعواطف التي لايمكن المراهنة عليها لخلق ارضية صلبة يمكن الانطلاق منها الى الغد .
- سابعاً . . انشاء صندوق لدعم ورعاية المشاريع الفنية السينمائية للشباب تساهم فيه جهات رسمية وغير رسمية على أن يتم تشكيل هيئة فنية ذات خبرة تكون هي مسؤولة بشكل مباشر عن ادارة هذا الصندوق ، ويكون لها الصلاحية التامة للموافقة او الرفض على المشاريع المقدمة اليها . لتكون هذه الهيئة بمثابة غرفة لصناعة سينما المستقبل .
نماذج سينمائية :
نعود مرة اخرى للحديث عن الافلام الكوردية التي عرضت في حفل افتتاح نادي السينما في منتدى عنكاوا. في محاولة منّا لقراءتها بصرياً وفنياً من اجل المساهمة بجهد متواضع منا في الاحتفاء بها ودعم شباب هذه السينما .
الفلم الاول كان بعنوان ( انتينة ) للمخرج عدنان عثمان وهو مخرج يحمل شهادة اكاديمية في الاخراج حصل عليها من كلية الفنون قسم السينما في جامعة صلاح الدين في اربيل . وهذا المخرج له تجارب فلمية معدودة سبقت هذا الفلم .
قصة الفلم تحكي عن امرأة قروية تحيا في قرية نائية بين الجبال وهي تصارع العزلة التي فرضتها الثلوج المتاسقطة على حياتها في ذاك الكوخ الغاطس بين اكوام الثلوج ، ولم يكن لها من وسيلة لمجابهة تلك الظروف سوى متابعة الرسوم المتحركة لصراع القط مع الفأر في البث التلفزيوني الذي لم يكن مستقراً بسبب تكرار سقوط هوائي الاستقبال نتيجة العواصف الثلجية . . تمكن المخرج من ايصال حالة العزلة التي تحياها الشخصية الرئيسية ــ وهي الوحيدة في الفلم ــ ابتدأ من حسن اختياره لطبيعة المكان الذي جرت فيه احداث الفلم والذي تتراكم فيه الثلوج الى الحد الذي بدت وكأنها معادلاً صورياً لبرودة الحياة الداخلية للشخصية التي لم يكن يحيط بها اي ذات انسانية اخرى يمكن ان تدفء بها روحها وسط عالم صامت موحش لايسمع فيه سوى صوت الرياح العاتية التي كانت تتسبب في كل مرة في اقتلاع الانتينة التي تستقبل البث التلفزيوني وهو الصلة الوحيدة لتلك المرأة بالعالم الخارجي الذي يبدو وكأنه قد سلب منها كل شيءحتى ذاك الرجل الوحيد المعلقة صورته على الحائط ولايهم إن كان ابنها او زوجها . وقد حفل الفلم بايقاع هادىء وجميل عكس بطىء الحياة الخارجية المحيطة بالشخصية اضافة الى ايقاعها الداخلي . واقتنصت عدسة المخرج عبراحجام اللقطات وزواياها، المشاعر الداخلية للشخصية دون مبالغة ولاأسراف . وإن اخفقت الاضاءة في بعض اللقطات من الوصول الى كشف الانفعالات الداخلية . لكن في عموم القول الفلم يعد تجربة ناجحة وجيدة في مسيرة المخرج عدنان .


اما الفلم الاخر والذي كان بعنوان ( الجدار) للمخرج تحسين فائق . وهذا المخرج كان قد دخل الى ميدان العمل السينمائي من خلال التجربة والبناء الذاتي فقط ، ولم يتلقى العلوم السينمائية على مقاعد الدراسة . وهذا امر يحسب له رغم اهمية الدراسة الاكاديمية للفن السينمائي ، ذلك لان فيها شطراً واسعاً جداً من العلوم النظرية والتطبيقية التي لايمكن الحصول عليها وفهمها بالشكل السليم والعلمي دون الجلوس على المقعد الدراسي في معهد او اكاديمية تدرس الفن السينمائي بكل علومه المتنوعة والدقيقة . ابتدأ بالعلوم والنظريات الفيزيائية التي لها صلة مباشرة بالعدسات وانتهاءاً بنظريات الجمال وفلسفة الفن . ومع هذا نجد ان تحسين فائق يملك من الخبرة العملية الشي المهم الذي مكنه من الامساك بالعناصر الفنية المطلوبة لبناء الفلم الروائي القصير ابتدأ من جرأة الفكرة وغرابتها مروراً بكيفية معالجتها سينمائياً بطريقة سلسة ومثيرة في ان واحد ، والفلم محاولة شجاعة لطرح موضوعة انسانية تشمل مجتمعاً واسعاً بكل طبقاته وصراعاته واحلامه الفردية والمجتمعية من خلال جدار ما ،تسعى الكامرة في لقطة ثابتة عليه طيلة زمن الفلم الذي لايتجاوز الخمسة عشر دقيقة أن ترصد كل ماجرى لهذا المجتمع من احداث عصفت به عبر ماكتب ويكتب على الجدار من ذكريات شخصية وكتابات احتجاجية واعلانات تجارية ومايلصق عليه من ملصقات وماتعلق عليه من لافتات . ليتابع المتفرج طيلة زمن الفلم مايجري من تحولات وتغيرات بفعل الزمن على تلك الاشياء التي شهدها الجدار . والمخرج هنا ازاح بمعالجته الفنية الحوار تماما من الفلم لتكون الصورة بديلاً معبراً عنه . تحكي لنا بلغة عالية ومكثفة اشياء واحداث لن يتمكن الحوار بلغته الادبية ان يوصلها لنا مثلما استطاعت الصورة ان توصلها . وهذا هو جوهر الفن السينمائي الذي يقوم على ماتختزنه الصورة من طاقات هائلة للتعبير عن الموضوعات التي يطرحها الفلم.
وفلمنا الاخر كان بعنوان ( النَفَس ) وهو من اخراج شهرام نامق .الذي هو الاخر كزميله تحسين لم يدرس الفن السينمائي اكاديمياً لكنه درس المسرح ، وهذا لم يمنعه من المغامرة والدخول الى العالم السينمائي . وقصة هذا الفلم تحكي عن علاقة تنشأ بين امرأة ورجل عبر الهاتف بفعل الصدفة ،وسوف لن يلتقيا ابداً بعد ان سرق شخص ثالث هاتف العشيق لينتحل صفته وليحل مكانه .. لقد احتاج المخرج شهرام الى زمن طويل داخل الفلم ليشرح لنا تفاصيل القصة وهذا امر اثقل الحبكة وايقاعها . ومن هنا اقترب الفلم كثيراً من الدراما التلفزيونية التي تستند على (المشهد) الدرامي في البناء وليس (اللقطة) كوحدة فنية يتم الانطلاق منها وبها في صياغة معمارية العمل الفني الدرامي .
اما فلم ( تراوما ) للمخرجة ( جوانا سعيد ) وهي مخرجة اكاديمية تعمل مدرسة للفن السينمائي في قسم السينما التابع لكلية الفنون في جامعة صلاح الدين، فيعد هذا الفلم من وجهة نظرنا من افضل الافلام الثلاثة المعروضة في تلك الامسية ،وقد توفرت فيه جملة من العناصر الفنية التي اهلته لكي يقترب من البناء الدرامي الى مستوى من النضج الواضح في حبكة الموضوع الجرىء الذي تناوله الفلم والذي تتطرق الى موضوع (ختان الاناث ) . وإن كان هذا الموضوع لا يحتل مساحة مهمة في حياة المجتمع الكوردي، لكنه يشكل مبعثاً للقلق والخطورة في مجتمعات اخرى قد تكون بعيدة عن كردستان العراق . وحتى لو افترضنا وجود هذه المشكلة الاجتماعية هنا في كوردستان فإنها تكاد ان تكون على نطاق ضيق جداً قد لاتذكر ولاتشكل بذلك قضية تستحق التوقف عندها . ولكن مع ذلك يبقى تناول مثل هذا الموضوع من حيث المبدأ هو الذي دفع المخرجة لالتقاطه ، وكأنها هنا تمارس دورها الانساني كفنانة، في سعيها للطرق على موضوعات تسيىء الى الانسان عموماً والنساء خصوصاً وتسلبها ادميتها حتى وإن تواجدت هذه الموضوعات في مجتمعات اخرى بعيدة عن مجتمعها الذي تعيش فيه ،ذلك لان المهم بالنسبة لها هو تناول المشكلة التي تبدو واضحة لها بكل صورها البشعة في العديد من المجتمعات الشرقية .
ويعد تناول مثل هذا الموضوع من قبل مخرجة كوردية يعني اولا ً : الفهم السليم للدور الذي ينبغي ان تضطلع به السينما عندما تتصدى لقضايا مجتمعية تتسم بالتعقيد والحساسية وذلك لتداخل عوامل عدة بين ثناياه ، منها ماهو ديني، ومنها ماهو اخلاقي، ومنها ماله صلة بالاعراف والتقاليد الاجتماعية، التي عادة ما يتشكل منها المجتمع ، حتى وإن ظهرت على سطحه صفة التمدن والتحضر، إلاّ انه لم يزل يعاني صراعا مع نفسه يسحبه بكل قوة الى الخلف ، الى عادات وتقاليد قبلية وقروية ، تعود به الى ازمنة بعيدة مازالت تشكل ثقلاً قيمياً يتراوح حضورها مابين التقديس والخضوع للعرف الثقيل الذي لايمكن تخطيه بسهولة رغم ماتحمله الاجيال الجديدة من قيم مدنية تدفعها بقوة الى المستقبل بكل سعته، دون ان تعير للماضي تلك الاهمية التي مازال الاباء والاجداد يتمسكون بها ولايسمحون بتجاوزها .
لذا يعد فلم ( تراوما ) للمخرجة جوانا سعيد خطوة جريئة للاقتراب من شرفة الحرية التي يقتضيها الفن حينما يتصدى لموضوعة ما . فما جدوى ان تُقدِم على انتاج عمل فني دون ان تمتلك الجرأة لقول ماتريد ،وفق الزاوية التي تنظر منها انت للموضوع، وليس وفقاً لما ترسّخ من قناعات لدى المجتمع تشكلت عادة عبر عشرات السنين .
اما بالنسبة للجانب الفني في هذا الفلم فقد تمكنت المخرجة من خلق علاقات انسانية متوترة مابين الزوج و الزوجة التي تحمل ماضياً ثقيلاً عليها بعد ان كانت قد تعرضت في طفولتها الى عملية ختان قتلت فيها انوثتها وبرائتها . مما سبب لها بروداً في العلاقة الجنسية مع زوجها الذي كان في حيرة من امر زوجته وهو يراها على تلك الحالة من الرفض للعلاقة الشرعية الطبيعية التي تفرضها وتوجبها طبيعة العلاقة الزوجية بينهما ليصل الامر به في لحظة ما الى ان يشك بها، معتقداً بوجود علاقة اخرى ترتبط بها زوجته مع شخص اخر . وحين تصل العلاقة الى هذه المرحلة من الخطورة تقرر الزوجة الكشف عن ماضيها وعن خفايا وتداعيات تلك التجربة التي مرت بها وهي طفلة، مما سبب لها بروداً جنسياً تبعه عقدة خوف ورفض من اقامة علاقة طبيعية مع الزوج خوفاً من انكشاف الامر .
كانت مشاهد غرفة النوم التي كانت تجمع مابين الزوجين قد تمت ادارتها بشكل جيد من قبل المخرجة ، وتمكنت من رسم صورة واضحة ومعبرة لطبيعة العالم الداخلي والنفسي الذي تعيشه الزوجة ،وهي تعاني بصمت تجربة الماضي ،وتحملها معها كل تلك السنين ، لتخدش ذاك الحب الذي يكنه لها الزوج . كما نجحت ايضاً في ادارة الممثلين والوصول بهم الى اداء عفوي خال من التكلف والمبالغة، ورسمت من خلالهم دلالات تشير الى عمق العاطفة التي تجمعهما . وهكذا كانت ايضاً مشاهد الختان التي تم تقديمها ضمن اجواء نقيضة لتلك الاجواءالهادئة التي كانت عليها حياة الزوجين في غرفة نومهما . كما امسكت المخرجة بايقاع الفلم حتى نهايته دون ان يخرج عما رسمته من بطىء يعكس طبيعة الموضوعة المطروحة وثقلها على الشخصية المحورية .
أما فلم ( مصنع الاختطاف )فكان للمخرج ( ريفين سعيد ) والمخرج سعيد يعمل استاذ للفن السينمائي في كلية الفنون جامعة صلاح الدين وكان قد اكمل دراسته لهذا الفن في المانيا واشرف بعد ذلك على تدريس عدد من الطلبة في تركيا . في هذا الفلم للمخرج ريفين حاول ان يحكي عبرشريطه وجهة نظره طبيعة الصراع الدموي الدائر في بغداد ،ويبدو انه قد حكم على هذا الصراع مسبقاً حكماً طائفياً ، من خلال شخصيتين يلتقيان في المقهى ، احدهما يلقب (ابو علي )والثاني (ابوعمر ) !. وكان الاثنان طيلة لقائهما في المقهى ينافقان على بعضهما بمحبة واحترام مزيفين بينما يبيّتُ كل منها للاخرنيّة اختطافه وقتله ، وعلى ذلك يتصل كل منهم منفرداً دون ان يعرف الاخر، برجال العصابات عبر الهاتف لغرض تنفيذ عملية الاختطاف. وبالتالي يتم اختطاف الاثنين من قبل نفس المجموعة . ولم يقتصر الفلم على هاتين الشخصيتين بل كان هنالك ايضاً شخصية الفنان الذي كان منشغلاً بالعزف طيلة الفلم على الة العود، مردداً نغمات اغنية تراثية تتحدث عن جمال بغداد ( الليلة حلوة . . حلو وجميلة ) .
وتبقى هنالك شخصيات اخرى مثل ( عامل المقهى ) ورجل اخر يظهر في بوابة المقهى يراقب الاحداث دون ان يكون له اي دور مشارك وفاعل فيها ولم يكن لاختفائها فجأة اي تمهيد او اي مبرر مقنع .
إن هذا الفلم على الرغم من الموضوعة الكبيرة التي حاول ان يطرحها وهي موضوعة الصراع والعنف الطائفي الذي يجتاح العراق منذ عام 2003 إلاّ انه اخفق في رؤية هذا الصراع من الزاوية السليمة التي تتيح له ان يرى جانباً مهماً ومعبراً عنه وعن غموضه وتقاطعه . ذلك لان مايجري على ارض الواقع من قتل وخطف وتفجير، لايمكن النظر اليه بهذه البساطة والتسطيح لطبيعة القوى المتصارعة . فالمسألة هنا معقدة جداً والصورة غير واضحة على ارض الواقع طالما تداخلت المواقع والقوى مع بعضها ولم يعد بالامكان معرفة القاتل من الضحية، وطالما بات القاتل دائماً بعيداً عن ايدي العدالة في معظم الجرائم ، ولم تعد اسباب الغموض مجهولة بالنسبة للمواطن العراقي وذلك لمعرفته بوجود اطراف وشركاء متعددين ومن مختلف الانتماءات الدينية والطائفية والقوميةوالسياسية لهم صلة مباشرة وغير مباشرة ، باية جريمة قد تحدث على ارض الواقع ولايمكن الجزم بمسؤولية طرف واحد وتبرئة اطراف اخرى، فالامر هنا غاية في الصعوبة والتعقيد طالما نحن في دهاليز وكواليس الجريمة المنظمة وليس كما جاء به حدث الفلم عندما اختصر الصراع بين نموذجين اثنين فقط ! ، نمذجَهُما المخرج قسراً بشكل مُبسط جداً، الى شخصية سنية وشخصية شيعية .! وبالتالي هذا التبسيط قد دفع بالمخرج الى تعميم هذه الفكرة في تفسيره لحقيقة الوضع الملتبس والشائك في المحنة العراقية ، التي دخلت عامها السابع دون ان تجد لها مخرجاً ، لكن المخرج ريفين وببساطة شديدة اوصلنا الى هذا المخرج السهل جداً . ! وهو ينظر الى هذه المشكلة التي دمرت العراق واحالته الى بؤرة للموت، وأحالته الى عالمٍ حطام ْ، لايجد الانسان فيه بارقة امل . . ولم يقتصر تعميمه السلبي هذا على الشخصيتين المحوريتين بل تعداه الى شخصية الفنان عازف العود الذي لم يكن له اي دور فاعل في حركة الاحداث ولم تأتي منه اي ردة فعل تشير الى حقيقة وضعه في الحياة واستمر بالعزف بشكل آلي منذ بدء الفلم وحتى نهايته دون ان يرفّ له جفن وهو يرى بعينيه عمليات التأمر والخطف تتم امام ناظريه في المقهى !
لذا لم تكن هذه الشخصية تملك خصوصيتها الانسانية والواقعية كذات ولاخصوصيتها المهنية كفنان ، فكانت بالتالي شخصية مسطحة ومجردة من كينونتها الانسانية المرهفة ، بكل ماتحمله شخصية الفنان من وعي واحساس بالالام ألاخرين وغالباً لاتتوفر عند غيره، مثلما هي متوفرة لديه . . اضافة الى شخصية صاحب المقهى الذي هو الاخر لم يكن سوى اطاراً زخرفياً مكملاً لصورة المقهى الغير مكتملة اصلاً والمجردة تجريداً تاماً من الرواد باستثناء الشخصيتن الرئيسيتين الشيعي والسيني ، مع ان المقهى( كمكانٍ) في البيئة العراقية يشكل ركناً مهماً للعلاقات الاجتماعية وحيويتها . فلو لجأ المخرج الى خلق شخصيات اخرى ثانوية وتم توزيعها ضمن زمن الفلم داخل مكانية المقهى واعطيت لها مساحة من البناء الدرامي لتمكن المخرج من خلق صورة واقعية مفترضة تكون معادلا موضوعياً يخلق من خلاله التوازن المطلوب لسلبية الشخصيتين الرئيستين اللتين لم يتم الاشتغال عليهما عميقاً في بنائهما الدرامي بالشكل الموضوعي والذي جعلهما بهذا التسطيح والنمذجة . كما اتسم الحوار بالضعف الواضح جداً، ، وكان تكرار عبارة واحدة طيلة الفلم من قبل الشخصيتين ( بغداد جميلة مو ؟ ) لم يساهم في تطوير وبناء الفعل الدرامي ليبقى الحدث ساكناً في مكانه . .
والسؤال هو : هل ان مدينة بغداد التي تحيا في ازمنة العنف هذه تتسم بهذا الهدوء والسكينة التي ظهرت عليها في الفلم !؟ أليست بغداد تعاني من ضجيج الانفجارات ودوي القنابل وصافرات الاسعاف وصوت اطلاقات الرصاص !؟ اين تلك الاصوات في هذا الفلم ؟ . لقد خلا الفلم منها تماماً ! ولاأدري لماذا تم استبعادها ؟ مع انها لو وجدت لأضفت مسحة واقعية على زمن الفلم واجوائه ، التي بدت مغربة عن بغداد ، وكأن مايحدث لم يكن في بغداد الملتهبة الان، انما في مدينة اخرى أو زمن اخر غاب عنها قبل اكثر من اربعين عاماً ، زمنٌ كان يتسم بالهدوء والراحة والمساحات الخالية كما هو الحال ايام الستينيات او السبعينيات من القرن الماضي .
ومع كل هذه الملاحظات إلاّ انني اجد ان المخرج كان قد امسك جيداً بعناصر التصوير ،وتوزيع الاضاءة ، سواء مايتعلق منها بالمكان بشكل عام او في مجموع اللقطات ،وتمكن من ايصال الجو الملائم للمكان عبر تدرج الالوان ،ومساقط الضوء ،وتضاداته، فكان جوا درامياَ عكس طبيعة الصراع الخفي الذي تضمره الشخصيات لبعضهاالبعض .


ولنا الان وقفة مع فلم ( الرهان ) وكان هذا الفلم بتوقيع ألمخرج (تنيا كريم ) . والمخرج كريم لم يتلقى تعليماً اكاديمياً لفن السينما ،وجاءت خبرته من اشتغاله في هذا الميدان في عدد من الاعمال الدرامية التي جعلته مرتبطاً بهذا الفن رغم ماضيه المسرحي.
الفلم يتحدث عن ممثل مسرحي ابتعد عن مهنة التمثيل في المسرح لان هذه المهنة لم تعد تجدي شيئاً ، واحالها الى الحياة ليتقمص عبرها شخصيات متنوعة يقتنص من خلالها الفرص لخداع الاخرين بعد ان يكون قد لجأ الى الرهان معهم حول امر ما . ليثبت لهم انه قادر على تحقيق مايراهن عليه مهما بدا صعباً . وبهذا استطاع ان يجمع ثروة بات يودعها في البنك يوما بعد اخر ، مما اثار شك وحيرة مدير البنك حول مصدر هذه الثروة ، ولما اعلمه بالكيفية التي يجني بها المال،وذلك بالاعتماد على المراهنات مع الاخرين ،سقط المدير هو الاخر في الفخ عندما اقنعه الممثل بأنه متأكد من وجود ( علامة ) على ظهره . فما كان من المدير إلاّ ان يخلع ملابسه ليثبت للمثل خطأه بعدم وجود علامة على ظهره . عند ذاك فتح الممثل الباب للموظفين الذين كان قد سبق ان اتفق معهم على رهان مالي مقابل استعداده للضحك على المدير وخداعه ليجعله يخلع ملابسه ويبقى عارياً في الغرفة ، عندها صُدِم الموظفين عندما شاهدوا بأمِّ اعينهم مدير البنك وهو عارٍ من ملابسه . . هذا الفلم ليس فيه من الجرأة بشيء ،سواء على مستوى الموضوع المطروح او على مستوى المعالجة الفنية، فهو فلم مصنوع بطريقة تقليدية من حيث حبكته وبناء شخصياته، ولم تكن هنالك اية مفاجأت درامية على مستوى بناء الشخصيات ،ولا ألاحداث باستثناء الدقائق الاولى من زمن الفلم ، عندما كانت الكامرة تتجول في الشوارع وتمرُّ على الدكاكين والاسواق من وجهة نظر ( ذاتية ) للشخصية الرئيسية ( الممثل ).كانت هذه لمسة ذكية تمكن المخرج من خلالها الى شد انتباه الجمهور واثارة مخيلته لمعرفة من يكون وراء الكامرة التي تتجول بشكل حر في الشارع . لكن ذلك لم يستمر بعد ان تم الكشف عنها ،داخل غرفة المدير لتتحول الى لقطة متوسطة ( موضوعية ) لشخصية الممثل ، وهنا تحديداً فقد الفلم عنصر المفاجأة والتشويق الذي كان قد بدأ به . ولكن اعتماد المخرج على الممثل الكوميدي الموهوب ايام اكرم الذي يملك خبرة اكاديمية وعملية انقذ الفلم من الترهل الذي كان من الممكن ان يصيبه وتمكن عبر قدرات هذا الممثل الذي لايقل شأناً عن افضل ممثلي الكوميديا في العالم ان يحافظ على ايقاع الفلم ، كما لم يلجأ المخرج الى تنويع اللقطات وتغيير الزوايا داخل المشهد مكتفياً باللقطة العامة التي بأمكانها ان ترصد امكانات الممثل ايام اكرم بأدائه الذي يقترب في الكثير من تفاصيله من الاداء المسرحي . لكن خفة الظل التي يتسم بها ، خففت من تلك الايماءات المبالغ بها، والتي عادة ماترافق الاداء المسرحي وليس الاداء السينمائي .
ومع هذا فإن المخرج( تنيا كريم) ، ورغم عدم تسلحه بالدراسة الاكاديمية للفن السينمائي إلا انه امتلك الفطرة والخبرة العملية التي أهلته لصنع دراما ( تلفزيونية ) تستقطبب اهتمام الجمهور وتشبع متعتهم .


الزجاج المكسور:
قصة الفلم تحكي عن علاقة زوجية وصلت الى نقطة اللاعودة بين زوجين اثنين رغم مايحملان لبعضهما من اخلاص ومحبة . وقد كان للعوق الجسدي الذي اصاب الزوج وهو الشاب الوسيم واقعده على كرسي للمعوقيين سبباً في ان ينهي بشكل تام على وظيفته الطبيعية كرجل وزوج ليصبح بالتالي كياناً ادمياً محطماً من الداخل والخارج، ولم تعد تجدي نفعاً كل عواطف المحبة والحنان التي تمنحها اياه الزوجة .لكونه لم يعد قادراً بالمقابل على العطاء. ليصل في اخر الفلم الى ان يضع لنفسه نهاية تبدو بالنسبة له العلاج الوحيد للخروج من عذاباته النفسية والجسدية بعد ان عجز الطب عن شفاءه منها .
جاء سيناريو الفلم محكم البناء فنياً وهو يرسم الازمة النفسية والجسدية لكلا الزوجين وفق بناء تصاعدي يتنامى بشكل توافقي مابين الشكل السينمائي والبناء الدرامي لموضوعة الفلم . ومال البناء المونتاجي للفلم الى الاختزال المكثف والقطع الحاد ليعكس حدة المشاعر وتوترها مابين الزوجين . كما نجح المخرج في خلق جوٍ عام تمكن من خلاله ان ينقل انطباعاً واقعياً عن الحالة الزمنكانية التي تحيا بظلها شخصيات الفلم بالازمة التي تعصف بهما الحديث عن هذا الفلم يدفع بنا للحديث عن ممثلة الدور الرئيسي في الفلم الممثلة (هوار شريف ) والتي سبق ان شاهدناها في فلم ( تراوما ) للمخرجة جوانا سعيد . ان هذه الممثلة تمتلك سيطرة عالية على ادواتها التعبيرية ، دون ان تسقط في المبالغة او الاسراف في اظهار المشاعر الداخلية للشخصية .
في اخر القول يمكننا الايجاز بالشكل ألتالي : ان الافلام تناولت موضوعات انسانية تمت معالجتها سينمائياً بطرق جميلة وسلسلة ، فيها الكثيرمن الجرأة والتحدي، كما بدا ذلك واضحاً في فلم (انتينة) و(الجدار ) و( تراوما ) و( الزجاج المكسور ) . .
والافلام هذه كانت اقرب كثيراً الى البناء الدرامي الذي يتطلبه بناء الفلم السينمائي، بينما ابتعدت بقية الافلام عن بناء الفلم السينمائي بدرجات متفاوتة لتصبح اقرب مايكون الى المعالجات الدرامية التلفزيونية .




تنويه : سبق ان نشر هذا الموضوع في صحيفة الزمان وبجزأين يمكن العودة اليه على الرابط الاتي :
http://www.azzaman.com/index.asp?fname=2010\06\06-18\669.htm&storytitle=%C7%E1%D3%ED%E4%E3%C7%20%C7%E1%DF%D1%CF%ED%C9.%20%D1%C4%ED%C9%20%E6%C3%E3%E1




http://www.azzaman.com/index.asp?fname=2010\06\06-27\669.htm&storytitle=%E3%D3%CA%DE%C8%E1%20%C7%E1%D3%ED%E4%E3%C7%20%C7%E1%DF%D1%CF%ED%C9.%20%D1%C4%ED%C9%20%E6%C3%E3%E1




،ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



صناعة فلم سينمائي . . في زمن الاحتلال .




ها هي الدروب .. تعج بالقتامة
والمصائر .. تلتقط الضلال .


لم يعد بالإمكان أن نحمل أجهزة التصوير ، بحرية ، ونحن نمشي في شوارع المدينة : لأن الرصاصات ستُعجِّل بموتنا قبل أن نملك الفرصة للكشف عن هويتنا السينمائية ، ولتبرئة أنفسنا ، بعدم انتمائنا للوسط الصحفي أو الإعلامي .. فالمدينة ، حفلت بحكايا المصورين وهم يقتلون . من قبل كل الأطراف المتصارعة ، دونما استثناء ... هكذا بدأنا نخبئُ كاميرة التصوير . بطرق غريبة ومضحكة . حتى نقطع الشك بهويتنا . فماذا لو انتتبه أحدٌ ما ؟ . ولأنني لم أعد أشعر بالأمان : اضطررت إلى تغيير كل المواقع الخارجية ( اللوكيشنات ) . فتحوّلت الساحة الخلفية لمعهد الفنون الجميلة بديلاً عن موقع الغابات .. والممرات إلى شوارع .. وكافيتريا المعهد إلى أسواق مزدحمة لبيع الملابس المستعملة ..
بلونها المغموس في الثلج تقترب مدينة الموصل من غواية التوحش ، طالما عجلات الهمر الأمريكية تُطبق على صدرٍها، وتمرُّ على استدارة جسدها ومنحنياته . إن إصراري على عبور النقاط الساخنة ، أنا وفريق العمل السينمائي لم يكن بفعل التحدي . إنما استسلاماً لهيمنة القدر . بدت رحلتنا روتينية ونحن نمر من بين أنياب الموت ، للوصول إلى أمكنة التصوير التي حاولنا إختيارها وفقاً لمقتضيات الصراع العبثي المتدّلي فوق رؤوسنا ... في اليوم الأول للتصوير ، حاولت أن أسحق هواجس الخوف وأنهض من رماد الهلع وأنا أهم بالصعود إلى سيارة الأجرة ، لتقلني إلى منطقة الجامع الكبير . وما بين انطلاق السيارة من حي اليرموك واجتيازي لشارع بغداد نزولاً عند منعطف بدالة أبي تمام ، انفلتت أشباح الموت لتحاصرني : قد أكون الآن أو بعد لحظات لقمة شهية لإحدى السيارات المفخخة أو لإحدى العبوات الناسفة المزروعة على جانبي الطريق ... رحلتي هذه مسافة طويلة بلا حلول ، يزيد من جراحاتها عقم الحوارات الهاربة من أدمغة القرويين المحشورين داخل السيارة .
- كن حذراً ...
كل يوم توصيني زوجتي ، وكأني أتبادل اللامبالاة مع النار المتطايرة في الشوارع .
- لا جدوى من الحذر ..


أتحسس المقعد الخلفي للسيارة الشوفرليت المنتجة سنة 1952 والمُغلّف ببطانية عسكرية متهرئة . يبدو أننا ما زلنا ننتصب في فراغ العزلة ، رغم تكورنا في ليل القرن الواحد والعشرين .
يسترسل الركاب في عجين الأحاديث المطوّقة بالمرارة دونما شعور بالقرف من دنس هذا التكرار ... فجاءة تندلع زخة من رصاص . لتسود الفوضى سماء المدينة المرتعشة تحت خرائط المسلحين وهم يصنعون أطلسها الجديد ..
وصلنا إلى سطح الدار العتيقة المجاورة لمنارة الحدباء ، بعد أن تسلقنا درجاً حجرياً ضيقاً لا يتسع إلا لشخصٍ واحد ، كانت المدينة تبدو من فوق ذاك السطح – معافاة من الهيجان ، وكأنها كانت تجني ثمار جمالها .. غرقنا في متعتنا ونحن نحدد زوايا التصوير للمشهد الأول : صبي يؤرجح عصا خشبية ، مربوطاً في نهايتها منديلاً أحمر اللون . والطيور تحلق في السماء .
إلا أن صوت الطائرات . القادم من بعيد ، أفسد علينا نشوة احتفالنا فهرعنا مسرعين نبحث عن أمكنة تلّوح فيها الطمأنينة ، بعيداً عن مرمى الطائرات الأمريكية ... إستوطن الخوف مصورنا محمد البان . فأنزوى تحت الدرج الحجري ، مخبأّ كامرته . بقمصلته . خشية أن يراها الطيارون . فنصبح بذلك هدفاً لهم ، بعد أن كثر عدد القتلى من المصورين بفعل النيران الأمريكية ... إلا أن إستيائي من هذا الظرف المعرقل . غادرني تماماً . حينما رأيت الصبي الذي يشاركنا في الفلم. ما زال يرفع راية اللامبالاة ويجري بكل براءته على سطح الدار . منشغلاً بالطيور دونما اكتراث بالطائرات التي تحوم حولنا . بل ما زال يطمأننا بعبارات يكررها بين لحظةٍ وأخرى .. لا تخافوا .. بعد دقائق ستغادر هذه الطائرات .
خاب رجاءنا ولم تشرق الشمس في اليوم الثاني للتصوير . وأتشحت السماء بلون رمادي داكن ، ونحن تحت وطأة الإنتظار الطويل فوق سطح الدار .. اقتربت عقارب الساعة لتشير إلى التاسعة صباحاً . ولم تجدي نفعاً كل استغاثاتنا .. فأنتقلنا طائعين إلى موقع آخر . في الجانب الأيسر من المدينة . الذي لم يكن أقل هدوءاً من الجانب الأيمن .... كان المشهد يقتضي أن يحمل بطل الفلم ( د: محمد إسماعيل ) بندقية صيد . بينما هو يتجول فوق سطح الدار لإقتناص الطيور . كنا نصور ذلك المشهد في منطقة تسمى ( حي الأمن ) وهو من أخطر الأحياء في المدينة . وذلك لوقوعه على الطريق الرئيسي الذي غالباً ما تستخدمه القوات الأمريكية . وهي قادمة من المطار . الذي هو نقطة إنطلاقها بإتجاه المدينة .. كانت هذه مفاجأة أخرى لنا ، ولم يكن بالإمكان تأجيل التصوير . لأننا كنا ملتزمون بوقت محدد ، لإنهاء التصوير مع الشركة المنتجة للفلم .
وما أن حددنا زوايا التصوير . واستكملنا الإستعداد للبدء بالعمل حتى لاحت لنا . الطائرات الأمريكية مرة أخرى . فما كان لنا إلا أن ننسحب مسرعين من على سطح الدار . خشية أن يتوهم الطيارون بأننا مجموعة مسلحة تسعى للقيام بعمل إرهابي ضدهم . وتكررت هذه اللعبة أكثر من مرة . واستغرقت أكثر من ثلاث ساعات . لكننا استطعنا خلال الفترات القصيرة التي كانت تغيب فيها الطائرات بعيداً عنا أن ننجز المشاهد المتعلقة بذاك المكان .
لسنين طويلة .. وأنا أصر بسخاء كبير على كتابة وتمزيق ما أكتبه من سيناريوهات . مشددوا إلى منطق مجابهة المشهد المستهلك ، والسكون في أردية الدهشة والتغريب ، حتى تتفاقم التفاصيل في ومضات شفافة . ولم أكن بعيداً في استجابتي عن مفاجأت .( كودار . وكوبولا . ومحد خان ). إن محنتنا في انتظارنا الطويل هذا. لمواجهة أنفسنا خلف عدسة الكاميرا . وهكذا بقينا محتجزين لأكثر من ربع قرن في طوابير التهميش وكراديس الحرب بقصديّة متنها العبث بوجودنا . حتى نستحيل إلى مفاصل في السرفات ... في اليوم الثالث للتصوير .استقبلنا المخرج المسرحي عصام سميح في شقته الصغيرة . والتي أخترتها موقعاً رئيسياً . لتصوير المشاهد الداخلية المتعلقة ببطل الفلم . الخارج مرغماً من شهوته للحروب وذلك لتوفر كل العناصر التي رسمتها على الورق في محتويات الشقة . ابتداءاً من الأثاث الأنيق النابض بالحداثة . وانتهاءً بهامش الحرية الواسع الذي منحنا إياه الفنان عصام . طيلة فترة بقاءنا في الشقة . إلا أن إنقطاع التيار الكهربائي . ألقى بضلاله علينا . فوقفنا عاجزين للحظات . نبحث عن حلول للمشاهد الليلية التي كنا ننوي إنجازها طيلة النهار . إذ ليس بالإمكان أن نخطو بها إلى ساعات الليل لأن فرض حظر التجوال يبدأ من الساعة السادسة مساءاً وحتى الساعة الخامسة صباحاً .
هكذا ساد الصمت أرجاء الشقة . وانتفخت في ملامح الوجوه علامات الغضب ...كيف يمكننا الخروج من اطارات هذا الغبار . باشتعالات تطلق النوارس فوق حطام السنين العجاف . كيف يمكننا الخروج من زمن المراثي والرماد في مدننا المأهولة بالنشيج والأساطير الكاذبة .. أزحنا الستائر عن النوافذ قليلاً . حتى ينفذ بصيصاً من الضوء ..وبذلك ننحي ساعات النهار . لنحيل مكانها احساساً بحلول الليل .
لا شك أننا كنا نتصرف إعتماداً على ما تبقى لدينا من مشاكسات مقتضبة .. خرجنا إلى الشارع المتعفن بالهمرات الأمريكية . بحثاً عن تاكسي توصلنا إلى بيوتنا . لم نجرؤ على الوقوف طويلاً . خشية أن نكون في مواجهة القسوة والعنف المارينزي الذي أحال خضرة المدينة إلى نزيف دائم .
ملاحظة : تم إنتاج هذا الفلم مع تسعة عشر فلماً أخر لمخرجين شباب من كافة أنحاء القطر العراقي .بدعم كامل من المخرج الكردي جانو روزبياني .
الفلم بعنوان ( اكسباير )


الموصل 2005


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





                    المخرج : شوقي الماجري  .  .

                      وجماليات الخطاب الفني في الدراما التلفزيونية .



رغم الكم الهائل من  الاعمال الدرامية التي تبثها عشرات القنوات الفضائية العربية خلال شهر رمضان إلاّ ان الكثير من تلك الاعمال لايستحق عناء ومتعة المشاهدة لاكثر من الدقائق الاولى ، لتكتشف وبكل سهولة  رداءة الطبخة  الدرامية التي قدمت لك  رغم الاسماء اللامعة من النجوم التي تم حشوها في تلك الاعمال من دون جدوى.   
هذا الامر يتكرر سنوياً في الانتاج الدرامي العربي الذي بدأت دوائر انتاجه تتسع سنة بعد اخرى بعد انطلاق وتوسع حجم القنوات الفضائية  التي كان عليها أن  تغطي الكثير من ساعات بثها بالاعمال الدرامية والتي تأتي في اولويات استقطاب المشاهد العربي الذي يعاني مايعاني من هزائم حياتية شتى بفعل فشل الانظمة السياسية في بناء وتنمية مجتمعاتها وهذا مايدفع مواطنيها  الى الارتماء في أحلام وبطولات خيالية تصنعها وتخيطها له شركات الانتاج الدرامي على مقاس احباطاته وعجزه ويأسه ولتساهم بالتالي هي الاخرى وبالتواطىء مع الانظمة العربية في تخديره وابقاءه في حالة من الكسل الفكري والارتكان الى حالة من الشعور بالمتعة السلبية الاستهلاكية وهو يشاهد تلك الاعمال الدرامية التي تزيد من كثافة العيش في الخرافات  الاوهام والبطولات الزائفة  . وتشترك في ذلك (الاعمال الكوميدية و الدرامية الجادة . والميلودرامية .) .
لكن وسط هذا الكم الردىء غالباً مايطالعك عمل فني يغرد خارج السرب ليمنحك متعة فنية وفكرية تغنيك عن مشاهدة بقية الاعمال . ودائماً مايقف وراء هذه الاعمال النادرة فنانون يتسمون بقدر عال من الاحترام لانفسهم وللمشاهد الذي يحسبون له الف حساب حين يقررون الاقدام على انتاج عمل فني جديد .
من تلك الاسماء التي ارتقت بالدرما العربية الى افق اخر جديد  لاصلة له بالارث الردىء الذي تشكل عبر عقود طويلة من الانتاج أسم بدأ يمهر  بصمته واضحة ومتفردة في ذاكرة الشاشة الفضية خلال الاعوام العشرة الاخيرة   .
شوقي الماجري المخرج الذي اكد حضوره الرصين والمميز عبر عدد من الاعمال الدرامية( الملحمية ) التي تصدى لاخراجها.
 حالفني الحظ ان اتابع مسيرة هذا المخرج ابتدأً من مسلسل ( اخوة التراب ) بجزأيه في مطلع تسعينات القرن الماضي والذي تناول فيه ملحمة النضال الوطني التي خاضها الشعب العربي السوري لنيل حريته في مطلع القرن العشرين . ثم جاء عمل اخر بعنوان (بيت الارواح ) ثم عمل اخر بعنوان (عمرالخيام ) واعقبه بعمل اخر بعنوان( الاجتياح ) تناول فيه صور الكفاح الفلسطيني من اجل الحرية واثبات الحقوق في ملحمة تلفزيونية احتشدت فيها نماذج انسانية لم تقترب منها معظم نتاجات   الدرما العربية وهي تتناول الصراع الفلسطيني الفلسطسيني والفلسطيني  الصهيوني إ لاّ بعض الاعمال مثال على ذلك مسلسل( التغريبة الفلسطينية ) للمخرج بسام الخطيب .واخيراً جاء العمل الاخير للمخرج شوقي الماجري( هدؤ نسبي ) الذي مازال عرضه مستمراً على شاشة عدد من القنوات الفضائية  والذي تناول فيه وبموضوعية  وجرأة يحسد عليها ، الايام الاخيرة  لنظام صدام حسين ومن ثم سقوطه السريع والمفاجىء امام القوات الاميركية والجيوش المتحالفة معها .  كل ذلك يتم من خلال وجهة نظر مجموعة من  الاعلاميين والصحفيين العرب والاجانب الذين تواجدوا في تلك الايام والساعات التي شهدت نهاية  ذاك النظام  وسقوط بغداد تحت الاحتلال الاميركي وهمجيته وما تبع ذلك من تداعيات لم نزل نشهدها حتى اللحظة وهي ترسم امامنا صورة وطن تشظى وغاب عن اعيننا في فوضى الصراعات الحزبية والطائفية التي يتحمل مسؤولية ظهورها وانتعاشها وتأجيجها المحتل الاميركي والصراعات الاقليمية التي ألقت  بظلالها على الساحة العراقية الملتهبة .
المخرج شوقي الماجري تصدى لهذا الموضوع المعقّد والشائك.  وتكمن خطورة هذا العمل في راهنيته ووقوعه في الزمن الحاضر وهو لم يزل  يتشكّل بحضوره الكارثي  والثقيل  بيننا إضافة الى  رسمه لمسار حياتنا وغدِنا الغامض .
 ومع ذلك كانت ملامح الصورة التي رسمها شوقي الماجري ، لما جرى من احداث ومايزال يجري على ارض الواقع العراقي واضحة ودقيقة في تفاصيلها ومبتعدة عن المبالغة والتضخيم سواء في رسمها للاحداث او الشخصيات .
 ولو تابعنا مسيرة هذا المخرج  الحافلة والغنية على الرغم من قصر ظهوره على الساحة الفنية لوجدنا ان له نمط من التفكير والقناعات الفنية التي تجعله يقتفي وبوعي تام اساليب الفنانين الكبارفي رسم ملامح تجربته الفنية،  ابتدأ من  اختياره للنصوص والتي غالباً ما تتناول في جوهرها صراع الانسان لاثبات انسانيته .
تأتي هذه القيمة التي غالباً مايحتفي بها الماجري  ضمن اطار ملحمي
( زماناً ومكاناً ) .  . ففي اعماله ليس هنالك من بطل فردي يستحوذ على الاحداث انما هنالك دائما عدد  كبير من الشخصيات الانسانية الرئيسية والثانوية التي تتحرك وتنبض داخل الازمنة والاحداث التي تتسع رقعتها لتشمل مديات عمودية واسعة .
ولن يكتفي شوقي الماجري في التوقف والاهتمام بالشخصيات الرئيسية . انما تأخذ معظم الشخصيات نفس الاهمية والاهتمام من قبله في تقديمها داخل المشهد . كما ان تربيته الاكاديمية السينمائية جعلته يعتمد في بناءه للمشهد على الصورة اولاً فيما تحمله من مفردات وفيما يحمّلها هو من مدلولات وتأويلات مستغنياً بذلك عن الثرثرة في الحوار الذي يشكل مرضاً قاتلاً في الدراما العربية ،مكتفياً بجمل قصيرة مكثفة تساهم اولاً واخراً في صياغة  وبناء الشخصية، وفي دفع وتطور الاحداث درامتيكياً الى الامام  دون السقوط في الاستطراد والاطالة التي ادمن عليها المخرجون تحت رغبة شركات الانتاج التي تسعى الى تلك الاساليب لاغراض ربحية ! حتى لو كان ذلك على حساب التخلّي عن القيم والاشتراطات الفنية المكثفة  والمطلوبة في بناء اي عمل فني .
 كما يتضافر مع ذلك لدى الماجري  بناء المشهد/ الصورة  .  وذلك بالاهتمام العالي في تصميم اضاءة المشهد درامياً وتأثيثه بجمل وتراكيب  بلاغية من البقع والمساقط الضوئية واللونية  التي قد لانجدها الا في الاعمال السينمائية لكبار المخرجين العالميين .
من هنا يأتي حرصه على التعامل مع مدير التصوير البولوني الجنسية في كل الاعمال التي اخرجها . وذلك لادراكه الكبير لأهمية ان يكون الى جانبه مديرتصوير يمتلك خبرة وكفاءة ووعياً درامياً يمكنه من  فهم ما يفكرفيه المخرج ومايريده في كل لقطة وفي كل مشهد . وهذا مالانجده في معظم النتاجات الدرامية العربية التي لايولي مخرجوها اية اهمية لدور مدير التصوير .وغالباً ماتراهم يكتفون بأضاءة المكان والشخصيات دون ان
يكون للاضاءة اي دور في رسم وايصال الافكار والاجواء التي ينبغي ايصالها للمتفرج . .
 ان شوقي الماجري التونسي الجنسية والمتخرج من احد معاهد السينما في بولونيا في منتصف العقد الثامن من القرن العشرين . هوبحق نموذج للفنان الذي يكافح من اجل الدفاع عن عشقه للفن والتعبير عنه بأجمل الصور واكثرها بلاغة . ولم يثنيه عن ذلك  ضعف ومحدودية دعم الانتاج السينمائي في العالم العربي عن التوقف وانتظار فرصة العمل السينمائي . كما فعل الكثير من الموهوبين السينمائيين  في عالمنا العربي . بل آثر ان يقتحم ميدان التلفزيون المتكلّس منذ عقود   بالأطُر والفورمات الجاهزة .
وآثر ان يدخله بعُدّته السينمائية التي إكتسبها من غنى السينما الاوربية واصالتها التي تختلف في خطابها وجمالياتها المميزة عن صناعة السينما الاميركية وقوالبها الجاهزة في معالجة الشخصيات والاحداث .
 ومعلوم لدى العارفين والمتابعين لتاريخ السينما في العالم  مدى البون الشاسع الذي يفصل مابين نمط الانتاج السينمائي الاوربي والانتاج الاميركي . واقل مايمكن قوله في هذا الموضوع ان السينما الاوربية تنطلق من اسس انسانية وجمالية في بناء الفلم السينمائي  رغم بساطة الكلفة الانتاجية التي تقف وراء انتاج الفلم قياساً الى الفلم الاميركي الذي تتضاعف ارقام انتاجيته الى عشرات بل مئات اضعاف من انتاجية الفلم الاوربي .
من هذه التقاليد الاوربية الرصينة التي شكلتها فلسفات وافكار تمجد الحرية للانسان والشعوب وانتجت معظم المناهج والتيارات الفنية المعاصرة في كل الفنون  جاء شوقي الماجري ليضع مع قلة اخرين الحجر الاساس لبناء دراما تلفزيونية جديدة شكلاً ومضموناً وتمكن في سوريا من تحقيق احلامه التي بدأت تشكل علامة فارقة في الدرما العربية .  
 نشرت المقالة في صحيفة الزمان . بتاريخ 3/10/ 2009 على الرابط :
http://www.azzaman.com/index.asp?fname=2009\10\10-02\669.htm&storytitle=شوقي%20الماجري.%20وجماليات%20خطاب%20الدراما%20التلفزيونية




في: ديسمبر 06, 2009, 11:02:18 am


       
        مبدعون بلا افكار  . . .  !؟
       



         لاتنسبوا الاعمال الى غير اصحابها ،
         ولاتهِـِبوا حقاً لمن لايملكه ....

                           
 لست هنا بصدد كتابة مقال نقدي عن الفلم التلفزيوني الذي كتبته تحت عنوان ( عنكاوا . . مدينة من الغد ) والذي تحول الى عنوان اخر:
( عنكاوا . . الق وعطاء دائم )  من قبل مخرج الفلم دون استشارتي ،
وهذا العنوان الثاني يصلح ان يكون شعاراً وطنياً فضفاضاً  ولكنه لايصلح ان يكون عنواناً ادبياً مكثفاً للفلم كما هو الحال مع  العنوان الاصلي الذي وضعته اولاً . ذلك لان عنوان اي عمل فني او ادبي  يقتضي توفرعدد من الاشتراطات الفنية لكي يمتلك صلاحيته كعنوان  ،  منها :  ـ
الايجاز، والايحاء ، وقصر العبارة . 
ورغم انني سجلت الكثير من الملاحظات الفنية ضد الفلم بعد مشاهدتي له ، منها ماله صلة بأبتعاده عن اية شروط فنية يمكن ان  تضعه في خانة الفلم الوثائقي ، ابتدأ من :ـ
 اصرار المخرج على ان يتخلىّ تماماً عن  استثمار ( الجو العام ) طيلة الدقائق الستين، التي هي زمن عرض الفلم ، مما افقدنا الاحساس بالبيئة والمكان وما يختزنان من اصوات حقيقية تعبر بصدق عن حركة وحيوية الحياة وليفتقد الفلم بالتالي اهم عنصر توثيقي للزمان والمكان .
وإذا ماتناولنا عنصر الايقاع في الفلم فأننا وجدناه مترهلاً  وثقيلاً جداً
بسبب بطىء حركة الشخصيات الدرامية داخل الفلم وطول المشاهد الفلمية التي كانت تستغرق وقتاً طويلاً ومملاً على الشاشة.  ومثالنا على ذلك : الدقائق العشرون الاولى من الفلم  والتي كانت  تتعلق بالصحفي الشاب وهو يكتب على الالة الكاتبة . وكذلك مشاهد عودة والده الاسير الى مدينته ، وهذا المشهد  يعد من أضعف المشاهد واكثرها مدعاة للتعجب ! ذلك  لان الصوت الخارجي ( التعليق ) المصاحب للصورة كان يشير الى ان الاسير عاد في منتصف الليل الى عنكاوا ( لكن المشهد تم تصويره في النهار ) .
 وبعد ان يطرق الاسير  البا ب عدة مرات يخرج الجيران على صوت تلك الطرقات  نساء ورجال كبار في السن ( لم نرى الاسير على  يطرق الباب بل وجدناه يمشي في الزقاق ويتوقف ليسأل فتىً شاب ) ،ثم يستقبله الجيران  بالاحضان وبالمشاعر الدافئة التي عوضته للحظات  سنوات الاسر
والحرمان ( لم يكن بين المستقبلين  الجيران اي رجل كبير اوامرأة كبيرة
 في السن ،بل على العكس من ذلك لم يظهر على الشاشة سوى شباباً صغاراً في السن ) ..  من هنا حصل الخلل في المعالجة الاخراجية لهذه المشاهد ،نتيجة للتناقض الحاصل مابين المعلومة الواردة في التعليق والمعادل الصوري لها . مما تسبب في فقدان الصورة للمصداقية الواقعية في التعبير عن الفكرة .
اما تلك المشاهد التي تتعلق   بوصول الصحفي الشاب الى عنكاوا ونزوله من الطائرة ووصوله الى الفندق والنزول من السيارة وحمل حقائب السفر والدخول الى الفندق والوقوف امام موظفي استقبال الفندق وانهاء اجراءات الحجز والصعود الى عبر المصعد الى الغرفة .فقد كانت هي الاخرى طويلة جداً واصابت ايقاع الفلم بالترهل والبطىء .
وهنالك الكثير من  المشاهد  الدرامية الاخرى التي لاتصلح للعرض ،وذلك يعود الى تحديق الممثلين المباشر بعدسة الكامرة ( مشهد الصبيان وهم يلعبون لعبة الدعبل ومشهد الفلاحين وهم يسنّون  المناجل استعداداً للحصاد ).وهذا يعد من البديهيات التي ينبغي ان يعرفها اي مخرج .
 وهنا ايضاً لابد من الاشارة الى ان  مخرج الفلم  لم يتردد في أستخدام نفس الصبيان الذين كانوا يلعبون الدعبل في مشهد سابق من الفلم ، عاد  مرة اخرى لاستخدامهم   في تمثيل دور الفلاحين وهم يسنون المناجل وهم يحدقون بين لحظة واخرى في عدسة الكامرة  . ! وهذا خطأ جسيم  لايمكن تبريره ،  ساهم ايظا في ضياع المصداقيةفي  توصيل الخطاب الفني الى المتلق ِ .
 اما الاغنية  التي صاحبت معظم مشاهد الفلم باعتبارها موسيقى تصويرية مصاحبة له فلم تكن الاً  فهماً خاطئاً لدور الموسيقى التصويرية في بناء معمارية الفلم السينمائي ، وكانت الاغنية بذلك عنصرا فنياًً غريباً وطارئاً  على الفلم  رغم ان كلمات الاغنية كانت تنطق باللغة السورث ، وهي هنا لم تساهم ولو بأية درجة  بسيطة في اغناء الخطاب الفني والفكري للفلم، 
 ان الفلم الوثائقي تقتضي عملية بناءه الفني :
 الاستغناء التام  عن  اية موسيقى خارجية لاصلة لها بأحداث الفلم ،  وينبغي  دائماً  الحرص على استثماراي  عنصر موسيقي وصوتي من داخل الفلم وليس من خارجه ليصبح الايقاع والصوت بالتالي جزأً لايتجزأ من الطبيعة الوثائقية للفلم .
اما فيمايتعلق (بالتصوير). . فقد اتسم هو الاخر بجملة من المشاكل والاخطاء التي لاتظهر الاّ لدى المصورين المبتدئين . . ومثالنا على ذلك :ـ
عدم وضوح الصورة ( أوت فوكس ) في الكثير من اللقطات والمشاهد .
تغيّر الوان المَشَاهد ،وهذا يعود الى عدم المعرفة الدقيقة بعملية اعداد وتصحيح الالوان قبل عملية التصويراي مايصطلح عليه فنياً (وايت بلنس ) .

ولو تناولنا كذلك  اللقاءات التي اجريت مع عدد من رموز وشخصيات مدينة عنكاوا والتي ظهرت في الفلم،  نجدها هي الاخرى كانت  تتسم بطول زمنها الواضح على الشاشة ،وساهمت بدورها ايضاً في تراجع ايقاع الفلم الى الوراء .
اضافة الى ذلك يلاحظ :  الغياب التام لعنصر الاضاءة الطبيعية والصناعية،وعدم الاهتمام بها في بناء وتصميم ( باك راوند وفورك راوند)  الصورة والمشهد واللقاءات ، بالشكل الذي يرتقي بلغة الصورة السينمائية التي تنفرد عن غيرها من بقية الفنون اولاً واخراً باستثمارها الدرامي لعنصر الضوء ،سواء كان طبيعياً او صناعياً .
 ومن الاخطاء الاخرى التي وقع فيها الفلم  ايضاً ، ظهورعلم كردستان بشكل واضح في احد المشاهد التي ينبغي ان تكون في كندا حينما يكون الصحفي لحظتها  يتجول امام داره !

عودة الى موضوعة  المقال الرئيسة  :

وبعد هذه الملاحظات السريعة عن الجانب الفني للفلم ، لابد لنا ان نعود الى موضوعتنا الرئيسة والتي كانت الدافع الاساس  لكتابتنا هذا المقال والتي تتعلق اولاً واخراً بالقيم والثوابت المهنية والاخلاقية التي ينبغي تواجدها وتوفرها في وسطنا الفني حتى نتمكن من  الانطلاق بشكل سليم في بناء نهضتنا الفنية التي ننشدها في عنكاوا وحتى نقطع الطريق ــ ابتدأً من الخطوة الاولى ــ على كل الطارئين اللذين لايترددون في الصعود على اكتاف الاخرين، لالشيء إلاّ  من اجل تحقيق مجد كاذب .!

مع بداية شهر تشرين الاول الماضي 2009 كلفت من قبل فرقة اور المسرحية التابعة لجمعية الثقافة الكلدانية  ان اكتب فلماً تلفزيونياً عن مدينة عينكاوا ،وقد كلف السيد طاهر سعيد نيابةً ً عن الجمعية في ابلاغي بهذا التكليف . وفي حينها اشار علي ّ السيد سعيد بأن اتناول في السيناريو  كل مايتعلق بعنكاوا، ماضيها وحاضرها ورجالاتها .  واكتفى بهذه الاشارة فقط . ولم يملي علي ّ باية فكرة أومعالجة  فنية اخرى تتعلق بكيفية تناول الموضوع . 
ومن اللحظة الاولى لتحملي هذه المسؤولية بدأت  في قراءة  معظم المصادر والكتب التي تناولت تاريخ  هذه المدينة ،وقد  جلب لي السيد طاهر سعيد مشكوراً معظم تلك المصادر من جمعية الثقافة الكلدانية  .
 ثم بدأت بعد ذلك مرحلة جمع المعلومات التاريخية عن المدينة  ومؤسساتها ورجالاتها وابرز الاحداث التي مرت عليها .
 بعدها . . بدأت مرحلة اخرى ،وهي الاصعب في بناء الموضوع وتشكيله ،  وهي مرحلة  البحث عن  المعالجة الدرامية ( اي الرؤية الفنية ) التي ستصبح مدخلاً منطقياً لبناء مشاهد واحداث الفلم  .
 كذلك كانت مسألة  البحث عن الاسلوب الفني ـــ الذي ينبغي ان اتكىء عليه لتوصيل المعلومة التاريخية ـــ  لاتقل اهمية عن مسألة الرؤية الفنية.
إذ ينبغي  للاسلوب في العمل الفني  ان يكون ممتعاً وسهلاً في توصيل  المادة التاريخية الى المتلقي  مهما كانت  ثقلية  و جامدة .
 وفي اخر الامر توصلت  الى خلق و بناء خط درامي ممثلاً بشخصية صحفي شاب اسمه ريمون ولد وعاش في كندا ،  تعود جذوره  الى مدينة  عنكاوا التي لم يرها ابداً. . . يكلف هذا الصحفي بالسفر الى العراق وكتابة ريبورتاج عن المدينة التي كانت  الموطن الاصلي لوالده الذي سبق له  ان سقط اسيراً على يد القوات الايرانية التي كانت تخوض حرباً مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي . وبعد عشر سنوات  كان قد قضاها في اقفاص الاسر يعود الى العراق بعد احدى عمليات تبادل الاسرى بين العراق وايران  والتي جرت في مطلع تسعينات القرن الماضي  .  لكن هذا الاسير العائد يتفاجأ أن عائلته قد هاجرت الى كندا .
وبعد ان علمت عائلته  المقيمة في كندا منذ عام 86 بعودته من الاسر،  بذلت كل ماتستطيع من اجل ان يلتحق بهم ابنهم الى هناك ،بعد ان كانوا قد فقدوا اي امل ببقائه على قيد الحياة  .
 وبعد عام من وصوله الى كندا تزوج  من امرأة  شابة تعود بصلة قرابة الى والدته  ومن ثم ليرزقا بطفل اسمياه ريمون . وقد حرص جده وجدته على ان يحكيا له عن كل مايتعلق بعنكاوا.
 فنشأ ريمون وهو يحلم برؤية هذه المدينة التي كانت موطن اجداده .
وتحقق له هذا  الحلم حين كُلف بكتابة ريبورتاج عن هذه المدينة بعد سقوط نظام صدام عام 2003 . ومن اجل ذلك كان قد اتفق عبرحوارات متواصلة أجراها من خلال شبكة  الانترنت مع مسؤولة مكتب الصحيفة في اربيل  على ترتيب  اجراءات اقامته لمدة عشرة ايام في عينكاوا .ليتمكن من خلالها التعرف على المدينة وعلى ابرز معالمها .
وهكذا تتم الرحلة الى عنكاوا وكانت بمثابة رحلة استكشاف لذاته وروحه . وبعد ان تنتهي الايام العشرة يعود ريمون الى كندا ليكتب رسالة الى سوزان مسؤولة مكتب الصحيفة في اربيل ،معبراً فيها عن سعادته الغامرة بالايام التي قضاها في  موطن اباءه واجداده ومعرباًعن الانعطافة الكبيرة التي حصلت في حياته بعد تلك الزيارة . وليقرر في اخر الامرالعودة مرة اخرى الى عنكاوا في اقرب فرصة .
هذه هي المعالجة الدرامية التي كنت قد اوجدتها من اجل خلق معادل درامي للمادة التاريخية التي ينبغي طرحها عبر الفلم . وهنا اعود مرة اخرى لاؤكد واقول : ـ
 لم يكن لاي شخص اخر اي دور أو مساهمة ــ لامن قريب ولامن بعيد ـ  اثناء جميع مراحل كتابة الفلم التي استغرقت مني  مدة اسبوعين بالتمام والكمال، ولم التقى فيها باي شخص من اعضاء فرقة اور او من اعضاء الجمعية منذ لحظة تكليفي (شفهياً ) من قبل السيد طاهر سعيد وحتى  تلك اللحظة التي حضرت  فيها الى مبنى الجمعية وجلست في احدى غرف الطابق الثاني من المبنى مع عدد من اعضاء فرقة اور بعد ان كنت قد انتهيت من عملية الكتابة وكنت في حينها  قد طبعت نص الفلم ايضا وقدمته لهم .وفي ذاك اللقاء الوحيد  الذي جرى يوم 30/ 10/ 2009 على ماأذكر  في مبنى جمعية الثقافة الكلدانية وهو اللقاء الاول والاخير مع عدد من اعضاء فرقة اور كنت حريصاً في وقتها  على ان أقرأ  لهم الصفحات الاولى من النص ، والتي تتضمن بوضوح  ملامح المعالجة الدرامية التي توصلت اليها وكتبتها .  وكنت قد لمست عن كثب الشعور بالدهشة والمفاجأة  على وجوه جميع الحضور ،وقد عبروا عن اعجابهم ذاك بكل وضوح وصدق انذاك . وهذا ما دفعهم الى ان يطلبوا مني ان اكتب لهم جزءاً ثان وثالث للفلم . لكني طلبت منهم ان يتريثوا قليلاً  وان لايستعجلوا حتى نرى نتيجة الجزء الاول بعد العرض . 
كما وجدت في ذلك اللقاء ايضاً  ان لدى ادارة (فرقة اور) ممثلة بالسيد مهيب ، لهفة واستعجالاً من اجل انجاز الفلم بأسرع وقت ممكن حتى  يكون جاهزاً  للعرض في مطلع شهر 12كانون الاول 2009  ليكون ضمن فقرات الحفل الذي يجري الاستعداد له احتفالاً بتأسيس الجمعية . وقد اعربت لهم في حينها عن خطأ مايخططون له، وأوضحت لهم بضرورة التأنيّ. وضرورة  ان تكون هناك فترة محددة  لتهيئة المستلزمات الانتاجية  للفلم ، وان لاتقل تلك المدة  عن شهركامل (30 ) يوماً . .  اضافة الى ان الفلم لايمكن انجازه بأقل من ثلاثين يوماً  . اي انهم بحاجة الى شهرين لانجاز الفلم بالشكل الذي يفرضه السيناريو الذي كتبته ،  والذي يضم( 41) مشهداً،  تحتوي العشرات من الامكنة التي ينبغي ان تنتقل اليها الكاميرا ،
 اضافة الى مجموعة كبيرة من الصور الفوتوغرافية التي تتعلق بأحداث مرّت على المدينة وكذلك بشخصيات عامة من ابناء عنكاوا  ينبغي البحث عنها والعثور عليها وتحضيرها قبل البدء بالتصوير نظراً لاهميتها في بناء
الفلم  لكنني وبعد  من ايام معدودة على ذلك اللقاء اصابتني الدهشة عندما  اعلمني المخرج طاهرسعيد بأنه قد انتهى من انجاز الفلم !. وان موعد العرض قد تم تحديده في مطلع كانون الاول 2009 .
 عند ذاك ادركت ان النتيجة ستكون مخيبة لي،  وان الجهد الذي بذلته وللاسف الشديد قد ضاع سدى وقد افصحت بهذه المشاعر لعدد من اعضاء جمعية الثقافة الكلدانية ومنهم الاستاذ كوثر نجيب  الذي كان عضو سابقاًفي الهيئة الادارية لجمعية الثقافة الكلدانية في الدورة السابقة .
وبعد عرض الفلم جاءت النتيجة مثلما توقعت . فكان الفلم صورة مشوهة  ومسعجلة وغير منصفة  لما هو مكتوب على الورق .. ولاأريد هنا ان اعدد  مرة اخرى المشاهد الكثيرة  التي اصابتني بالاسى . لذا كان عليّ ان اغادر قاعة العرض مباشرة بعد انتهاء الفلم   وانا في غاية الالم .
 ومع ذلك . .  لم يكن في نيتي الكتابة نقدياً عن الفلم مطلقاً ، لانني شئت أم ابيت كنت قد  اصبحت جزءاً منه ومن طاقمه طالما كنت انا الذي تحملت مسؤولية كتابته .
لكنني  قررت الكتابة بعد ان اطلعت على (فولدر) العرض وتايتل الفلم  وقدكتب عليه عبارة تشير الى ان   فكرة  الفلم تعود الى - ستيفان شاني !
ومما زادني اصراراً على الكتابة من اجل وضع النقاط على الحروف  ماأبلغني  به الفنان خليل كاكا من  ان هناك اكثر من شخص من غير ستيفان شاني يدعي هو الاخر مساهمته الفاعلة في اقتراح المعالجة الدرامية وفي خلق شخصية الصحفي الشاب .
 وهنا قررت الخروج من الصمت  وكتابة مقال اوضح فيه تفاهة ماجرى من غير علمي بذلك ، واوّضح فيه كذلك معنى وخطورة ان تنسب فكرة الفلم الى شخص اخر غيري لم يسبق لي ان التقيت  به ولم اتعرف عليه حتى هذه اللحظة ولم يجمعني به  في يوم من الايام اي لقاء .؟  ولو حدث ألان ، أن  وقف امامي المدعو ستيفان شاني    فلن اتعرف عليه مطلقاً!   لقد اخذني العجب والدهشة مما رأيت وسمعت حينما وجدت  شخصاً مجهولاً بالنسبة لي يتحول  بقدرة قادر،  وفي لحظة  لاوجود لها ، الى خالق  لفكرة الفلم  الاساسية  مع اني ّلم التق به ابداً !؟  . .
 وهكذا جرت الامور ببساطة تامة وتمت مصادرة الجهد الذي بذلته في كتابة الفلم وبمباركة واضحة ــ يلفها الغموض ـــ  من قبل السيد المخرج . !
ويبدو لي ــ وأرجو أن اكون مخطئاً ــ  أن لدى السيد المخرج مصلحة ما تقتضي منه ــ وأكراماً للسيد ستيفان شاني ــ  ان يضرب عرض الحائط بكل القيم والاصول المتفق عليها في الاوساط الادبية والفنية منذ عشرات السنين وليسلب بالتالي  حقاً  يعود لي وحدي  ــ لايملكه هوــ  ويمنحه بكل سهولة  الى من لايملك شيئاً . وإلاّ كيف يمكن تفسير ماجرى !؟

هذا اضافة الى ان  استخدام كلمة (اعداد ) التي سبقت اسمي  في اعلانات وتايتل الفلم  لاوجود لها في قاموس السينما ، وكان ينبغي على الاخ المخرج طاهر سعيد ان  يستخدم كلمتي ( سيناريو وحوار ) وهذا هو ماتم الاتفاق عليه عالمياً  وثبت في معجم المصطلحات السينمائية  بدلاً عن  كلمة ( اعداد) التي عادة ماتستخدم في تايتلات  البرامج التلفزيونية ولايتم استخدامها  في صناعة  الافلام   .

السادة الكرام اعضاء فرقة اور المسرحية  :

ليس من العدل والانصاف ان تنسب الاعمال الى غير اصحابها بدون وجه حق . وليس من الاخلاق ان يرتضي البعض لانفسم ان يرتكبوا مثل هذا الفعل المعيب والذي لايليق حقيقة  بمن يعمل بجد واخلاص  في الميدان الفني . . كما لايليق بالسيد المخرج ان يتواطىء مع من  لايتردد في صنع تاريخ كاذب له !
ويقتضي الامر من نقابة الفنانين في كردستان بعد  ان يصلها الامر بمثل هذه القضايا أن  تتخذ اجراءاتها  الواضحة والقانونية بحق من يسىء الى الاصول والتقاليد الفنية التي تحرص كل المؤسسات  والجمعيات والشركات الفنية الرصينة على الالتزام بها حفاظاً على حقوق الاخرين المعنوية .
  و ليس من المعقول ايضاً ان تسرق جهود الاخرين وبشكل سافر وصريح دونما رادع يتخذ ضدهم من قبل نقابة الفنانين  في كردستان وكذلك من قبل المؤسسات والجمعيات التي ينتمون لها ويمثلونها لانهم بمثل هذا السلوك يسيئون لها ايضاً  .
الاخوة المحترمون  في فرقة اور المسرحيةالتابعة لجمعية الثقافة الكلدانية في عنكاوا :
  لقد كنت حريصاً وأنا اكتب الفلم على ان اقول  شيئاً جميلاً  يليق بهذه المدينة وبتاريخها ،  لانني  منذ ان سكنت فيها قبل اكثر من اربعة اعوام بحكم عملي في قناة عشتار الفضائية  احببتها بعمق لما اتسم به اهلها من وداعة وطيبة . ولكنني وياللاسف ، صدمت بهذه الافعال الصبيانية التي اقترفها البعض والتي لاتنم  إلاّ عن سذاجة وسوء تقدير !
واخيراً ليس لي إلاّ ان اقول :  إن اي فنان يحترم فنه،  وتاريخه، وشخصه، سوف لن يتورط  في صنع تاريخ كاذب له . ولن يتورط في سرقة جهد الاخرين،  ولن يتورط أبداً  في أي  فعل قد يسىء له ،أويخدش قليلاً  صورته ،  وسمعته امام  زملاءه وجموره .

نشرت في موقع عنكاوا بتاريخ :   5/ 12/ 2009
                                                 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لمهرجان الاول للافلام الروائية القصيرة
لفرقة شمشا المسرحية / في عينكاوا .

حـلــم كبيـــر ..
لمدينة صغيرة .




عينكاوا هذه المدينة الصغيرة لوحت بإشارة من يدها الغضة بأن يوضع اسمها على خارطة المدن الشهيرة التي تفتخر بمهرجاناتها السينمائية . على الرغم من خلوها من اي معهد اومؤسسة فنية متخصصة تدرس او تنتج فنا سينمائيا . الا أن وجود شاب اسمه خليل كاكا سبق ان تخرج من كلية الفنون الجميلة /جامعة بغداد / في منتصف العقد الثامن من القرن الماضي . وهو يحمل شهادة اكاديمية في الفن السينمائي . هيّأ الفرصة للامساك بالحلم الذي قد لايكون أن مر ببال اي مثقف اوفنان يسكن هذه المدينة. إلا ان خليل كاكا ما أن تخرج من الكلية ، حتى عاد الى مدينته ليستقر فيها رغم الفرص التي اتيحت له في العاصمة بغداد لكي يمارس نشاطه السينمائي باعتباره مصورا سينمائيا ممتازا يملك الكثير من السيطرة الحرفية والمهنية لكل التفاصيل التقنية والفنية لعالم التصويرالسينمائي . ومن عينكاوا انطلق في ممارسة نشاطه الفني عبر عدد من الاشرطة القصيرة التي كان ينتجها بنفسه اضافة الى العمل بنشاط في تجارة اجهزة التصوير السينمائي والتلفزيوني والفوتوغراف . اذ لم يستطع هذا الحالم ان يغادر عالم التصوير حتى في كسب لقمة عيشه بل احال هذا الكفاح الى نجاح كبير جعله قادرا على تاسيس شركة للانتاج السينمائي ولتجهيز الموسسات الفنية بالاجهزة الفنية التي لها صلة بالانتاج التلفزيوني والسينمائي . إلا ان هذا النجاح الكبير على المستوى التجاري لم يفقده احساسه الجميل بعالم الفن السينمائي . من هنا كان مصمما على ان يبدا في عينكاوا مرحلة جديدة يخرجها من هدوئها بل من خمولها وكسلها الثقافي . ولتدخل هذه المدينة عالم المدن الكبيرة في ماتسعى اليه من فعل ثقافي . لذا جاءت فكرة اقامة مهرجان سينمائي للافلام القصيرة خطوة اولى في مشوار طويل نتمنى ان يتحقق ويستمر لمعانقة النور . لكن خليل كاكا شاء ان يستبق المهرجان بدورة تعليمية لاعضاء فرقة شمشا المسرحية التي ارتكز عليها في بناء المشروع . استمرت هذه الدورة اكثر من شهرين، كان خليل كاكا هو المحاضر الوحيد في الدورة . نقل خبرته ومعارفه الاكاديمية في كل شؤون الانتاج السينمائي الى طلاب دورته الذين لايتجاوزون اصابع اليد . ابتدأ من كتابة السيناريو والتصوير السينمائي والاخراج والمونتاج والاضاءة والديكور والاكسسوار .وفي نهاية الدورة كان على كل مشارك فيها ان يقدم سيناريوتنفيذي لفلم سينمائي قصير. وليبدا التنفيذ بعد ذلك . فكانت النتيجة ستة افلام قصيرة يتراوح زمن عرضها مابين الدقيقه وخمسة دقائق :
الافلام المشاركة :
ـــــــــــــــــــــــــ

1- حلم صغير اخراج خليل كاكا
2- بريد سريع اخراج هوكر كويي
3- جرعة مورفين اخراج خليل كاكا
4- فقاعة ثقافية اخراج ايفان سعدي
5- الحقيقة في الظلام اخراج ميلاد عبد المسيح
6- براعم اخراج مؤيد ابراهيم


الفلم الاول( حلم صغير) : يسرد مشاعر طفل صغير يأسرهُ شعور بالحرمان العاطفي ،نتيجة فقدان والده ، كما يتفاقم هذا الشعور عندما يمارس المجتمع دورا سلبيا في تجاهله وعدم الاهتمام به.
.
والفلم الثاني( بريد سريع) : يستعرض عمليات النصب والاحتيال والسرقة التي تمارسها بعض من منظمات المجتمع المدني التي تدعي مساندتها لشرائح المجتمع الضعيفة .

اما الفلم الثالث (جرعة مورفين): فهو واحد من اافلام المهمة على مستوى الشكل والموضوع وهو اقرب الافلام الى البناء والشكل السينمائي اذ يتناول البناء الوهمي الهش الذي تصنعه الانظمة الايدولوجية الشمولية . وتنجح لسنين طويلة في السيطرة على شعوبها عبر اعلام مزيف وكاذب يروج لنظام من القيم المريضة لاينتجها الا عقل مريض .

اما الفلم الرابع (فقاعة ثقافية ) : فيقدم نموذجا لمن يحاول ان يستثمرمظاهر الثقافة لخداع الناس والضحك عليهم . وفي اخر الامر ماهو الا فقاعة فارغة لاتملك فعلاثقافيا يمكن ان تقدمه للمجتمع .


اما الفلم الخامس (الحقيقة في الظلام ) : فانه يتعرض الى الفساد الادراي الذي يختفي وراء الازمات التي يعيشها المواطن ومنها ازمة الكهرباء .

واخير الفلم السادس (براعم ): الذي يرصد حلم امراءة حامل . تحلم للطفل القادم ان يحيا في بيئة طبيعية وصحية بعيدا عن واقع تحتشد فيه الاشواك والادغال التي تمنع الطفولة من العيش والتحليق بسعادة في الفضاء الانساني الرحب .
اعلن عن موعد افتاح المهرجان للفترة من 11- 12/12/2008 بعد ان تلقى دعما كبيرا من السيد سركيس اغاجان الذي لن يتردد في دعم اي مشروع يهدف للنهوض بواقع الثقافة السريانية . لقد شاهد جمهور عينكاوا ولاول مرة افلاما سينمائية قصيرة من انتاج ابناء المدينة الذين لم يتخرجوا من معاهد سينمائية سوى الدورة التي كانت اول باب يفتح امامهم للتعرف على عالم الفن السينمائي الصعب .
على ذلك : فإننا لن نقتل فتنتنا واعجابنا بهذه الافلام بالتوقف امام الكثير من مفاصل الضعف التي بدت واضحة لنا في معظم الافلام المعروضة . بلى أثرنا أن ننحي احتراما لجهود الفنان خليل كاكا لما أقدم عليه من فعل ثقافي ستذكره عينكاوا دائما . فهو بهذا المهرجان كتب الاحرف ألاولى من مشهد سينمائي جديد سينهض هنا في عينكاوا، قد يطول الزمن حتى نرى نتائجه المهمة ، لكن يكفيه فخرا انه قد دحرج الصمت بقدميه، خارج صالة جمعية الثقافة الكلدانية التي اقيم عليها المهرجان وليصغي الحضور ويشاهدوا من وسط الظلمة ابطال الغد على الشاشة . ولكي تكتمل الصورة التي ايقظت عينكاوا على حدث ثقافي جديد لاصلة له بكل ماشهدته من فعاليات ثقافية مستمرة طيلة السنوات الماضية .
وبعد نهاية عرض الافلام اقيمت ندوة مفتوحة وصريحة تحاور فيها جمهور من المثقفين والفنانين مع المخرجين العينكاويين الشباب وبحضور الفنان خليل كاكا . . في هذا الحوار تم التوقف امام عدد من الملاحظات الفنية التي سجلها جمهور النخبة المثقفة على الافلام المعروضة . وتكاد ان تتمحور معظم الملاحظات على نقاط محددةبدت واضحة في الافلام الستة المعروضة، من هذه الملاحظات :
1- ضرور تكثيف زمن عدد من الافلام مثال/ فلم : جرعة مورفين +براعم صغيرة
2- قصور في استثمار الموسيقى والصوت من داخل الفلم (الجوالعام ).
مثال/ فلم : حلم صغير
3- بعض الافكار تحتاج الى معالجات اكثر عمقا لكي تخرج من الاطار التلفزيوني التي تتسم طروحاته بالبساطة قياسا الى المعالجات السينمائيةالتي تنحو الى الجرأة والاستفزاز مثال / فقاعة ثقافية + الحقيقة في الظلام +بريد سريع
4- السقوط في التعقيد والغموض في ايصال الافكار. مثال/ فلم : براعم صغيرة .
5- بدا واضحا رغبة المخرجين الشباب في طرح افكار نقدية تتناول اوضاعا اجتماعية وادارية تتسم بالفساد . وهذا امريدعو الى التفاؤل عندما تكون بداية الوعي بمسؤولية الفن السينمائي ازاء القضايا المجتمعية مثال/ فلم : بريد سريع + حلم صغير + الحقيقة في الظلام

اخيرا وليس اخرا ياتي هذا المهرجان خطوة هادئة و جريئة للخروج من العتمة الى الضوء رغم العثرات .

نشر في موقع طنجة الادبية(2008-12-22رابط المقال :
http://ar.aladabia.net/article-857-2_3.html

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إرسال تعليق

المشهد الثقافي 599

المشهد الثقافي ح 599 اعداد وتقديم : مروان ياسين  تقارير حسن البغدادي العناوين : محاضرة عن علاقة الفلسفة بالفن والشعر والادب للدكتور معت...